في قلعة شيزر، على بعد خمسة عشر ميلا من الشمال الغربى لحماة، ولد الأمير أبو المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكلبي الشيزرى، الملقب مؤيد الدولة مجد الدين، وذلك في يوم الأحد ٢٨ من جمادى الآخرة سنة ٤٨٨، وهذا العام هو الذي ألقى فيه البابا (أوربانوس الثاني) خطابه محرضا المسيحيين على انتزاع بيت المقدس من أيدي المسلمين. وعاش أسامة حياته الطويلة المعمرة معاصرا للحروب الصليبية إلى أن نال صلاح الدين الأيوبي انتصاراته الفاصلة في تلك الحروب، ثم قضى أسامة نحبه في ليلة الثلاثاء ٢٣ من رمضان سنة ٥٨٤.
نشأ أسامة في كنف أبويه وعمه وجدته في أسرة جل رحالها فرسان محاربون فشب على الفروسية والجرأة النادرة وممارسة الصيد، وملاقاة الأسود، وعنى أبوه بتثقيفه، فكان يحضر له كبار الشيوخ يقبس هو وإخوته منهم العلم، فكان شيخه في الحديث أبا الحسن علي بن سالم السنبسى، وفي الأدب أبا عبد اللّه محمد بن يوسف المعروف بابن المنيرة، كما قرأ النحو عشر سنين على سيبويه زمانه أبى عبد اللّه الطليطلى النحوي. وسمع منه الحافظ أبو سعد السمعاني صاحب كتاب الأنساب (٥٠٦ - ٥٦٢) والحافظ ابن عساكر (٤٩٩ - ٥٧١) والعماد الأصبهاني (٥١٩ - ٥٩٧) والحافظ عبد الغنى المقدسي (٥٤١ - ٦٠٠).
وخرج أسامة من شيزر سنة ٥٣٢ فأقام بدمشق نحوا من ثماني سنين في رعاية صديقه معين الدين أنر، وزير شهاب الدين محمود، حتى نبت به دمشق
_________________
(١) ترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق والسمعاني في الأنساب في رسم (الشيزرى) وابن خلكان في الوفيات، وأبو شامة في الروضتين، وابن الأثير، وصاحب النجوم الزاهرة والذهبي في تاريخ الإسلام، وياقوت في إرشاد الأريب، والعماد الأصبهاني في الخريدة، كما ترجم هو لنفسه في كتاب الاعتبار. وانظر دائرة المعارف الإسلامية، ومقدمة الأستاذ الكبير الشيخ أحمد شاكر للباب الآداب، والدكتور فيليب حتى لكتاب الاعتبار. وقد اختصه صديقنا الأستاذ محمد حسين مراقب الفهارس بدار الكتب المصرية بدراسة شاملة تعد أوسع وأغزر ما كتب في أسامة.
[ ١ / ١٧٦ ]
فسار إلى مصر فدخلها يوم الحميس في الثاني من جمادى الآخرة سنة ٥٣٩ فلقى فيها إكراما من الخليفة الفاطمي الحافظ لدين اللّه عبد المجيد بن المنتصر العلوي. ثم ولى الخلافة ابنه الأصغر الظافر بأمر اللّه أبو منصور إسماعيل من سنة ٥٤٤ - ٥٤٩ وكان وزيره علي بن السلار الملقب بالملك العادل. وهذا أرسل أسامة في سفارة حربية سياسية إلى الملك العادل نور الدين بن زنكى.
وبعد حروب ووقائع استدعاه علي بن السلار إلى مصر فمكث بها إلى سنة ٥٤٩، ثم غادرها مكرها بعد اغتيال الخليفة الفاطمي الظافر الذي حدثت في عهد خلافته أحداث وفتن قتل في أثنائها الخليفة ووزيره، وذهب المؤرخون أن لأسامة يدا في قتلهما. وأما أسامة فإنه يحاول تبرئة نفسه من ذلك (^١).
ورجع أسامة من مصر إلى دمشق فأقام بها ردحا من الزمن، ثم رحل بأهله وولده إلى حصن كيفا وأقام بها إلى أن استولى صلاح الدين الأيوبي على دمشق سنة ٥٧٠. وكان لأسامة ولد يدعى «أبا الفوارس مرهف بن أسامة» وكان ذا منزلة عالية عند صلاح الدين، فظل يصنع لأبيه عند السلطان حتى استدعاه إلى دمشق وهو شيخ قد تخطى الثمانين، فحاز إعجاب صلاح الدين وتقديره وجعله من خاصته بمنزلة المؤامر المستشار. وظل أسامة في دمشق حتى وافته منيته.