اتصل بالعناصر العربية والبربرية في أسبانيا عنصران آخران هما:
١ - المولدون، وهم نصارى أسبانيا الذين اعتنقوا الإسلام.
ب - الصقالبة، ويراد بهم السلافيون بوجه خاص، وأسارى الحزب والأرقاء من مختلف الشعوب الشمالية بمعنى عام.
ومن المولدين من اندمج في الكيان العربي اندماجا جعل بعضهم يبتدعون أنسابا عربية، ومن هؤلاء أسرة بنى مغيث الرومي الأصل.
وكما كان للمولدين فضل كبير في خدمة الثقافة العربية - ومنهم بقي بن مخلد القرطبي، وأبو محمد بن حزم، وعبد الملك بن سراج القرطبي - كان للصقالبة أيضا فضل لا ينكر، ومنهم جؤذر مولى الحكم الثاني، وفاتن مولى المنصور بن أبي عامر الذي اشتبك مع صاعد الأندلسي في جدل علمي فخرج منصورا عليه مظفرا.
وقد كان العرب يتعالون على هؤلاء القوم مما دعا بعضهم أن ألف كتابا سماه «كتاب الاستظهار والمغالبة، على من أنكر فضل الصقالبة» أشاد فيه بذكر مشاهير الصقالبة في شتى فروع الثقافة العربية. ولعل هذا الكتاب أول محاولة للكتابة في دائرة الشعوبية وإن لم تكن في صميمها، لأن مؤلفه دافع عن عنصره ولم يهاجم غيرهم.
أما الميل الحقيقي إلى الشعوبية فقد أخذ طابعه الكامل في محيط المولدين،
[ ١ / ٢٤١ ]
ويمتاز هذا الميل في أسبانيا بحرصه على أن ينسجم مع العقيدة الإسلامية، على حين نجد شعوبية المشرق على النقيض من ذلك، إذ نرى ممثلى الشعوبية فيه من الملاحدة والزنادقة في أكثر الأمر.
ومن أقطاب شعوبية الأندلس محمد بن سليمان المعافري، وكان شديد العصبية للمولدين. ومنهم أبو محمد عبد اللّه بن الحسن المتوفى سنة ٣٣٥ وكان معروفا بشدة تعصبه للعجم، ومحاولته الغض من شأن العرب.
ويبدو أنه لم يتح للنزعة الشعوبية الأندلسية أن تستعلن في إنتاج أدبى إلا بعد أن انقسمت الدولة إلى دويلات صغيرة تناهب الحكم فيها صقالبة ومولدون، فتسمع حينئذ من أبى عامر بن غرسية صوتا شعوبيا قويا يحاول إثبات فضل العجم على العرب.
ثم ساق «جولدتسيهر» ترجمة استنتاجية لابن غرسية لم يحالفه الصواب في بعض زواياها، فهو يظن أنه كان في خدمة المعتصم بن صمادح. على حين تشير المصادر التاريخية إلى أنه كان في خدمة مجاهد ملك دانية، وأنه كان يريد تعفير صديقه أبى عبد اللّه من خدمة ابن صمادح، ويحثه على ترك خدمته. وبنى «جولدتسيهر» على هذا الظن ظنا آخر، أن ابن غرسية عاش زمانا في المرية حيث المعتصم بن صمادح. وهو افتراض لا يصح.
ثم يعلل جولدتسيهر النشاط الشعوبى لابن غرسية بأنه كان يعيش في صقع ضعف فيه النفوذ العربي وتغلب عنصر الصقالبة، ويقول: «وما كان لعامل من العمال الرسميين في مجتمع تنحصر مقاليد السلطان به في أيد عربية أن يحدث نفسه بإثارة مثل هذا الهجوم الجرئ على العرب ثم يترك وشأنه دون عقاب أو قصاص».