ومن الغد قصدت "عين البيضاء" في الساعة السادسة مساءً، فركبت عربة يجرها أربعة جياد؛ لعدم ارتباط البلدتين بسكة حديد، فوصلنا في الساعة الخامسة صباحًا، وبعد أن أخذنا سنة من النوم، أفاضت علينا من الاستراحة شيئًا يسيرًا، وفد علينا بعض أهل العلم، مثل: الشيخ محمد العربي بن قشوط، والشيخ المسعود بن علي، والشيخ أحمد بن ناجي، فاستنارت صدورنا تأنسًا بمحاورتهم العلمية في سائر ذلك اليوم.
ومن المسائل التي طرحت بيننا: مسألة الفرق بين الكل والكلية، فقررنا أن قوله - ﷺ -: "كل ذلك لم يكن" لما قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ هو من باب الكلية، لا من باب الكل كما يقول بعض المصنفين؛ بدليل قول ذي اليدين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، وقوله في الرواية الأخرى: "ما قصرت الصلاة، وما نسيت". وإن المعنى: كل ذلك لم يكن في ظني، فيكون مطابقًا للواقع والاعتقاد، ولا داعي إلى تأويل الحديث بتوجيه النفي إلى المجموع، بل لا يصح تحريجه على ذلك.
وبعد صلاة التراويح، دعانا الشيخ أحمد بن ناجي إلى المسجد الذي يدرِّس فيه "المختصر الخليلي"، فلما وافينا المسجد، وجدناه غاصًا بتلامذة ذلك الدرس وغيرهم، ففسحوا لنا مقعدًا في المحراب، ثم قام رجل منهم، ووزع أجزاء نسخة قرآن على الحاضرين، وهذه عادتهم في كل ليلة جمعة، وبعد ختامها انتدب منا ذلك الشيخ أن نذاكرهم بتقرير بعض الأحاديث، فوقع اختيارنا على حديث: "سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل إلخ" الحديث، فأملينا بعض ما نعهده في شرحه، وأسبغنا المقال في شأن التوادد
[ 11/ 3 / ٣٠ ]
والتعاون عند قوله: "ورجلان تحابا في الله، اجتمعا على ذلك، وافترقا عليه"، وشاهدنا من الحاضرين رغبة مفرطة، وإقبالًا زائدًا على تلقي التعاليم الدينية.