يعالج الرجل هذه المثبطات الناشئة عن ضعف النفس وقلة تمرينها على احتمال المكاره؛ بأن يذكر ما تأتي به الرحلة من الفوائد العلمية أو الأدبية، خاصة أو عامة، فإذا وثقت نفسه بغايتها النبيلة، وعواقبها الحميدة، سهل عليها كل صعب، واستهانت بكل خطر.
قال عبد الملك بن سعيد في وصية ابنه علي عندما أراد الرحلة إلى بلاد الشرق:
وكلّ ما كابدته في النوى إياك أن يكسر من همتك
وليذكر أن هذه المؤلمات تذهب، وأن ثمرة الرحلة لذيذة باقية.
قال القاضي محمد بن عيسى أحد الراحلين من الأندلس إلى الشرق بعد أوبته:
كأن لم يكن بَيْنٌ ولم تك فرقةٌ إذا كان من بعد الفراق تلاقي
كأنْ لم تؤرق بالعراقين مقلتي ولم تمْرِ كفُّ الشوق ماء مآقي
ولم أزر الأعراب في جنب أرضهم بذات اللوى من رامة وبراق
ولم أصطبح بالبيد من قهوة الندى وكأس سقاها في الأزاهر ساق
ونرى في كتب الأدب شعرًا كثيرًا يقصد ناظمه الرد على من يحاول تثبيطه عن الرحلة، كما قال أبو تمام:
أآلفةَ النجيب كم افتراق أظلّ فكان داعية اجتماع
[ 11/ 3 / ٩ ]
وقال آخر:
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ولم تدر أني للمقام أطوفُ
وقال ابن دراج:
ألم تعلمي أن الثواء هو النوى وأن بيوت العاجزين قبور
ويروى: أن المأمون أراد الخروج في بعض الحروب، فوقفت له جارية ممن شغف بهن، ورغبت إليه أن لا يخرج، فقال: لولا قول جرير:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم دون النساء ولو باتت بأطهارِ
لما خرجت.