المؤلف/ المشرف:عبدالعزيز بن عبدالله النملة
المحقق/ المترجم:بدون
الناشر:دار التدمرية – السعودية ̈الأولى
سنة الطبع:١٤٣٠هـ
تصنيف رئيس:أصول فقه
تصنيف فرعي:أصول فقه - أعمال منوعة
الخاتمة:
أولًا: نتائج البحث:
يظهر لي أنه يمكن عرض أهم نتائج البحث من خلال ثلاثة جوانب هي:
الجانب الأول: نتائج الدراسة النظرية للرأي الشاذ عند الأصوليين.
الجانب الثاني: نتائج عامة لاستقراء ودراسة الآراء الشاذة.
الجانب الثالث: نتائج خاصة للآراء الشاذة التي قمت بدراستها.
وتفصيل ذلك كما يأتي:
الجانب الأول: نتائج الدراسة النظرية للرأي الشاذ عند الأصوليين:
من أهم نتائج البحث حول الدراسة النظرية للرأي الشاذ ما يأتي:
أولًا: أن للشاذ اصطلاحًا عند القراء، حيث أطلقوه على اللفظ إذا فقد أحد شروط القراءة الصحيحة، وأما الشاذ عند المفسرين فيريدون به الرأي غير المعتبر، وعند المحدثين: أن يروي الثقات حديثًا فينفرد واحد ويخالفهم.
ثانيًا: أن علماء أصول الفقه استعملوا مصطلح الشاذ بمعناه اللغوي، كما استعملوه باصطلاح القراء، والمحدثين، بالإضافة إلى اصطلاحهم.
ثالثًا: أنه يوجد عدد من الفرق والمذاهب اشتهر عنها القول بآراء شاذة، أهمها: الخوارج، والرافضة، والظاهرية، كما يوجد عدد من أهل العلم كثرت نسبة الآراء الشاذة لهم، كربيعة الرأي، وداود الظاهري، وإسماعيل بن علية، وابن حزم.
رابعًا: أن الذي يترجح للباحث هو اعتبار قول الظاهرية لانعقاد الإجماع في مسائل أصول الفقه، ولا اعتبار بخلافهم في الفروع الفقهية، وخاصة ما يتعلق بالقياس.
خامسًا: توصل الباحث إلى أن تعريف الرأي الشاذ في أصول الفقه هو: قول انفرد به قلة من المجتهدين من غير دليل معتبر.
سادسًا: جمع الباحث الألفاظ التي يوصف بها الرأي الشاذ كالباطل، والمحال، والخطأ، والغلط، والشغب، كما بين الفروق بين مصطلح الشاذ وما يشابهه من مصطلحات، كالنادر، والضعيف.
سابعًا: للشاذ أنواع باعتبارات مختلفة، أهمها: أنواعه باعتبار قربه وبعده، وباعتبار القائل به، وباعتبار التصريح به، وباعتبار كونه داخل المذهب، وقد جرى بسطها، وذكر الأمثلة عليها في موضعه.
ثامنًا: أن لمعرفة الشاذ من الآراء طرق صريحة، كمخالفة الدليل القطعي، ومخالفة الإجماع، ومخالفة الأصل من غير دليل، ومخالفة قواعد الشريعة.
وكذلك لمعرفة الرأي الشاذ طرق غير صريحة، ككون الجماهير على خلافه، وعدم نقل الرأي وهجره، وعدم متابعة القائل به، والتشنيع على قائله، وقد جرى بيانها بالتفصيل.
تاسعًا: أن لوجود الرأي الشاذ أسباب منها ما يتعلق بأصول الفقه، كإنكار أحد الأصول الشرعية، أو الإفراط في الأخذ ببعضها، ومخالفة الدليل القطعي، وعدم بلوغ النص لصاحب الرأي، وتقديم العقل على النص، ومعارضة النصوص الصريحة بأصول اجتهادية، ومن تلك الأسباب ما هو متعلق بالعلوم الأخرى، كالخطأ في تفسير القرآن، والتعصب للمذهب العقدي، والاعتماد على نص غير معتبر، والنزوع إلى الهوى.
عاشرًا: ظهر للباحث أن شروط الرأي الشاذ يمكن حصرها بما يأتي:
الشرط الأول: أن يكون الرأي مخالفًا للدليل القطعي إن وجد.
الشرط الثاني: أن يكون الرأي مخالفًا لقول جماهير أهل العلم.
الشرط الثالث: أن لا يمكن الجمع بين الرأي الشاذ، والآراء المعتبرة.
حادي عشر: أن العلماء صرحوا بأن الرأي الشاذ قول باطل، لا يجوز القول به، ولا الاعتماد عليه في الفتوى، وأن ما حصل من تساهل في إيراد الرأي الشاذ أو الإفتاء به كان لأسباب من أهمها: عدم الواقعية في الفتوى، والتسرع فيها، وكثرة الفروض والتقديرات، والتعصب لإمام، أو رأي معين.
[ ١ / ٣٨ ]
ثاني عشر: لا يجوز القياس، ولا التخريج على الرأي الشاذ، بل يترك على شذوذه؛ لأنه رأي باطل لا يصح البناء عليه.
ثالث عشر: إذا حكم حاكم برأي شاذ فيجوز نقض حكمه؛ لأنه مخالف للدليل القطعي، وذلك له حالات تم بيانها في موضعه.
رابع عشر: درس الباحث القواعد الأصولية، والفقهية المتعلقة بالشاذ دراسة موسعة، مبينًا أهم موضوعاتها، وتطبيقاتها.
خامس عشر: للآراء الشاذة أثر على علم أصول الفقه، ومن ذلك الأثر ما هو إيجابي، كالتوسع في دراسة كثير من المسائل، والرد على الشبهات فيها، والعمل على تنقية هذا العلم من هذه الآراء، ببيانها، والتحذير منها، وكذلك من الفروع المبنية عليها.
كما أن لهذه الآراء أثرًا سلبيًا على هذا العلم، كوجود اللوازم الباطلة لهذه الآراء، وزعزعة بعض الأصول الراسخة عند عامة المسلمين، وانتشار التقليد، ووضع الحديث، والتعصب، وتضخيم مصنفات أصول الفقه بهذه الآراء مع عدم فائدتها، وظهور بعض الفتن التي اعتمدت على بعضها.
سادس عشر: لدفع الرأي الشاذ وإبطاله طرق هي: إثبات عدم صحة المخالفة، وإثبات أن الإجماع انعقد قبل خلاف من شذ، وإثبات أن المخالف رجع عن قوله الذي شذ به، وكذلك إثبات أن اتفاق المجتهدين ينعقد مع مخالفة الواحد والاثنين.
الجانب الثاني: نتائج عامة لاستقراء ودراسة الآراء الشاذة:
من خلال التأمل في الآراء التي تمت دراستها يظهر لي بعض النتائج العامة حولها، وهي كما يأتي:
أولًا: أن الله ﷿ جعل الأدلة الشرعية التفصيلية للاستدلال على الحكم الشرعي من خلال قواعد أصول الفقه، وليس للنص عليه، وبذلك يكون المجتهد المستنبط من النصوص الشرعية دائر بين الأجر، والأجرين.
ثانيًا: أن عددًا من مسائل أصول الفقه التي نقل فيها آراء شاذة يرجع الخلاف فيها إلى اللفظ، ولا ينبني عليها ثمرة.
ثالثًا: أن بعض علماء أصول الفقه تميزوا بنقد الآراء الشاذة عند ذكرها، والتحذير منها، ومن أولئك الآمدي، المرداوي.
رابعًا: أن مناهج علماء أصول الفقه تفاوتت في وصف الآراء بأنها شاذة؛ ذلك أن منهم من تساهل فأطلق على الرأي الضعيف، أو المرجوح بأنه رأي شاذ، ومنهم من لم يطلق هذا الوصف إلا على آراء معدودة.
خامسًا: تميز علماء أصول الفقه بالإنصاف عند مناقشة المخالفين، وخاصة أصحاب الآراء الشاذة، ويدل محاولة بعضهم الجمع بين الرأي الشاذ والآراء المعتبرة، أو بيان سبب وجوده، أو الاعتذار لمن نسب إليه.
سادسًا: أن التوسع في إدخال المباحث المنطقية في العلوم الشرعية، وخاصة أصول الفقه، وحرص بعض الأصوليين على ذلك أدى إلى وجود الآراء الشاذة، ذلك أن النظر في المشروع يباين النظر في المعقول.
سابعًا: أن عقيدة بعض علماء أصول الفقه كان لها أثر على ما يختارونه من آراء، حيث ظهر أن عددًا من الآراء الشاذة عندهم كان سبب الخلاف فيها رجوعها إلى أصل عقدي انفردت به أحد الفرق.
ثامنًا: دقة علماء أصول الفقه في الاستنباط والاستدلال حيث نبهوا على آراء شاذة بسيطة، لم يعلم قائلها.
الجانب الثالث: نتائج خاصة للآراء الشاذة التي قمت بدراستها:
الآراء الشاذة في أصول الفقه لا يجوز الاعتماد عليها، ولا الاهتمام بها، كما لا يجوز ذكرها إلا لردها، وبيان بطلانها، وقد قمت بدراسة ذلك بتوسع فكان من أهم نتائجه ما يأتي:
١ - أن القول بمنع نسخ التكليف إلى الأثقل رأي شاذ؛ لمعارضته أصل التكليف، والنص القرآني الصريح.
٢ - أن الخلاف في حكم التكليف بالفعل قبل حدوثه خلاف لفظي، والجمهور على أن المنع رأي شاذ.
٣ - أن الخلاف في كون المباح مأمور به مع الكعبي خلاف لفظي، ومع ذلك فله جانب معنوي من خلال ما يلزم عليه من لوازم باطلة.
[ ١ / ٣٩ ]
٤ - أن القول بمنع وقوع النسخ في القرآن رأي شاذ؛ لمخالفة الإجماع في ذلك.
٥ - أو وصف القول بمنع نسخ حكم الخطاب إلى غير بدل بأنه رأي شاذ غير صحيح، بل هو رأي معتبر استدل القائلون به بصريح منطوق القرآن.
٦ - أن القول بجواز كتمان أهل التواتر ما يحتاج إلى نقله ومعرفته رأي شاذ، ومن قال به فبناء على أصل عقدي لديه.
٧ - أن القول بمنع التعبد بخبر الواحد رأي شاذ لقيام الدليل القطعي على ذلك، وأن لهذا الرأي أثر كبير في التشكيك بأحكام شرعية كثيرة.
٨ - أن القول بإنكار الإجماع رأي شاذ، وغاية من قال به المطالبة بالدليل، وقد أثبت علماء أصول الفقه ذلك بأدلة كثيرة.
٩ - أن القول بجواز إثبات كل الأحكام الشرعية بالقياس رأي شاذ، وأن الخلاف في ذلك معنوي، حيث بني عليه مسائل في أصول الفقه.
١٠ - أن القول باشتراط الاتفاق على كون الأصل معللًا رأي شاذ، والخلاف في ذلك معنوي، حيث تخرج عليه عدد من الفروع الفقهية.
١١ - أن القول بإنكار الاعتراض على القياس بالمنع رأي شاذ، وقد انفرد به العنبري من غير دليل معتبر.
١٢ - أن وصف القول بتعبد النبي ﷺ قبل البعثة بشريعة إبراهيم ﵇ بأنه رأي شاذ غير صحيح؛ بل هو قول معتبر، وأقرب الأقوال في المسألة إلى الصواب.
١٣ - أن القول بحجية رؤيا النبي ﷺ بعد وفاته، وأنها مصدر للأحكام الشرعية رأي شاذ؛ لمخالفة الإجماع في إحداث طريق جديد للأحكام الشرعية، ولهذا الرأي أثر في الترويج لبعض العقائد والفتن على مر التاريخ الإسلامي.
١٤ - أن وصف القول بإفادة الجمع المنكر للعموم بأنه شاذ غير صحيح، وإن كان المترجح في ذلك عدم إفادته للعموم.
١٥ - أن ما نقل عن الإمام مالك من القول بقصر العام على سببه، ووصف بأنه رأي شاذ غير صحيح على إطلاقه، والراجح التفصيل، فالعام ذو السبب الخاص يحمل على عمومه في كلام الشارع؛ لأن المقام مقام تشريع، وأما في كلام الناس، وعقودهم فلا يحمل على العموم إن ورد على سبب خاص، وعليه فلا يكون رأيًا شاذًا.
١٦ - أن القول بمنع تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد مطلقًا رأي شاذ لا اعتبار به؛ لمخالفته إجماع الصحابة، وجريان العمل على ذلك.
١٧ - أن القول بجواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه رأي شاذ، وكذلك لم تثبت نسبته لابن عباس، وما نسب للمالكية فهو مقيد بأن يكون الاستثناء منويًا حال التكلم.
١٨ - أن القول بمنع دلالة صيغة النهي على الفور رأي شاذ؛ لمخالفة الإجماع في ذلك، واختلف الأصوليون في نوع الخلاف في ذلك، والذي يترجح كونه معنويًا.
١٩ - أن القول بمنع الترادف في اللغة رأي شاذ، وأن المانعين تكلفوا أدلة لذلك لا اعتبار لها، كما تكلفوا ذكر فروق بين الألفاظ المترادفة.
٢٠ - أن القول بمنع البيان بالفعل رأي شاذ؛ لمخالفته الأدلة الصريحة في جواز ذلك، وأقواها الوقوع.
٢١ - أن القول بحجية مفهوم اللقب بإطلاق رأي شاذ؛ لمخالفة الأدلة القطعية في ذلك، ومع ذلك فإن تخصيص اللقب بالذكر قد تكون له فائدة، ولا يلزم أن تكون الفائدة الانفراد بالحكم، ومن نقل عن الإمام مالك، والإمام أحمد شيئًا من ذلك فقد قالا به لوجود قرينة تدل على التعليل، وهذا خارج محل النزاع.
٢٢ - أن القول باشتراط الإحاطة بالأحاديث للمجتهد رأي شاذ لمخالفة الدليل القطعي.
٢٣ - أن القول بمنع تقليد الميت مطلقًا رأي شاذ، ومع ذلك ينبغي الرجوع إلى الأحياء، وخاصة عند اختلاف الأزمان والأعراف، ويتأكد ذلك عند غلبة ظن المقلد به.
٢٤ - أن القول برد خبر الواحد لتعارضه مع القواعد العامة لا يخلو إما أن تكون القواعد تفيد القطع، وفي هذه الحالة تقدم القواعد، أو تكون القواعد ظنية فلا تقدم على خبر الواحد.
٢٥ - أن القول بأتباع المجتهد لأحد الدليلين المتعارضين من غير ترجيح مطلقًا رأي شاذ؛ لأنه عمل بلا دليل، وأتباع للهوى فهو مخالف للإجماع بوجوب عمل المجتهد بالدليل الشرعي.
ثانيًا: توصيات البحث:
من خلال إعداد هذه الرسالة في موضوع الآراء الشاذة يرى الباحث أن من أهم التوصيات في ذلك ما يأتي:
أولًا: الدعوة إلى الاهتمام بدراسة موقف علماء أصول الفقه من المخالف من خلال استقراء مصنافتهم.
ثانيًا: التأكيد على أهمية جمع الآراء الشاذة في الفقه، ودراستها، وخاصة في كتب الخلاف العالي.
ثالثًا: دعوة الباحثين إلى التوسع في دراسة بعض المسائل، والقضايا الأصولية التي لها أهمية كبيرة، وثمرة فقهية واسعة، ووصف أحد الآراء فيها بأنه شاذ، ومن ذلك حكم إحداث قول جديد، وتعارض الحديث مع القواعد العامة، وغيرها.
رابعًا: أهمية بيان الفروق الأصولية بين الحدود والمسائل، وخاصة عند علماء أصول الفقه مختلفي المذاهب.
خامسًا: الدعوة إلى دراسة أثر العقائد على مسائل أصول الفقه، وكذلك جمع الشبهات حول علم أصول الفقه قديمها، وحديثها، والرد عليها.
[ ١ / ٤٠ ]