بسم الله الرحمن الرحيم
قال الإمام أبو الحسن أحمد بن فارس النحوي اللغوي:
بلغنا أن رجلا من حملة الحجة، ذا رأى سديد، وهمة بعيدة، وضرس قاطع (^١)، قد أعد للأمور أقرانها (^٢)، بلسان فصيح، ونهج مليح، وكان إذا رأى ذا مودة قد حال عما عهده، أنشده:
ليس الخليلُ على ما كنتَ تَعهدُه … قد بَدَّل الله ذاكَ الخِلَّ ألوانا
وإذا رأى محدَّثَه [عابسًا] أنشد:
يا عابسًا كلَّما طالعتُ مجلسَه … كأنّ عَبستُه من ذَرق حَمَّاءِ (^٣)
وإذا رأى واحدًا يحسن (^٤) عند الإحسان عليه، ويسيء القولَ إذا شُغل عن الإحسان إليه أنشد:
هو كالكلب إذا ما أشبعتَه … طاب نفسًا وإذا ما جاع هَرّْ
وإذا رأى رجلًا راضيًا بقليلٍ يصونُ وجهه عن السؤال أنشد:
وإنَّ قليلًا يستر الوجه أن يُرَى … إلى الناس مبذولًا لغَيْرُ قليلِ
وإذا حُجِب عن باب دار قد أحسن إليه صاحبُهَا أنشد:
إني رأيت بباب دارك جفوة … فيها لحسن فعالكم تكدير (^٥)
_________________
(١) ذو ضرس قاطع، أي ماض في الأمور نافذ العزيمة.
(٢) الأقران: جمع قرن، بالتحريك، وهو الحبل يجمع به البعيران، أو جمع قرن بالكسر، وأصله كفء الإنسان في الشجاعة، أو الكفء مطلقا.
(٣) الذرق: النجو. والحماء: الاست. وفي الأصل: «ذوق حما».
(٤) في الأصل: «يحسن به».
(٥) لجحظة البرمكي كما في ديوان المعاني ١: ١٦٣ برواية: «لكن رأيت». وقبله: اللّه يعلم أنني لك شاكر … والحر للفعل الجميل شكور
[ ١ / ١٣٩ ]
وإذا رأى بشاشةً في وجه مُضِيف أنشد:
يُسَرُّ بالضَّيف إذا رآه … سُرور صادٍ وَرَدَ الماءَ
وإذا رأى رجلًا مقِلًا سخيّا أنشد:
وليس الفتى المعطى على اليُسرِ وحدَه … ولكنّه المعطِى على اليسر والعسر
وأبلغ منه قوله:
ليس العطاءُ من الكريم سماحةً … حتى يجودَ وما لديه قليلُ (^١)
وإذا شم رائحةً كَرَيهة من جليسه أنشد:
لَقوسُ سليمٍ حين يرُسِل سهمَه … أشدُّ على الآناف من قوس حاجبِ (^٢)
وإذا رأى أناسًا لا خير فيهم أنشد:
لا تَلُمِ الأبناءَ في فِعلهمُ … لو سادَ آباؤهُمُ سادوا
وإذا عارضه في كلامه أحدٌ أنشد:
ويعترض الكَلَامَ وليس يدري … اسَعدُ اللهِ أكثر أم جذام (^٣)
_________________
(١) لمقنع الكندي. حماسة أبى تمام ٢: ٣٤٣ والمضنون به على غير أهله ٥٦. وإنشاده فيهما: ليس العطاء من الفضول سماحة … حتى تجود وما لديك قليل
(٢) قوس حاجب مضرب المثل في العزة، وهو حاجب بن زرارة التميمي، ومن خبر قوسه أنه أتى كسرى في جدب أصاب قومه بدعوة النبي ﷺ، فسأله أن يأذن له ولقومه في دخول الريف من بلاده حتى يحيوا ويمتاروا، فقال لهم كسرى: إنكم معشر العرب قوم غدر، فإذا أذنت لكم أفسدتم بلادي وأغريتم على رعيتي. فقال حاجب: أنا ضامن للملك ألا يفعلوا. قال: فمن لي بأن تفي؟ قال: أرهنك قوسي. فضحك من حوله، فقال كسرى إنه لا يتركها أبدا، وقبلها منه وأذن له في دخول الريف. انظر ثمار القلوب للثعالبي ٥٠١.
(٣) سعد اللّه، هم بنو سعد بن بكر الذين استرضع فيهم رسول اللّه ﷺ، وظئره حليمة السعدية منهم، وهم مخصوصون من بين قبائل العرب بالفصاحة وحسن البيان، وفيهم يقول رسول اللّه: «أنا أفصح العرب بيد أنى من قريش، ونشأت في بنى سعد بن بكر، فأنى يأتيني اللحن». وجذام قبيلة أخرى، قال الأصمعي: من أمثال العرب: أسعد اللّه أكثر أم جذام. -
[ ١ / ١٤٠ ]
وإذا جالس قوما ليله مجالسة أهل الأدب ثم جاء الفجر أنشد:
بتنا بأنعم ليلة وألذّها … لو لم تنغّص بالفراق من الغد
وإذا وعده رفيق له بالسفر فى غد أنشد:
لا مرحبا بغد ولا أهلا به … إن كان ترحال الأحبّة فى غد (^١)
وإذا تألم من عشيره وصديقه أنشد:
ولي صاحب مرّ المذاق كأنمّا … أضمّ إلى نحرى به حدّ منصل (^٢)
وإذا عاتب ذا قرابة له أنشد:
بم استجزت اطّراحى والصّريمة لى … وأنت لحمى وإن لم تدع لى ودمى (^٣)
وإذا عاتب من أخلف وعده أنشد:
سألتك حاجة فوعدت فيها … جميلك ثم نمت عن الجميل
وإذا لم يعجبه إنسان أنشد:
قد رأيناك فما أعجبتنا … وبلوناك فلم نرض الخُبُر (^٤)
_________________
(١) = وهما حيان بينهما فضل لا يخفى إلا على جاهل لا يعرف شيئا. وقال أبو عبيد: يروى عن جابر بن عبد العزيز العامرى» وكان من علماء العرب، أن هذا المثل قاله حمزة بن الضليل البلوى، لروح بن زنباع الجذامى: لقد أفحمت حتى لست تدرى … أسعد لله أكثر أم جذام الميدانى ١٤٧:٢ وثمار القلوب ٢١. وأنشد فى ثمار القلوب للصاحب إسماعيل بن عباد: كتبت وقد سبت عقلى المدام … وساعدنى على الشرب الندام وأسرفنا فما ندرى لسكر … أسعد الله أكثر أم جذام
(٢) البيت للنابغة الذبيانى، من قصيدته التى مطلعها: من آل مية رائح أو مغتدى … عجلان ذا زاد وغير مزود والرواية المشهورة: «إن كان تفريق الأحبة».
(٣) المنصل، بضم الميم مع ضم الصاد وفتحها: السيف.
(٤) الاستجازة: أن يعد الأمر جائزا مقبولا. وفى الأصل: «استخرت» تحريف. والصريمة: القطيعة.
(٥) الخبر بالضم: الاختبار والعلم بالشئ، وضم الباء للشعر. والبيت فى محاضرات الراغب ١٣٥:١. ومع هو قصة فيه ٨٩:٢. (تعليق الشاملة): انظر لهذا البيت نهاية الأرب ٢٧١:٤. [أفاده في المستدرك]
[ ١ / ١٤١ ]
وإذا هجاه أحدٌ أنشد:
وما كلُّ كلب نابحٍ يستفزُّني … ولا كلما طَنَّ الذباب أُراعُ (^١)
وإذا أحَّس بتقصيرٍ في سياسة أُمير لرعيته، نسب الأمر لوزيره، [و] أنشد:
إذا غَفَل الأمير عن الرعايا … فإنَّ العتب أولى بالوزير
لأنّ على الوزير إذا تولى … أمور الناس تذكير الأمير
وإذا ذُكِر له كبرُ سنةَّ أنشد:
إنَّ الحسام وإنْ رثَّتْ مضارِبهُ … إذا ضربتَ به مكروهه فصلا (^٢)
وإذا أثنى على محسن أنشد:
فعاجُوا فأثنَوا بالذي أنت أهلهُ … ولو سكتوا أثنَتْ عليك الحقائب (^٣)
وإذا رأى من والٍ إساءة عَلَى من وَلَيَ عليه أنشد:
وكنا نستطبُّ إذا مرضنا … فصار سقامنا بيد الطبيب (^٤)
_________________
(١) البيت فى مجالس ثعلب ٤١٣ ومحاضرات الراغب ١٣٥:١ بدون نسبة أيضا.
(٢) رثت مضاربه: أخلقت وتثلمت. مكروهة، أى ضربة مكروهة شديدة. ويقال للسيف الذى يمضى على الضرائب الشداد لا ينبو عن شيء منها «ذو الكريهة».
(٣) البيت لنصيب، كما فى البيان ٨٣:١ ومجموعة المعانى ٩٦ والوساطة ١٥٠ والكامل ١٠٤ ليبسك. قال المبرد: «وقد فضل نصيب على الفرزدق [فى موقفه عند سليمان بن عبد الملك، وذلك أنهما حضرا فقال سليمان للفرزدق:] أنشدنى - وإنما أراد أن ينشده مدحا له - فأنشده: وركب كأن الريح تطلب عندهم … لهاترة من جذبها بالعصائب سروا يخبطون الريح وهى تلفهم … إلى شعب الأكوار ذات الحقائب إذا آنسوا نارا يقولون ليتها … وقد خصرت أيديهم نار غالب فأعرض سليمان كالمغضب، فقال نصيب: يا أمير المؤمنين، ألا أنشدك فى رويها ما لعله لا يتضع عنها. فقال: هات. فأنشده: أقول لركب صادرين لقيتهم … قفا ذات أو شال ومولاك قارب قفوا خبرونى عن سليمان إننى … لمعروفه من أهل ودان طالب فعاجوا فأثنوا بالذى أنت أهله … ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب وانظر زهر الآداب ٤١:٢، ٤٣ والعمدة ٤٤:١.
(٤) يستطب: يستوصف الدواء الذى يصلح لدائه. (تعليق الشاملة): ما بين المعكوفين سقط. أتممناه من المستدرك
[ ١ / ١٤٢ ]
وإذا حضَر أناسٌ على أمرٍ ذي بال أنشد:
أَقول لفتيان كرام تروَّحوا … على الجُرد في أفواههن الشكائم (^١)
قعوا وقعة من يحيى لم يخز بعدها … ومن يخترم لم تتَّبعه الملاومُ (^٢)
وإذا سُرّ بُلقيا صديقٍ له أنشد:
يا خَلاص الأسير يا فرحة الأو … بة يا زورة على غير وعدِ
وإذا أعار أخًا له دفترا فأبطأ عليه بردَّه أنشد:
تعجيل ردَّ الكتب مما به … يستكثِرُ العلمَ أخو العلم
وحبسُها يمنع منِ بذلها … مع الذي فيه من الظلمِ
وإذا عاد مريضًا ذا مودَّةٍ صادقة أنشده:
نفسي ونفسك إن أللت من سقم … أبللتُ منه وإن أضناكَ أضناني
وإن أمرؤ جزِعَ على فائتٍ أنشده:
فلا تكثرن في إثر شيء ندامة … إذا نزعته من يديك النَّوازع (^٣)
وإذا عُوتِب على إهانته للمال وكثرة بذله أنشد:
كيف يسطيع حفظ ما جمعت كفّاه من ذاق لذة الإنفاق
_________________
(١) البيتان من مقطوعة رواها ابن الشجري في الحماسة ٤٨ وأبو الفرج في الأغانى ١٨: ١٠٩ والقالى في الأمالي ١: ٢٥٨ والبكري في التنبيه ٨١. رووا جميعا عن المفضل الضبي أنه قال: كنت مع إبراهيم بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن الحسن بباخمرى، في اليوم الذي قتل فيه فلما رأى البياض يقل والسواد يكثر قال لي: يا مفضل، أنشدني شيئا يهون على بعض ما أنا فيه. فأنشدته … - وأنشدوا الأبيات - قال: فرأيته يتطالع على سرجه ثم حمل حملة كانت آخر العهد به. تروحوا: ساروا في الرواح. الجرد: جمع أجرد وجرداء»، وهو الفرس القصير الشعر. والشكائم: جمع شكيمة، وهي الحديدة المعترضة في فم الفرس. وفي الأصل: «في أعناقهن»، صوابه في الحماسة والأغانى ومجموعة المعاني ٣٩.
(٢) الوقعة والوقيعة: القتال وصدمة الحرب. ويقال اخترمته المنية من بين أصحابه: أخذته من بينهم.
(٣) البيت للبعيث، كما في لباب الآداب ٤٢٤. وأبيات قصيدته في أمالي القالى ١: ١٩٦ وسمط اللآلي، ٤٧٠ - ٤٧١ ومعجم البلدان (القعاقع).
[ ١ / ١٤٣ ]
وإذا مشى لأخ في قضاء حاجة ووَفَي بحقهَّ أنشد:
حقوقٌ لإخواني أريد قضاءَها … كأنَّيَ ما لم أقضهن مريض
وإذا أثنى على إنسان ورأى منه شُرودًا (^١) ونفُرةً أنشد:
بطئ عنك ما استغنيت عنه … وطلّاع عليك مع الخطوب (^٢)
وإِذا أراد شيئًا عاناه ليلًا أنشد:
والليَّل يقظانُ والكواكب في الآ … فاق حيرى كاللؤللؤ البَدَدِ (^٣)
وإذا استبطأ صديقًا له وعاتبَه على قعودِه عنه أنشد:
وإني إذَا أدعوك عند مِلمِةّ … كداعية بين القَبورِ نَصِيرَها (^٤)
وإذا ذمّ أخًا له في إٍساءته إلى إخوانه أنشد:
أصبح أعداؤه على ثقةٍ … منه وإخوانهُ على وجلِ
وإذا شكا من جارٍ له هَجْره أنشد:
دنَت بأناس عن تناءٍ زيارة … وشطّ ببكرٍ عن دنّوٍ مزارُها
وإنَّ مقيماتٍ بمنقَطَع الثَّرَى … لأقرَبُ من ليلَى وهاتيك دارُها (^٥)
وإذا تذكر أياما مضت وكان يشكوها وهو اليوم يتمنّاها أنشد:
سقيا ورعيا لأيّام مضت سَلفًَا … بكيتُ منها فصِرتُ اليومَ أبكيها (^٦)
كذاك أيامُنا لا شكَّ نندبُها … إذا تقضَّت ونحن اليوم نشكوها
_________________
(١) في الأصل: «سرورا»، تحريف.
(٢) البيت لإبراهيم بن العباس الصولي، كما في الأغانى ٩: ٢٤ ومجموعة المعاني ٥٦. وقبله: ولكن الجواد أبا هشام … وفي العهد مأمون المغيب
(٣) البدد: المتفرق.
(٤) البيت لإبراهيم بن العباس الصولي، كما في المعاني ١٥١ والمحاضرات ١: ١٣٢ وقبله: دعوتك عن بلوى ألمت ضرورة … فأوقدت من ضغن على سعيرها
(٥) لإبراهيم بن العباس الصولي. الوساطة ١٨٣ ومحاضرات الراغب ٢: ٣١.
(٦) البيتان لإبراهيم بن العباس الصولي في مجموعة المعاني ١٠٢.
[ ١ / ١٤٤ ]
وإذا عاتب أخًا له هجره، أنشد:
تلَجَّين حتَّى يذهبَ الهجرُ بالهوى … وحتَّى تكاد النَّفسُ عنك تطيب (^١)
وإذا عوتب في خصلةٍ أو بادرٍة بدرت منه، أنشد:
ولستَ بمستبقٍ أخًا لا تلمُّهُ … على شَعث أيُّ الرجالِ المهذَّبُ (^٢)
وإذا قيل له: قد أسنّ فلان وكبر، أنشد:
لم ينتَقص منى المشيب قلامة … الآن حين بدا ألبُّ وأكيسُ (^٣)
وإذا فسَدَ (^٤) عند أخٍ له صحةُ ودَّه إياه، أنشد:
قل ما تشاء ليؤتي … وما كرهتَ لُيكرَه
فإنَّ ذلك أولي … بما تشاءُ وأشبه (^٥)
وإذا مات له ولدٌ، أنشد:
كلَّ لسانيِ عن وَصفِ ما أجدُ … وذقت ثكلًا ما ذاقه أحدُ
ما عالج الحزن والحرارة في الأحش … اء من لم يمت له ولدُ
وإذا حثَّ إنسانا على الإحسان وخوّفه صروف الدّهر، أنشد:
بيننا حرمةٌ وعهد وثيقُ … وعلى بعضنا لبعضٍ حقوقُ
فاغتنمْ لذَّة الحفاظِ فما يد … ري مطيق لها متى لا يطيق
_________________
(١) اللجاجة: التمادي في الشئ وعدم الانصراف عنه، أراد تلجين في الهجر. وفعله من باب فرح وضرب. وفي الأصل: «تلحين» تحريف، صوابه في ديوان ابن الدمينة ١٢. وقصيدة البيت فيه طويلة جدا.
(٢) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ١٤. الشعث: الفساد. واللم: الإصلاح. وكان حماد الراوية يقدم النابغة، فقيل له: بم تقدمه؟ فقال، باكتفائك بالبيت من شعره، بل بنصفه، بل بربعه، نحو: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة … وليس وراء اللّه للمرء مذهب كل نصف يغنيك عن صاحبه. وقوله «أي الرجال المهذب»، ربع بيت يغنيك عن غيره.
(٣) أي أنا الآن أعظم لبا وأكثر كيسا وفطانة.
(٤) في الأصل: «فزد».
(٥) في الأصل: «بنا معا وأشبه».
[ ١ / ١٤٥ ]
وإذا رأى خليلا له قد حَفَّت به أرباب الحاجات وكان أمره في الأوّل أقرب، أنشد:
حَيَّاك مَن لم تكن ترُحَي تحيَّتُه … لولا الحوائجُ ما حَيَّاكَ إنسانُ
وإذا رأى أحدًا غَضِب من أمرٍ ولم ينفعه غضبُه، أنشد:
غضبت ْتميمٌ أن تقتَّلَ عامرٌ … يوم النَّسار فأعتبوا بالصّبلم (^١)
وإذا رأى السلطانَ عَزَم على الغَزو ونهض إلى العدوّ، أنشد:
يومانِ يومُ مقاماتٍ وأنديةٍ … ويوم سير إلى الأعدا وتأويب (^٢)
وإذا رأى أمرًا مُعضِلًا وصَبر عليه وعوتب في ذلك، أنشد:
ومِن خير ما فينا من الأمر أننا … متى نلق يومًا موطنَ الصّبر نصبر
وإذا قال له أخ: إنهَّ اشتاقَ له اشتياقا شديدًا، أنشد:
فلما تواقَفْنا عرفت الذي به … كمثل الذي بي حذوك النّعل بالنّعل (^٣)
_________________
(١) لبشر بن أبي خازم الأسدي في المفضليات ٢: ١٤٦ واللسان (عتب، صلم) - والنسار: أجبل متجاورة كان عندها ذلك اليوم. وكانت ضبة حالفت بنى أسد على بنى تميم، وكان معهم في الحلف طئ وعدى، وقد تحالفوا على أن يقاتلوا العرب ثلاث سنين، وأرسلت تميم إلى بنى عامر بالنسار فخالفوهم، فقالت بنو أسد لضبة: بادروا بنى عامر بالنسار قبل أن تصير إليهم بنو تميم، ففعلوا فقتلوا منهم مقتلة عظيمة. انظر النقائض ٢٣٨ - ٢٤٥، ١٠٦٤ - ١٠٦٧ والعقد وكامل ابن الأثير والعمدة. أعتبوا: عبارة تهكم، والإعتاب: الإرضاء، ويروى: «فأعقبوا» أي كانت عاقبتهم الصبلم، وهي الداهية.
(٢) البيت لسلامة بن جندل السعدي في ديوانه ص ٨ والمفضليات ١: ١١٨. والمقامات: جمع مقامة، وهي المجلس، وبالضم: جمع مقامة بمعنى الإقامة. والأندية: الأفنية، جمع ندى، والندى والنادي سواء. يريد بيوم المقامات والأندية مواقف الخطابة والمفاخرة ونحوها. والتأويب: سير يوم إلى الليل، أو الإمعان في السير الشديد. وكذا وردت الرواية في الأصل وفي الديوان والمفضليات: «إلى الأعداء تأويب».
(٣) البيت من قصيدة هي من عيون شعر جميل في أمالي القالى ٢: ٧٤. والرواية «الذي بها» كما في الأمالي ومحاضرات الراغب ١: ٤٥. فقد يكون ابن فارس أبدل الإنشاد ليوافق الاستشهاد، أو هو تحريف ناسخ.
[ ١ / ١٤٦ ]
وإذا مرَّ بأطلال خلت من سُكَّانها وعَفَت وبِقَى أثرُها، أنشد:
لخولة أطلالٌ ببرقة ثهَمدِ … تلوح كباقي الوَشْم في ظاهرِ اليدِ (^١)
وإذا حضر مجلسًا لمناظرة وسئل عن حله فيه بعد، أنشد:
ولو شهدت أمُّ القُدَيدِ طعاننَا … بمَرْعَشَ خَيلَ الأرمنيَّ أرنّتِ (^٢)
وإذا قيل له: رأيناكَ أعرضتَ عن فلانٍ إعرَاض مسالمةٍ. أنشد:
ولقد أجمَعُ رجلَىَّ بها … حذرَ الموتِ وإنَّي لَفَرُورُ (^٣)
وإذا استشير في أمر ذي لبس أيقُدِم عليه أم يُحجم عنه، أنشد:
مكانَك حتَّى تنظري عمَّ تنجلى … عماية هذا العارضِ المتألَّقِ
وإذا أكثَرَ من ذكر أخٍ له غائبٍ وقيل له في ذلك، أنشد:
أريدُ لأنسى ذكرَها فكأَنمّا … تُمَثَّلُ لي ليَلى بكلَّ سبيلِ (^٤)
وإذا قال له صديق: تناسيتني كأنك لم تعرِفْني، أنشد:
تسلَّتْ عَماَياتُ الرَّجالِ عن الصَّبا … وليس فُؤاديِ عن هواها بمْنسلىِ (^٥)
وإذا حضر رئيسٌ من الرؤساء وأراد مدْحَه، أنشد:
لو نال حيٌّ من الدُّنيا بمكرمة … أفق السّماء لنالت كفّه الأفقا (^٦)
_________________
(١) البيت هو مطلع معلقة طرفه بن العبد.
(٢) لسيار بن قصير الطائي في ديوان الحماسة ١: ٤٥. أم القديد، قيل هي امرأته. ومرعش: مدينة بين الشام والروم. والأرمني: منسوب إلى أرمينية. أرنت: أعولت وصاحت.
(٣) لعمرو بن معد يكرب في الحماسة ١: ٥٢ وأمالي القالى ٣: ١٤٧. أجمع رجلي بها، أي بالفرس ضمهما عليها استدرارا للجرى. لفرور، المعنى أنه يفر إذا كان في الفرار الحزم. وبعده: ولقد أعطفها كارهة … حين للنفس من الموت هرير
(٤) لكثير عزة. أمالي القالى ٣: ١١٩ والوساطة ١٦٠، ١٧٠ ومحاضرات الراغب ٢: ٢٥ وديوان المعاني ١: ٢٧٤.
(٥) لامرئ القيس في معلقته. وفي البيت قلب، أي تسلت الرجال عن عمايات الصبا وجهالاته وظلماته. ويقال انسلى انسلاء: زال حبه من قبله، أو زال حزنه.
(٦) البيت لزهير في مدح هرم بن سنان. ديوانه ٥٥. (تعليق الشاملة): نسب ابن خلكان فى ترجمة (يزيد بن المهلب) هذا البيت إلى بشر بن قطبة الأسدى. [أفاده في المستدرك]
[ ١ / ١٤٧ ]
وإذا عاتب أخًا له على هِجرانه إياه، أنشد:
طوى البينُ أسبابَ الوصال وحاولت … بكُنْهِك أسبابُ الهوى أن تُخَذَّما (^١)
وينشد أيضًا في مثل ذلك:
وكان يزورني منه خيالٌ … فلما أن جفا منع الخيالًا
وإذا رأى رجلًا يُثْنىِ على أخيه ويحضر له محضرًا جميلًا، أنشد:
قوم لهم عرفت معدُّ بفضلهِا … والحقُّ يعرفه ذوو الألباب (^٢)
وإذا قيل له: قد أقررتَ لمناظرك، أنشد:
أحسُّ بالفضل في غيري فأنكِرُه … ما ينكر الفضلَ إلا كلُّ منقوصِ
وإذا رأى رجلًا ينتقص فاضلًا، أنشد:
ما ضرَّ تغلبَ وائل أهجوتها … أمُ بلتَ حيث تناطَحَ البحرانِ (^٣)
وإذا أقصاه رئيس بعد إناته؟؟؟ (^٤)، أنشد:
يا أفضلَ النّاسِ إني كنتُ في نهز … أصبحت منه كمثل المفرد الصادِي
وإذا كلّفه أمرؤٌ شيئًا لم يكن عنده بالمرضىّ، أنشد:
لم أكن من جناتها علم اللّه … وإني بحرّها اليوم صالى (^٥)
_________________
(١) التخذيم: التقطيع. وفي الأصل: «تخذما»، تحريف.
(٢) البيت للبيد بن ربيعة، وهو آخر ديوانه المطبوع في فينا سنة ١٨٨٠. والرواية فيه: «عرفت معد فضلها».
(٣) البيت من قصيدة للفرزدق في ديوانه ٨٨٢ يذكر فيها تفضيل الأخطل إياه، مادحا في ذلك بنى تغلب، ويهجو جريرا. وقبل البيت وهو مطلع القصيدة: يا ابن المراغة، والهجاء إذا التقت … أعناقه وتماحك الخصمان وتغلب ابنة وائل هم قوم الأخطل، تناطح البحران: تقابلا. انظر الحيوان ١: ١٣ والبيان ٣: ٢٤٨ والخزانة ٢: ٥٠١.
(٤) كذا وردت هذه الكلمة مهملة الحرف الذي بعد الألف الثانية.
(٥) البيت للحارث بن عباد، قاله في يوم قضة. انظر العقد والخزانة ١: ٣٠٣ وأمالي القالى ٣: ٢٦ والأغانى ٤: ١٤٤.
[ ١ / ١٤٨ ]
وإذا رأى أمرًا فظيعًا تَقضَّى ثم تجدّد مثلُه، أنشد:
إذا لهبٌ من جانب بأخَ شرُّه … ذكا لهب من جانبٍ فتضرّما (^١)
وإذا حضر مَحفِلًا من محافل النّظَر وكلمه خصمٌ فدفعه، وانبرى له خصمٌ آخر، أنشد:
إذا ما دفعنا هؤلَاء جاء هؤلَاء … إلينا فكلٌّ بالعداوة مولعُ
وإذا كثُر الصَّياحُ في المحفِل، أنشد:
يا أيّها الراكبُ المزجِى مطيّتهَ … سائلْ بنى أسدٍ ما هذه الصوتُ (^٢)
وإذا قيل له: كثر أخصامك، أنشد:
تفور علينا قِدرُهم فنُدِيمُها … ونفثؤها عنا إذا حَمْوُها غلا (^٣)
وإذا بدأه سائلٌ بالسؤال مناظرا له، أنشد:
قرَّبا مَرْبَطَ النعّامة منَّى … لقِجتْ حربُ وائلٍ عن حِيالِ (^٤)
وإذا نُعى له حميمٌ أو ذو مودّة، أنشد:
ليس عُدم الأموال عُدمًا ولكنْ … فَقْدُ من قد رزئتُه الإعدام (^٥)
_________________
(١) باخ: سكن وفتر.
(٢) لرويشد بن كثير الطائي. الحماسة ١: ٤٧ واللسان (صوت). المزجى: السائق، وقد أنت الصوت. وفي اللسان: إنما أنثه لأنه أراد به الضوضاء والجلبة. ويصح أن يراد بالصوت ما يبلغه عنهم.
(٣) البيت للنابغة الجعدي، كما في مقاييس اللغة (دوم، فور، فثأ) واللسان (فثأ، دوم). يقال أدام القدر إدامة، إذا سكن غليانها بالماء. وكذلك فثأها: سكن من غليانها. والحمو والحمى: شدة الحرارة. ورواية المقاييس واللسان: «حميها».
(٤) للحارث بن عباد، كما سبق في «لم أكن من جناتها». المربط، بفتح الباء وكسرها: موضع ربط الدابة. والنعامة: اسم فرسه. عن حيال، أي بعد حيال. والحيال: ألا تحمل الناقة. عنى أن الحرب هاجت بعد سكون.
(٥) لأبى دواد الإيادى. العمدة ١: ٦١ والوساطة ٤٧، وبه قيل إن أبا دواد أشعر الناس. ويروى: «لا أعد الإقتار عدما».
[ ١ / ١٤٩ ]
وإذا حضر حضرة ملكٍ وبالغ في الثَّناء عليه، أنشد:
وأنّك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ … إذا طلعَتْ لم يبدُ منهن كوكبُ (^١)
وإذا فَخَر بمن تقدّم من العلماء والكبراء، أنشد:
ترى الناس ما سِرنا يسيرون خلفنا … وإن نحنُ أومأْنا إلى الناس وقفَّوا (^٢)
وإذا أثنى على رجلٍ معطاءٍ، أنشد:
ليس يعطيك للرجاء وللخو … فِ ولكن يَلذُّ طعمَ العطاءِ (^٣)
وإذا قصد أمرأً في حاجةٍ وكررّ الزيارة له ولم ير ما يحبُّه، أنشد:
كفى طلبًا لحاجةِ كلَّ حرًّ … مداومةُ الزَّيارةِ والسّلامِ
وإذا أخذ إنسانٌ يتًّهم أحدًا، غيره أنشد:
رأيت الحربَ يجنيها رجالٌ … ويصلَى حرَّها قومٌ براء (^٤)
قلت: وبنشد في ذلك أيضًا قولَ القائل:
لم أكن من جناتها * (البيت المتقدم)
_________________
(١) للنابغة الذبياني من قصيدة في ديوانه ١٢ يعتذر فيها إلى النعمان ويمدحه. ورواية الديوان: «لأنك شمس». وقبله: ألم تر أن اللّه أعطاك سورة … ترى كل ملك دونها يتذبذب
(٢) للفرزدق في ديوانه ٥٦٨ وأمالي القالى ٣: ١١٩. وفي الأمالي عن طلحة بن عبد اللّه قال: «لقى الفرزدق كثيرا بقارعة البلاط وأنا معه، فقال: أنت يا أبا صخر أنسب العرب حيث تقول: أريدُ لأنسى ذكرَها فكأَنمّا … تُمَثَّلُ لي ليَلى بكل سبيل فقال له كثير: وأنت يا أبا فراس أفخر العرب حيث تقول: ترى الناس ما سِرنا يسيرون خلفنا … وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا» ثم قال: «وهذان البيتان لجميل، سرق أحدهما كثير، والآخر الفرزدق».
(٣) البيت لبشار بن برد، من قصيدة يمدح فيها عقبة بن سلم. ديوانه ١: ١٠٧ - ١١٣. وقبله، كما في الديوان والأغانى ٣: ٤٣: إنما لذة الجواد ابن سلم … في عطاء ومركب للقاء
(٤) أنشده في اللسان (برأ) برواية: «يجنبها رجال». وبراء مثلثة الباء، فهي بالفتح مصدر سمى به، وفي التنزيل: «إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ». وبالكسر: جمع بريء، كظريف وظراف. وبالضم جمع لا واحد له، نحو تؤام وظؤار.
[ ١ / ١٥٠ ]
وينشد في ذلك أيضًا:
وحمَّلتني ذنبَ مريءٍ وتركتهَ … كذى العرّ يكوى غيرهُ وهو راتعُ (^١)
وإذا عارضه معارضٌ في عِلة بلا علم، أنشد:
أخو عديً أمسى يُساجلُنى … ما لعدىً وما لذا العملِ
وإذا ذكر قومًا أشحّاءَ، أنشد:
دراهمِهم لا تُستطاع كأنَّها … فريسةُ ليث أحرزتها مخالبُه
وإذا قيل له: أرضيتَ بكذا وأنت أعلى منزلة منه؟! أنشد:
وما كنت أخشى أن أرى العير مركبى … ولكنَّ من يمشى سيرضى بما رَكب
وإذا زار مريضًا، أنشد:
ونعود سيَّدَنا وسيّد غْيرِنا … ليت التشكَّىَ كان بالعُوَّادِ (^٢)
وإذا حذّر ناسا عدوَّا غَفلوا عنه، أنشد:
بنى أميَّةَ إني ناصحٌ لكمُ … فلا يبِيتَنَّ فيكم آمنًا زفرُ (^٣)
_________________
(١) للنابغة الذبياني في ديوانه ٥٤ من قصيدة يمدح فيها النعمان ويعتذر إليه ويهجو مرة ابن ربيعة. العر، بضم العين: قروح مثل القوباء تخرج بالإبل متفرقة في مشافرها وقوائمها يسيل منها الماء الأصفر فتكوى الصحاح لئلا تعديها المراض. وأما أبو عبيدة فيقول: إن هذا لا يكون، وإنما هو على جهة المثل. وقال ابن دريد: ومن رواه بالفتح فقد غلط، لأن الجرب لا يكوى منه.
(٢) لكثير عزة، قاله في عيادته عبد الملك بن مروان. عيون الأخبار ٥٠٠٣. وبعده: لو كان يقبل فدية لفديته … بالمصطفى من طارفى وتلادى لكن في الشعر والشعراء ٤٩٧ أنه دخل لعيادة عبد العزيز بن مروان. على أن البيت قد روى في قصيدة لجرير في ديوانه ١٢٢ يقوله في عبد العزيز بن الوليد عبد الملك، وكان الوليد كتب إلى أجناد الشام أن يدعوا لعبد العزيز بن الوليد، ودعا هو له في مسجد دمشق في جماعة الناس، وكان عليلا.
(٣) للأخطل في ديوانه ١٠٣ والحيوان ٥: ١٦٣. وزفر هذا، هو ابن الحارث الكلابي، كان قد خرج على عبد الملك بن مروان وظل يقاتله تسع سنين ثم رجع إلى الطاعة. الكامل ٥٣٣ ليبسك والجهشيارى ٣٥. وكان زفر من التابعين، سمع عائشة ومعاوية شرح شواهد المغنى ٣١٥.
[ ١ / ١٥١ ]
وإذا ذكَر صديقًا له بنقضه العهدَ، أنشد:
ألم تر ما بيني وبين ابن خالد … من العهد قد بالت عليه الثعالب (^١)
وإذا هدّده عدوّا وتوعّده أنشد:
فإن قناتنا يا عَمرُو أعيَتْ … على الأعداء قبلك أن تلينا (^٢)
وإذا شكى أخٌ له جَنَى عليه، أنشد:
بل جناها أخٌ عليَّ كريمٌ … وعلى أهلها بَراقِشُ تجنِى (^٣)
وإذا رأى ذا بشاشة وظاهره يبدي خلافه، أنشد:
يبُدِي البشاشةَ حين تبصره … وله إليك عقاربٌ تَسرِى
وإذا أساَء إليه صديقٌ وحلمُ هو عنه، أنشد:
فلا تُوبسوا بيني وبينكم الثرّى … فإنّ الذي بيني وبينكُم مثْرِي (^٤)
وإذا ذُكِر رجلٌ ببعُد الغور، أنشد:
ولم يخشوا مصالته عليهم … وتحت الرّغوة اللبن الصريح (^٥)
_________________
(١) في الأصل: «بنى خالد»، تحريف.
(٢) لعمرو بن كلثوم في معلقته. وعمرو في هذا البيت هو عمرو بن هند. والعرب تستعير للعز اسم القناة.
(٣) لحمزة بن بن بيض في اللسان (برقش). وبراقش: اسم كلبة نبحت على جيش مروا ولم يشعروا بالحي الذي فيهم الكلبة، فلما سمعوا نباحها علموا أن أهلها هناك، فعطفوا عليهم فاستباحوهم، فقيل في المثل: «على أهلها تجنى براقش». وقبل هذا البيت: لم تكن عن جناية لحقتني … لا يسارى ولا يميني جنتنى
(٤) لجرير في ديوانه ٢٧٧ والمقاييس (ثروى) واللسان (ثرا). قال أبو عبيدة: «من أمثالهم في تخوف الرجل هجر صاحبه: لا توبس الثرى بيني وبينك». ويقال: الذي بيني وبين فلان مثر، أي إنه لم ينقطع.
(٥) من أبيات في مجالس ثعلب ٨ - ٩ بنسبتها إلى رجل من سليم. ونسب في البيان ٣: ٣٣٨ إلى أبى محجن الثقفي، وليس في ديوانه. ونسب في اللسان (فصح) إلى نضلة السلمى. المصالة: مصدر ميمى من صال يصول. والرغوة، مثلثة الراء. والصريح: الخالص. أي إنما تعرف الأشياء بالتكشيف عن بواطنها. وأنشده في المقاييس (فصح): «اللبن الفصيح»، وهو الذي أخذت عنه الرغوة.
[ ١ / ١٥٢ ]
وإذا عزَّى إنسانًا وآساه، أنشد:
لكلَّ هٍمّ من الهموم سَعَهْ … والمُسي والصُّبح لا بقاءَ معَهْ (^١)
وإذا كاتَمَ إنسانًا وأضمر له ما يعرفه من التلوُّن، أنشد:
فإنَّ الله لا يخفى عليه … علانية تراد ولا سرار
وإذا رأى إنسانًا تغيَّرت عن غِنًى حالُه (^٢) أنشد:
إن الفَتى يقُتُرِ بعد الغنى … ويَغتنى من بعد ما يفتقر (^٣)
وإذا قيل له: مضَى فلان وورث وارثه مالَه، أنشد:
قد يجمع المالَ غير آكِلهِ … ويأكل المالَ غيرُ من جَمعه (^٤)
وإذا رأى رجلًا أثنى على آخَرَ وهو لا يعرفُه، أنشد:
لا تحمدنَّ امرأ حتى تجرَّبه … ولا تذمنَّه من غير تجريبِ (^٥)
وإذا نُعىِ له رجلٌ عظيم الشأن، أنشد:
لما أتى خبَرُ الزُّبيرِ تواضعت … سور المدينة والجبال الخشّع (^٦)
_________________
(١) للأضبط بن قريع، وهو أحد المعمرين من العرب. كتاب المعمرين للسجستاني ٨ ومجالس ثعلب ٤٨٠ والأمالي ١: ١٠٧ والأغانى ١٦: ١٥٤ وحماسة ابن الشجري ١٣٧ والخزانة ٤: ٨٩ والمثل السائر ١: ٢٦٠.
(٢) في الأصل: «تغيرت عنى حاله».
(٣) البيت لعمرو بن أحمر، من أبيات له في اللسان (رنا) وطبقات ابن سلام ١٩١، أقتر: قل ماله.
(٤) للأضبط بن قريع. انظر الحاشية الأولى.
(٥) لأبى الأسود الدؤلي. حماسة البحتري ٣٧٠.
(٦) البيت لجرير في ديوانه ٣٤٥ والخزانة ٢: ١٦٦ من قصيدة بهجو فيها الفرزدق ورهطه بنى مجاشع الذين منهم عمرو بن جرموز قاتل الزبير بن العوام. وكان ابن جرموز قد قدم على أمير المؤمنين على وهنأه بالفتح وأخبره بقتله الزبير، فقال له على: أبشر بالنار، سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: بشر قاتل ابن صفية بالنار. وفي ذلك يقول ابن جرموز: أتيت عليا برأس الزبير … وقد كنت أحسبها زلفه فبشر بالنار في قتله … فبئس بشارة ذي النحفه ثم إن ابن جرموز جاء إلى مصعب بن الزبير وكان واليا على العراق من قبل أخيه عبد اللّه فقال: اقتلنى بالزبير! فكتب في ذلك إلى أخيه، فكتب إليه عبد اللّه: أنا لا أقتله بالزبير
[ ١ / ١٥٣ ]
وإذا جَهِل عليه جاهلٌ وللجاهل عدوٌّ حاضر لا يجترئ عليه، أنشد:
جهلًا علينا وجبنا عن عدوَّكمُ … لبئست الخلَّتان الجهلُ واُلجُبنُ (^١)
وإذا مات له خليلٌ يعزُّ عليه فقده، أنشد:
ألا ليمتْ مَن شاء بعدك إنمّا … عليك من الأقدار كان حذارِيا (^٢)
وإذا قيل له. استتر لك فلانٌ وخَدعَك، انشد:
وقد كنت مجرور اللَّسانٍ ومفحَما … فأصبحت أدرى اليوم كيف أقولُ (^٣)
وإذا ذكر إخوانهَ الذين سلفَوا، أنشد:
أولئك إخوانُ الصَّفاء رُزِئتُهم … وما الكفُّ إلا إصبعٌ ثم إصبعُ (^٤)
وإذا نَجُب ابن امرئٍ بعد موته، أنشد:
لعمركً ما وارى الترابُ فعاله … ولكنّه وارى ثيابا وأعظما (^٥)
_________________
(١) ولا بشسع نعله. فلم يقتله. والنحويون يجعلون هذا البيت شاهدا لاكتساب بعض الأسماء التأنيث من بعض، لأن السور هنا بعض المدينة. وذهب أبو عبيدة أن «السور» جمع سورة بالضم، وهي كل ما علا، فلا شاهد في البيت. الخشع، أي التي صارت خاشعة لاطئة بالأرض لموته.
(٢) البيت لقعنب بن أم صاحب، في حماسة أبى تمام ٢: ١٨٨ والبحتري ٣٩٢.
(٣) في الأصل: «حذارى»، صوابه في اللسان (ملا) ومحاضرات الراغب ٢: ٢٢٩. وقبله، وهو في رثاء يزيد بن مزيد الشيباني: وقد كنت أرجو أن أملاك حقبة … فحال قضاء اللّه دون رجائيا وانظر العقد: ٢: ٢٨٧ طبع لجنة التأليف.
(٤) البيت للفقيمى، وهو قاتل غالب أبى الفرزدق. البيان ٣: ٢١٤، ٣٢٦ ومحاضرات الراغب ٢: ٧٤. وفي الأصل: «محزوز» صوابه في البيان. وفي المحاضرات: «محرور» محرفة أيضا. وأصل المجرور الفصيل يشق لسانه لئلا يرضع، يقال جر الفصيل وأجره. قال عمرو بن معد يكرب: فلو أن قومي أنطقتى رماحهم … نطقت ولكن الرماح أجرت
(٥) البيت لأبى حناك البراء بن ربعي الفقعسي، في الحماسة ١: ٣٥١ والمضنون به على غير أهله لعز الدين الزنجاني ٣٤٤ طبع ١٣٣١. وقبله: أبعد بنى أمي الذين تتابعوا … أرجى الحياة أم من الموت أجزع ثمانية كانوا ذؤابة قومهم … بهم كنت أعطى ما أشاء وأمنع
(٦) أنشده أبو تمام في الحماسة ١: ٣٨٣ ولم ينسبه. وقبله: إذا ما امرؤ أثنى بآلاء ميت … فلا يبعد اللّه الوليد بن أدهما
[ ١ / ١٥٤ ]
وإذا رأى رجلًا يتكلَّف مالا يستطيعه. أنشد:
• إذا لم تستطع شيئًا فدعهُ (^١) …
وإذا استحقره قوم وتعرّضوا لأكبر منه، أنشد:
• ذبابٌ طار في لَهَواتِ ليث …
وإذا تجاهل عليه متجاهلٌ، أنشد:
إنا لتُوزَنُ بالجبال حلومُنا … ويَزِيد جاهلنا على الجهَّالِ (^٢)
وإذا نعِى له رئيسٌ من رؤساء محَلّته أو عشيرته، أنشد:
إذا شذّ منا سيَّد قام سيّد … قئول لما قال الكرام فعول (^٣)
وأنشد أيضًا:
إذا قمرٌ منَّا تغوَّرَ أو خبا … بدا قمرٌ من جانب الأفق يلمعُ (^٤)
وإذا مطل إنسانٌ ووعَد بعدُ، أنشد:
فإنْ يك صدرُ هذا اليوم ولّى … فإن غدا لناظره قريب (^٥)
_________________
(١) فما كان مفراحا إذا الخير مسه … ولا كان منانا إذا هو أنعما ونادى المنادى أول الليل باسمه … إذا أجحر الليل البخيل المذمما
(٢) لعمرو بن معد يكرب في الحيوان ٣: ١٣٨ وحماسة البحتري ٣٧٥ والأغانى ١٤: ٣١، ٣٦، ٣٧. وعجزه: • وجاوزه إلى ما تستطيع …
(٣) لحسان بن حنظلة بن أبي رهم الطائي في الحماسة ٢: ٣١٧ ومجموعة المعاني ٤٥. وهو في ديوان الفرزدق ٧٣٠. ونسب في الخزانة ٣: ١٠٧ والنقائض ٢٨٤ إلى الفرزدق أيضا. وفي المؤتلف للآمدى ١٢٤ أنه للراهب الطائي، وهو حنظلة والد حسان المتقدم، وأن الفرزدق قد سرقه وأدخله في قصيدته.
(٤) للسموأل بن عاديا، من أبيات في الحماسة ١: ٢٧ - ٣١ والحيوان ٦: ٤٢٣ والبيان ٤: ٦٨ والقالى ١: ٢٦٩. والرواية في الحماسة والقالى: «إذا سيد منا خلا قام سيد».
(٥) البيت لأبى يعقوب الخريمى في الحيوان ٣: ٩٤ والوساطة ١٥٩.
(٦) في الأصل: «للناظرين» تحريف. والبيت لقراد بن أجدع، كما في أمثال الميداني ١: ٦٣. لناظره: أي لمنتظره.
[ ١ / ١٥٥ ]
وإذا رأى قومًا ذوِى صُورَ ولا أحلامَ لهم، أنشد:
لا بأسَ بالقومِ من طولٍ ومن عظمٍ … جسٍمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِ (^١)
وإذا اقتضَى صديقًا وعدًا، أنشد:
قضَى كلُّ ذي دين فوفى غريمه … وعزّة ممطول معَّنى غريمُها (^٢)
وإذا شيّع فريقين وأخَذَ كلُّ واحد غيرَ طريق الآخر، أنشد:
فريقانِ منهم سالكٌ بطنَ نخلةٍ … وآخرُ منهم سالك نجد كبكبِ (^٣)
وإذا لم يزُره أخوه زاره هو، وأنشد:
أزوركمْ لا أكافِيكمُ بجفوتكم … إن المحبَّ إذا لم يزرْ زارا (^٤)
وأنشد أيضًا فيه:
وما كنت زوَّارًا ولكنَّ ذا الهوى … إذا لم يُزرْ لا بد أن سيزورُ (^٥)
وإذا وصف رجلا بالعفّة والإعراض عن الزَّنا، أنشد:
والله لو كانت الدنيا وزينتهُا … في بطن راحِتِه يوما لألقاها
وإذا قيل له: إن أمثالك قليل، أنشد:
وما ضرَّنا أنا قليل وجارُنا … عزيزٌ وجار الأكثرين ذليل (^٦)
_________________
(١) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ٢١٤ من قصيدة يهجو بها بنى الحارث بن كعب - وانظر الحيوان ٥: ٢٢٩ والخزانة ٤: ٥٣ - ٥٦ وسيبويه ١: ٢٥٤. الأحلام: العقول.
(٢) البيت لكثير عزة في حماسة ابن الشجري ١٥٤ والأغانى ٨: ٣٥، ٣٦ ومحاضرات الراغب ١: ٢٢٩.
(٣) لامرئ القيس في ديوانه ٧٧ ومعجم البلدان، رسم (كبكب).
(٤) البيت للعباس بن الأحنف في ديوانه ٧٣ وخاص الخاص ٩٣ ومحاضرات الراغب ١: ٣٠٥ برواية: «نزوركم لا نكافيكم». وفي الأصل هنا: «لأكافيكم»، تحريف - وبعده في الديوان: ستقرب الدار شوقا وهي نازحة … من عالج الشوق لم يستبعد الدارا وفي محاضرات الراغب ٢: ١٥: «يقرب الشوق دارا».
(٥) للأحوص، الكامل ٣٢١ ليبسك. وقبله: أدور ولولا أن أرى أم جعفر … بأبياتكم ما درت حيث أدور
(٦) للسمو أل بن عاديا. انظر ما سبق في ص ١٥٥.
[ ١ / ١٥٦ ]
وإذا ولى رجل ولاية وأُثنَىِ عليه بها، أنشد:
وإذا الدرُّ زان حُسنَ وجوهٍ … كان للدَُّّر حُسنُ وجِهكِ زينا (^١)
وكان يتمثَّل لمناظره ويعرَّض له أنه لم يبلغ المبلغ بقول الشاعر:
لا تحسب المجدَ تَمرًا أنت آكلُه … لن تبلغ المجد حتَّى تلعق الصَّبِرا
وإذا ذكر له رجل مضى فذلّت أتباعه وبنو عمَّه بعد عِزً، أنشد:
فتَى كان مولاه يحلُّ بنجَوةٍ … فحلَّ الموالى بعده بمسيلِ (^٢)
وإذا رأى إنسانًا منسور (^٣) له مطلا ودفاعا، أنشد:
لقد جررت لنا جبلَ الشَّموسِ فلا … يأسٍا مبينًا نرى منكمْ ولا طَمعَا (^٤)
وإذا رأى رجلًا همُّه نفسهُ لا غيره، أنشد:
دعِ المكارمَ لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي (^٥)
_________________
(١) أنشده الجاحظ في البيان ١: ١٩٥ والجرجاني في الوساطة ٢٠٢. وقبله أو بعده: وتزيدين أطيب الطيب طيبا … أن تمسيه أين مثلك أينا وقال خالد بن عبد اللّه القسري لعمر بن عبد العزيز: من كانت الخلافة زانته فإنك قد زنتها، ومن كانت شرفته فإنك قد شرفتها، فأنت كما قال القائل: وإذا الدرُّ زان حُسنَ وجوهٍ … كان للدَُّّر حسن وجهك زينا فقال عمر: أعطى صاحبكم مقولا ولم يعط معقولا. عيون الأخبار ١: ٩٣.
(٢) النجوة: المكان المرتفع. والمسيل: موضع السيل. والبيت لعقيل بن علفة في الحماسة ١: ٤١٠. وقبله: لتغد المنايا حيث شاءت فإنها … محللة بعد الفتى ابن عقيل
(٣) كذا وردت هذه الكلمة. ولعلها «يسرّ»، أي يضمر.
(٤) البيت للقيط بن يعمر الإيادى، من قصيدة له هي أول مختارات ابن الشجري، ينذر فيها قومه غزو كسرى إياهم، وكان لقيط كاتبا في ديوان كسرى، فلما رآه مجمعا على غزو إياد كتب إليهم بهذا الشعر، فوقع الكتاب بيد كسرى فقطع لسان لقيط وغزا إيادا. الشموس يفتح أوله: النفور من الدواب الذي لا يستقر لشغبه وحدته.
(٥) البيت للحطيئة في ديوانه ٥٤ من قصيدة يهجو بها الزبرقان بن بدر. الطاعم الكاسى: ذو الطعام والكسوة، أو هو المطعم المكسو، كما في قول اللّه: «عيشة راضية»، أي مرضية، انظر اللسان (كسا).
[ ١ / ١٥٧ ]
وإذا لاجّه (^١) إنسان وطاولهَ، أنشد:
إذا ما تحدّثتُ في مجلسٍ … تناهَى حديثي إلى ما علمتُ (^٢)
وإذا رأى امرأ تأمّل حاشيةَ زائرِهِ وغاشِيته (^٣)، أنشد:
وإذا ما جهلتَ ودَّ صديقٍ … فاعتبر ما جهلتَ بالغلمان
إنَّ وجهَ الغلامِ يخبر عمَّا … في ضمير المولى من الكِتمان
وإذا رأى رجلًا انتمى إٍلى قوٍم غير كرام، أنشد:
فغَّض الطرفَ إنك من نُميرٍ … فأصلهم ومنبتهُم لئيمُ (^٤)
وإذا سبَرَ حال صديقٍ له فلم يحمَدْه، أنشد:
وما كلُّ إخوانِ الفتى طوعَ هَّمه … ولا كلُّ عودٍ نابت بنضار (^٥)
وإذا توعّده من لا يصدق في وعده، أنشد:
فانظر إلى كفّ وأسرارها … هل أنت إن أوعدتنى ضائرى (^٦)
وإذا نُعِىَ له شخص، أنشد:
على صخرٍ وأىّ فتى كصخر … ليوم كريهة وسداد ثغر (^٧)
_________________
(١) الملاجة: التمادي في الخصومة. في الأصل: «الملاحة»، تحريف.
(٢) البيت ليزيد بن الوليد بن عبد الملك، كما في عيون الأخبار ٢: ١٢٥. وبعده: ولم أعد علمي إلى غيره … وكان إذا ما تناهى قصرت
(٣) غاشية الرجل: من ينتابه من زواره وأصدقائه.
(٤) كذا ورد إنشاده. والمعروف بيت جرير في ديوانه ٧٥: فغض الطرف إنك من نمير … فلا كعبا بلغت ولا كلابا
(٥) النضار: شجر الأثل، وهو أجود الخشب للآنية والأقداح.
(٦) البيت للأعشى في ديوانه ١٠٧ واللسان (سرر) والمقاييس (سر). والأسرار: خطوط باطن الراحة، واحدها سر.
(٧) البيت ملفق من بيتين، أحدهما للخنساء في رثاء أخيها صخر، وهو كما في الديوان ٢٣ وحماسة البحتري ٤٢٨: على صخر وأي فتى كصخر … لعان عائل غلق بوتر والآخر للعرجى في نزهة الألباء ١١٣ واللسان (سدد): أضاعونى وأي فتى أضاعوا … ليوم كريهة وسداد ثغر وقد يقع التلفيق في استشهادات ابن فارس. انظر المقاييس (شنأ، علق، فأو).
[ ١ / ١٥٨ ]
وإذا رأى رجلا اتهم بدعوة، أنشد:
زنيمٌ تداعاه الرَّجالُ زيادةً … كما زيد في عرض الأديم الأكارعُ (^١)
وإذا رأى عدوًا مخاشنًا، أنشد:
بني تماضرَ إنَّي لا أحبكما … ولا ألومكما إلا تحبَّاني
وإذا قعد عن صديق بعذر، أنشد:
فلا بأس بالهجر الذي ليس عن قلا … إذا شجرت عهدَ الحبيبِ شواجرُ (^٢)
وربما وصل حديثه عن الزمن الأول بقوله:
إذِ الناس ناسٌ والزمان بغرَّة … وإذ أمُّ عمّارٍ صديقٌ مساعفُ (^٣)
وإذا ذكر رجل بجود وسماحة، أنشد:
يومان يومٌ يفيض نائله … وخير يوم ما يقيتُ غدا (^٤)
وإذا خبر أن ولد رجل نجب، أنشد:
وهل ينبتُ الخطيَّ إلا وشيجه … وتغرسُ إلاّ في منابتها النخلُ (^٥)
وإذا أسعفه رجل في أمره، أنشد:
أناة امرئ يأتي الأمورَ بقدرةٍ … متى ما يردْ لم يعيَ بالأمر مصدرا
_________________
(١) البيت للخطيم التميمي، جاهلي. ويروى لحسان بن ثابت، كما في اللسان (زنم) والكامل ٥٦٧ ليبسك. ورواه ابن فارس في المقاييس (زنم) بدون نسبة. والزنيم المستلحق في القوم وليس منهم. الأديم: الجلد. وفي الكنايات للجرجاني ١٥: «ويكنون عن الدعي بأكارع الأديم. قال الفرزدق: وأنت زنيم في كليب زيادةً … كما زيد في عرض الأديم الأكارعُ»
(٢) في الأصل: «بالهجران» ولا يستقيم به الوزن، و«عن قلا»: عن بغض قلاه يقليه ويقلوه. وفي الأصل: «عرقلا»، تحريف. ويقال شجر الشئ: صرفه ونحاه.
(٣) يفهم من صنيع اللسان (سعف) أنه لأوس بن حجر. ولم أجده في ديوانه.
(٤) أقاته: أعطاه قوته. ولعل الكلام: «وخير يوميه».
(٥) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ١١٥. الخطى: الرماح المنسوبة إلى الخط، وهي جزيرة بالبحرين. والوشيج: القنا الملتف في منبته، الواحدة وشيجة. أي لا تنبت القناة إلا القناة، ولا تغرس النخلة إلا بحيث يكون نباتها وصلاحها.
[ ١ / ١٥٩ ]
وإذا مرّ بدار صديق له، أنشد:
ألا حيِّ الدِّيارَ بسعد إنِّي … أحبُّ لحبِّ فاطمةَ الدِّيارا (^١)
وإذا حضر مجلس مناظرة وطلب منه الكلام، جثا على ركبتيه وأنشد:
ولا ينجى من الغمرات إلاَّ … براكاءُ القتالِ أو الفرارُ (^٢)
وإذا ناظره فتى شاب، أنشد:
كيف ترجونَ سقاطي بعد ما … جلَّل الرأسَ مشيبٌ وصلعْ (^٣)
وإذا زاحمه خصماؤه وكثروا عليه، أنشد:
إذا اجتمعوا عليَّ فحلّ عنهم … وعن أسدٍ مخالبه دوامِ
إذا اجتمعوا علىّ فحلّ عنهم … وخربانٍ تصيد حبارياتِ (^٤)
وإذا قيل له: إن فلانًا في فضله فضل عليه من دونه، أنشد:
كم قد رأينا من أسد … بالت على رأسه ثعالب (^٥)
وإذا قيل له أيضا، أنشد:
صرت كأنّى ذبالة نصبت … تضئ للناس وهي تحترقُ (^٦)
وإذا استطال الليل، أنشد:
أقول وليلتي تزدادُ طولًا … أما الَّليلِ ويحكمُ نهار (^٧)
_________________
(١) البيت لجرير في ديوانه ٢٨٠ ومعجم اللسان (سعد). وأنشده ابن فارس في مقاييس اللغة (سعد) مع نسبته.
(٢) لشر بن أبي خازم في اللسان ومقاييس اللغة (برك). وهو ختام قصيدة له في المفضليات ٢: ١٤٥. والبراكاء: الثبات في الحرب والجد، وأصله من البروك.
(٣) لسويد بن أبي كاهل اليشكري في المفضليات ٢: ١٩٨. سقاطى: فترتى وسقطى. ويروى: «لاح في الرأس».
(٤) في الأصل: «وحريان تصيد حباريان». الخربان بكسر الخاء: جمع خرب بالتحريك وهو ذكر الحبارى: ضرب من الطير.
(٥) كذا ورد صدر هذا البيت.
(٦) للعباس بن الأحنف في ديوانه ١١١ والكامل ٥١٨ ليبسك ومحاضرات الراغب ١: ٩ وديوان المعاني للعسكرى ١: ٢٦٣. الذبالة: الفتيلة التي تسرح في المصباح. وقبل البيت: أحرم منكم بما أقول وقد … نال به العاشقون من عشقوا
(٧) البيت لبشار، في المختار من شعر بشار ص ٧ برواية: «أما لليل بعدهم نهار».
[ ١ / ١٦٠ ]
وإذا مرض وعاده عواده، أنشد:
وهل هي إلا علّةٌ بعد علّةٍ … إلى العلة الكبرى وتلك هي التي
وإذا رأى رجالًا لا حمية ولا منعة فيهم، أنشد:
إذا ما عدّ مثلكم رجال … فما فضلُ الرَّجالِ على النساءِ
وإذا اشتكى إليه إنسان إقلالًا [أنشد]:
إذا شئتَ أن تحيا غنيًَّا فلا تكن … بمنزلة إلا رضيتَ بدونها
وإذا رأى ذا ضغن صاحب آخر، أنشد:
إذا أنت لم تسقم وصاحبت مسقما … وكنت له خدنًا فأنت سقيمُ
وإذا دخل عليه ثقيل، أنشد:
أيا جبليْ نعمانَ باللهِ خلِّيا … نسيمَ الصَّبا يخلصْ إلىّ نسيمها (^١)
وإذا جاد عليه بنزر يسير، أنشد:
تؤتيك نزرًا قليلا وهي خائفة … كما يخاف مسيسَ الحيَّةِ الفرق (^٢)
وهذه جمعية لم أظفر بمثلها، فرحم الله من فهمها وحفظها، وأورد كل بيت في محلّه، ليجلّ عند خلّه.
_________________
(١) البيت لمجنون ليلى، في الأغانى ١: ١٧٠/ ٥: ٣٤ وحماسة ابن الشجري ١٦٨، وهو في أمالي القالى ٢: ١٨١ يدون نسبة. وفي الأغانى - ونحوه في حماسة ابن الشجري: أن أهل المجنون خرجوا به معهم إلى وادى القرى قبل توحشه ليمتاروا خوفا عليه أن يضيع ويهلك فمروا في طريقهم بجبلى نعمان، فقال له بعض فتيان الحي: هذان جبلا نعمان. وقد كانت ليلى تنزل بهما. قال: فأي الرياح يأتي من ناحيتهما؟ قالوا: الصبا. قال: فو اللّه لا أريم هذا الموضع حتى تهب الصبا. فأقام ومضوا فامتاروا لأنفسهم ثم أتوا عليه فأقاموا معه ثلاثة حتى هبت الصبا ثم انطلق معهم. ففي ذلك يقول: أيا جبليْ نعمانَ باللهِ خلِّيا … نسيمَ الصَّبا يخلص إلى نسيمها أجد بردها أو تشف منى حرارة … على كبد لم يبق إلا صميمها فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت … على نفس محزون تجلت همومها
(٢) البيت لابن هرمة. المختار من شعر بشار ٩٦. وصدره فيه: «تبدى بذاك سرورا وهي مشفقة كما يهاب». في الأصل: «وهي جائعة»، صوابه ما أثبت. المسيس: المس. والفرق: الخائف الفزع.
[ ١ / ١٦١ ]