كان أجدر بأبى جعفر بن الخراز أن يرد على صديقه أبى عامر بن غرسية موافقا أو مخالفا، ولكن لم تذكر لنا المصادر التي نعرفها أنه كتب ردا، فضلا عن أن تحمل إلينا ذلك الرد. بيد أن هذه المجموعة التي حفظتها مكتبة الإسكوريال قد نقلت إلينا ردودا أربعة (^١):
(أولها) رد أبى يحيى بن مسعدة. ويبدو أنه كان شيخا جليلا في حضرة ملوك المغرب. ونجد في هذا الرد ذكر الإمام المهدي أبي عبد الله محمد بن عبد اللّه القرشي العلوي. ومحمد هذا هو المعروف بمحمد بن تومرت (^٢)، وكان قيامه بالأمر سنة ٥١٥ ووفاته سنة ٥٣٤. ونجد في الرد أيضا ذكر عبد المؤمن بن علي (^٣)، وكانت ولادته سنة ٤٨٧ ووفاته سنة ٥٥٨. وهذه التواريخ تبعد كثيرا عن التاريخ الذي كتبت فيه رسالة ابن غرسية، هذا التاريخ الذي لا يصح أن يتجاوز سنة ٤٣٦ وهي سنة وفاة مجاهد ملك دانية.
_________________
(١) يبدو أن جولدتسيهر لم يقع إليه إلا رسالة ابن غرسية فقط كما يفهم من كلامه في بحثه إذ ذكر أن صديقه Louis Barran قد أمده بصورة شمسية من الرسالة عن مخطوطة الإسكوريال.
(٢) المعجب ١١٥ - ١٢٥.
(٣) المعجب ١٢٥ - ١٥٣.
[ ١ / ٢٣٦ ]
ويستغرق هذا الرد من مجموعة الإسكوريال الورقات من ٢٩ - ٤١.
وهذا الرد هو أكبر الردود وأحفلها.
(ثانيها) رد لمجهول، وعنوانه في الأصل «رسالة ثانية في الرد على ابن غرسية».
فمن المحتمل أن يكون رسالة ثانية لأبى يحيى بن مسعدة، أو تكون لأحد الذين قد جرى لهم ذكر في التاريخ أنهم تناولوا الرسالة بالرد، وسأذكرهم فيما بعد.
وإني أرجح الاحتمال الأول ترجيحا، لسببين.
١ - التشابه الشديد بين أسلوبى الرسالتين، ويبدو ذلك واضحا لمن درس الرسالتين ولمس الروح السارية في تضاعيف كل منهما.
٢ - التقارب الشديد بين بعض العبارات، مما ينطق بأن صاحبهما واحد.
ومن أمثلة ذلك:
١ - ما جاء في الرد الأول في الورقة ٣٢ ا: «لقد ذهبتم من العار بحمه ورمه، والفحل السوء يبدأ بأمه» وفي الرد الثاني ٤٢ ا: «ذهبوا والله من العار بثمه ورمه، وفحل السوء يبدأ بأمه».
ب - ٣٣ ا «الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل» وفي الثاني ٤٢ ا «ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل».
ح - ٤٠ ا «وتجعل الخصل كله للعرب، والفضل للنبع على الغرب» وفي الثاني ٤١ ا «فتعلم أن البأس للعرب، وأن النبع ليس من الغرب».
د - ٣٦ ا «وأبرهة ذي المنار، وعمرو ذي الأذعار» هو بنفسه في الثاني ٤١ ا.
هـ - ٣٦ ا «يزدجردكم وشهرياركم» هو بنفسه في الثاني ٤١ ا.
و- ٣٦ ب، ٤١ ا اتفق اقتباس هذا البيت:
ولم أر أمثال الرجال تهافتوا … على المجد حتى عد ألف بواحد
ز - ٣٨ ا، ٤١ ا تطابق اقتباس هذا البيت:
والليث حيث ألب من … أرض فذاك له عرين
[ ١ / ٢٣٧ ]
إلى غير ذلك كثير، مما يقرب القطع بأن صاحب الرسالتين كاتب واحد.
وهذا الرد يستغرق من مجموعة الإسكوريال الورقات من ٤١ - ٤٣.
ولم يذكر جولدتسيهر هذا الرد ولا أشار إليه.
(ثالثها) رد أبى جعفر أحمد بن الدودين (^١) البلنسى، وكان هذا معاصرا لابن بسام صاحب الذخيرة (^٢)، قال في صدر ترجمته: «هو أحد من لاقيته وشافهته، وأملى على نظمه ونثره [بأشبونة (^٣)] سنة سبع وسبعين (^٤) وأخبرني برسالته التي رد فيها على أبى عامر بن غرسية».
وقد فات «جولدتسيهر» أن يذكر هذا الأديب في ثبت من ردوا على ابن غرسية. انظر الحاشية (١) من ص ٢٣٦. مع أن هذه الرسالة في ضمن مجموعة الإسكوريال من الورقة ٥٣ - ٥٤.
وهذه الرسالة لم يذكرها البلوى ولا صاحب كشف الظنون.
(رابعها) رد أبى الطيب بن من اللّه القروي، وهو الفقيه الأديب أبو الطيب عبد المنعم بن من اللّه الهوارى القيرواني، كما في الصلة لابن بشكوال (^٥). ونسبة «القروي» هي الثابتة في نص مجموعة الإسكوريال، وأما كتاب ابن بشكوال فيجعلها «القيرواني».
_________________
(١) في الذخيرة (القسم الثالث الورقة ٢١٩ مخطوطة جامعة القاهرة): «الدودى» وفي مسالك الأبصار (القسم الثاني ج ١١ الورقة ٤٤٩ من النسخة رقم ٢٥٦٧) وكذا نفح الطيب (٥: ٢٩٠): «الدودى».
(٢) يخلط بعض المؤرخين بين ابن سام صاحب الذخيرة وبين البسامى الشاعر الهجاء، ومنهم صاحب كشف الظنون، وصانعو فهرس دار الكتب، جعلوا وفاة ابن بسام (سنة ٣٠٢) وهذه الوفاة إنما تصدق على البسامى، واسمه أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن منصور بن بسام. وأما ابن بسام صاحب الذخيرة فهو أبو الحسن علي بن بسام التغلبي الشنترينى، ترجم له ابن سعيد في المغرب ١: ٤١٧ تحقيق الدكتور شوقى ضيف، وياقوت في معجم الأدباء ١٢: ٢٧٥ والمقرى في نفح الطيب ٥: ٩. وأرح المقرى وفاته (سنة ٥٤٢).
(٣) التكملة من المسالك عن الذخيرة.
(٤) أي وأربعمائة.
(٥) الصلة رقم ٨٣٥.
[ ١ / ٢٣٨ ]
قال (^١): «قدم الأندلس وحدث بشرقيها عن أبي بكر محمد بن علي بن الحسن بن البر التميمي، وكان أديبا شاعرا، وتوفى يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر سنة ٤٩٣».
وقد حفظ لنا البلوى في كتابه (^٢) عنوان رسالته، وهو «حديقة البلاغة، ودوحة البراعة، المورقة أفنانها، المثمرة أغصانها، بذكر المآثر العربية، ونشر المفاخر الإسلامية، والرد على ابن غرسية فيما ادعاه للأمم العجمية». وعرف هذا العنوان أيضا صاحب كشف الظنون.