كتبت مجلة "المنار" الغراء مقالًا سمته: ردًا تتجلى فيه الحقيقة والتاريخ، وقد وقع في هذا المقال -على الرغم من سلامة ضمير الأستاذ صاحب المجلة، وقصده إلى بيان الحقيقة- جمل غير قابلة لأن تدخل في التاريخ الصحيح، وأحق هذه الجمل بتهذيب يجعلها صالحة لأن تدل على حقيقة، أو تحفظ تاريخًا ثلاثة مواضع، أحسسنا أن التاريح يدعونا بإلحاف أن نقول فيها ما نعلم، وللتاريخ الذي يتحرى الحقائق دعوة لابد لها من إجابة، وما عدا هذه المواضع الثلاثة ليس في وقتنا ما يسع نقده.
قال فضيلة الأستاذ متعرضًا لجمعية الهداية الإسلامية: "ويعتقد كثير من الناس أن لجمعية الخضر مقاصد حزبية".
والواقع أن طائفة من طلاب العلم شعروا بالحاجة إلى تأسيس جمعية إسلامية، فقاموا يترددون على كثير من كبار العلماء، يعرضون عليهم هذه الحاجة، فوجدوا من الأساتذة ارتياحًا وتشجيعًا، وجاءني بعض هؤلاء الطلاب، وكنت يومئذ مصححًا في دار الكتب، ودعوني إلى حضور أول اجتماع عقدوه، فأجبت الدعوة، وشهدت اجتماعهم الأول الذي قرؤوا فيه قانون الجمعية للتنقيح، وفي الاجتماع الثاني سمعتهم يلقون خطبًا في الأسف على ما هوجم به الدين من ناحية الإلحاد، فكان لهذه الخطيب وقع في النفس كبير، وعزمت
[ 11/ 2 / ٩١ ]
وقتئذ على أن أكون فيمن يشد أزرهم، ثم اجتمعوا لانتخاب مجلس الإدارة، وحضر هذا الاجتماع أساتذة من الأزهر، وأساتذة من دار العلوم، وكان المنتخبون أعضاء لمجلس الإدارة حضرات الأساتذة: الشيخ علي محفوظ (١)، والشيخ محمد عبد المطلب (٢)، والشيخ عبد الوهاب النجار (٣)، والشيخ علي أبو درة (٤)، والشيخ عبد الجليل عيسى (٥)، والشيخ مصطفى بدر (٦)، والشيخ
_________________
(١) علي محفوظ المصري، من هيئة كبار العلماء، ومن كبار الواعظين، وأستاذ الوعظ والإرشاد في كلية أصول الدين بالجامع الأزهر ( - ١٣٦١ هـ = -١٩٣٢ م). من مؤلفاته: سبيل الحكمة - هداية المرشدين إلى طرق الوعظ والخطابة.
(٢) من علماء الأزهر، ومن مؤسسي جمعية "الهداية الإسلامية".
(٣) عبد الوهاب بن الشيخ سيد أحمد النجار، من الفقهاء المصريين، ولد في القرشية من قرى الغربية بمصر، وتوفي بالقاهرة (١٢٧٨ - ١٣٦٠ هـ = ١٨٦٢ - ١٩٤١ م)، عمل أستاذًا للتاريخ الاسلامي في الجامعة المصرية، وأستاذًا للشريعة في دار العلوم، له تصانيف عديدة، منها: تاريخ الإسلام في ستة أجزاء - قصص الأنبياء - تاريخ الخلفاء الراشدين.
(٤) محمد بن عبد المطلب بن واصل، أديب وشاعر وخطيب، ولد في "باصونة" من قرى جرجا بمصر، وتوفي بالقاهرة (١٢٨٨ - ١٣٥٠ هـ = ١٨٧١ - ١٩٣١ م)، تلقى علومه في الأزهر، وعمل مدرسًا، له مصنفات، منها: تاريخ أدب اللغة العربية -إعجاز القرآن- وله ديوان شعر مطبوع.
(٥) عالم أزهري من مؤسسي جمعية "الهداية الإسلامية".
(٦) مصطفى بن بدر زيد، تلقى علومه بالجامع الأزهر، وعمل مدرسًا في كلية الشريعة، ولد في شباس الملح في الغربية، وتوفي بالقاهرة ( - ١٣٥٠ هـ = - ١٩٣١ م)، من تآليفه: المنتخب في تاريخ أدب العرب - البلاغة التطبيقية - رسالة التكسب بالشعر.
[ 11/ 2 / ٩٢ ]
عبد الله عبد المقصود (١)، والشيخ يوسف حجازي (٢)، والشيخ عبد الباقي سرور (٣)، والشيخ أحمد مصطفى المراغي (٤)، والشيخ عبد ربه مفتاح (٥)، والشيخ محمد الأودن (٦)، والدكتور عبد العزيز قاسم (٦)، وعبد الحميد أفندي مدكور (٦)، والدكتور عبد الحميد الغمراوي (٦).
هؤلاء أعضاء مجلس الإدارة، ولو كان للحزبية يد في تأسيس هذه الجمعية، لظهر لها أثر في انتخاب مجلس الإدارة، وأهل القاهرة، بل أهل مصر يعلمون أن هيئة مؤلفة من هؤلاء الأساتذة لا تخدم حزبًا، ولا تعمل لغير مصلحة الإسلام والأمة.
وبعد انتخاب مجلس الإدارة، بقي أيامًا يجتمع في بيت فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبد المطلب، ثم انتقل إلى غرفة صغيرة بعيادة الدكتور عبد العزيز قاسم، استمر على الاجتماع بها نحو سنة، وهو مكتف من العمل بالقاء
_________________
(١) عالم أزهري من مؤسسي جمعية "الهداية الإسلامية".
(٢) عالم أزهري من مؤسسي جمعية "الهداية الإسلامية".
(٣) عبد الباقي سرور نعيم، كاتب إسلامي تعلم بالأزهر، وتولى تحرير جريدة "الأفكار" اليومية، ولد وتوفي بقراقص من قرى دمنهور بمصر ( - ١٣٤٧ هـ = - ١٩٢٨ م). له تصانيف، منها: الإسلام ماضيه وحاضره - تنزيه القرآن الشريف عن التغيير والتحريف.
(٤) أحمد بن مصطفى المراغي، من العلماء المفسرين، عمل مدرسًا في دار العلوم، توفي بالقاهرة ( - ١٣٧١ هـ = - ١٩٥٢ م). من تصانيفه: تفسير المراغي في ثمانية مجلدات - الوجيز في أصول الفقه - علوم البلاغة.
(٥) عالم أزهري من مؤسسي جمعية "الهداية الإسلامية".
(٦) من مؤسسي جمعية "الهداية الإسلامية"، والعاملين في الدعوة الإسلامية.
[ 11/ 2 / ٩٣ ]
محاضرات في المساجد، وأخرى في نادي جمعية الشبان المسلمين، أو جمعية مكارم الأخلاق، وطالما فكر في إنشاء مجلة، ولكنه لم يجد من المال ما يسهل عليه الإقدام على هذا المشروع، حتى زار فضيلة الأستاذ الزعيم الكبير الشيخ كامل القصاب غرفة الجمعية، واجتمع ببعض الأساتذة من أعضاء مجلس الإدارة، واطلع على غرض الجمعية، وعندما ذكرت له بأن الجمعية تهم بإنشاء مجلة إسلامية، ارتاح لهذا العمل، وهزته غيرته الدينية إلى أن أمدَّ الجمعية بعشرين جنيهًا، فجمع إليها حضرات أعضاء مجلس الإدارة ما تيسر، وكان هذا أساس إنشاء المجلة.
ثم رأى المرحوم الأستاذ أحمد تيمور باشا الجمعية سائرة في خدمة الدين على خطة مرضية، فأخذ يساعدها ما استطاع، حتى ظهرت، وعرف الناس إخلاصها، وبلغت ما بلغته اليوم، وها هي تلك مجلتها قد دخلت في سنتها الثالثة، فهل وقف لها قراؤها على صحيفة أو سطر في التعرض لحزب، أو الانتصار لحزب، صراحة أو تعريضًا؟؟!
فأعضاء جمعية الهداية الإسلامية برآء من أن يتخذوا اسم الدين وسيلة إلى مقاصد حزبية، وإذا كان في أهل العلم من يعمل لغير الدين باسم الدين، فذلك صنف لا تعرفه جمعية الهداية.
وهل لفضيلة الأستاذ أن يقيم شاهدًا، أو أمارة -ولو خفية- على أن الجمعية أنشئت لمقاصد حزبية؟. وإذا كان هذا الشيء قد أوحاه إليه بعض من مرد على مناوأة الجمعيات الإسلامية، فما كان للأستاذ أن ينسى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
[ 11/ 2 / ٩٤ ]
وذكر فضيلة الأستاذ ندبي للتدريس بقسم التخصص سنة ١٩٢٧، وقال: إنه "بمكافاة شهرية قدرها ثمانية جنيهات مصرية في كل شهر من شهور الدراسة فحسب".
وقال: "هذا ما كان قبل مشيخة المراغي، وأما ما كان فيها، فهو أنه قد عرض على مجلس الأزهر الأعلى مذكرة بطلب تعيين الشيخ الخضر مدرسًا بالأزهر براتب قدره خمسة جنيهات في كل شهر بعقد من ١٦ نوفمبر سنة ١٩٢٧، فوافق المجلس عليها، فصار مدرسًا ثابتًا، وارتقى ما يأخذه من مكافاة في مدة العمل، وقدرها ٧٢ جنيهًا إلى راتب يبلغ في السنة ١٨٠ جنيهًا".
الواقع أنني كنت مصححًا بالقسم الأدبي من دار الكتب، وأتسلم منها نحو ثلاثة عشر جنيهًا في الشهر، ثم ندبت للتخصص على أن ألقي فيه أربعة دروس في الأسبوع بمكافأة قدرها ثمانية جنيهات، وكنت أجمع بين التدريس في التخصص، والتصحيح بدار الكتب، وانقضت السنة وأنا أقوم بالعملين، وأتسلم المكافأتين، وليس بموافق للحقيقة ما جاء في عبارة فضيلة الأستاذ من أن المكافاة في التخصص لشهور الدراسة فحسب، بل كنت أتسلمها لشهور السنة كلها، إذن كانت مكافأتي من التخصص ٩٦ جنيهًا، لا ٧٢ كما قال صاحب الفضيلة.
ولما جاء عهد مشيخة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ المراغي، جرى حديث مع المشيخة أن أترك التصحيح بدار الكتب، وأقتصر على التدريس بالأزهر، فزيد على المكافأة سبعة جنيهات، وصارت الدروس سبعة في الأسبوع بعد أن كانت أربعة، وكتب على هذا عقد بسنة فحسب، والتعيين بعقد لا يصير
[ 11/ 2 / ٩٥ ]
به المعين مدرسًا ثابتًا كما جاء في عبارة فضيلة الأستاذ، وبعد انتهاء مشيخة فضيلة الأستاذ الشيخ المراغي جدد العقد لسنتين، وجعلت الدروس خمسة فحسب.
وقال فضيلة الأستاذ: إني فرنسي تبعة، وإني مشمول بالحماية الفرنسية، والواقع أني بارحت تونس بقصد الإقامة في دمشق الشام سنة ١٣٣١، وعندما نزلتها، كتبت اسمي في سجل التابعين للحكومة العثمانية، وأعطيت الورقة الرسمية المسماة: "ورقة النفوس"، وبعد انتهاء الحرب قدمت مصر، وكلما اقتضى الحال أن أكتب تبعيتي في ورقة رسمية، أثبت فيها أني تابع للحكومة المحلية، ولا أعرف إلى كتابة هذه الأسطر مكان السفارة أو القنصلية الفرنسية في القطر المصري، ولا أدري في أي شارع من شوارع القاهرة هي، فإن أراد فضيلة الأستاذ من الحماية أو التبعة: أن فرنسا واضعة يدها على تونس، فذلك وصف يشترك فيه من وقعت أوطانهم تحت تلك اليد الأجنبية؛ كالجزائر، ومراكش، وسوريا. ونحن نذكر فضيلة السيد بأن مثل هذا الذي شغل به صحفًا كثيرة من مجلته الدينية الخلقية غير أهل العلم أقدر عليه من أهل العلم.
محمّد الخضر حسين
[ 11/ 2 / ٩٦ ]