بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه البررة المتقين، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، صلاة دائمة إلى يوم الدين.
وبعد فإن النفس ترتاح لما سمعت، وتلح في الطلب إذا منعت. وكان الوالد السعيد مجد الدين أبو سلامة مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ ﵁، حدثني أنه لما توجه إلى خدمة السلطان ملكشاه (^١) ﵀، وهو إذ ذاك بأصفهان قصد القاضي الإمام الصدر العالم أبا يوسف القزويني ﵀، عائدًا ومسلمًا، بمعرفة قديمة كانت بينهما، ويد كانت عنده للجد سديد الملك ذي المناقب أبي الحسن علي بن مقلد ﵀. وذاك أن القاضي المذكور سافر إلى مصر في أيام الحاكم صاحب مصر، فأحسن إليه وأكرمه ووصله بصلات سنية، فاستعفى منها وسأله أن يجعل صلته كتبًا يقترحها من خزانة الكتب، فأجابه إلى ذلك، فدخل الخزانة واختار منها ما أراده من الكتب، ثم ركب في مركب وتلك الكتب معه، يريد بلاد الإسلام التي في الساحل، فتغير عليه الهواء فرمى بالمركب إلى مدينة اللاذقية وفيها الروم، فبعل بأمره (^٢) وخاف على نفسه وعلى ما معه من الكتب، فكتب إلى جدى سديد الملك رحمه الله تعالى كتابًا يقول فيه: «قد حصلت بمدينة (^٣) اللّاذقية بين الروم، ومعي كتب
_________________
(١) هو السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان بن محمد بن داود بن ميكائيل، جلال الدولة أبو الفتح السلجوقى، ثالث ملوك السلاجقة، تولى الملك بعد أبيه ألب أرسلان سنة ٤٦٥، وتوفى سنة ٤٨٥ هو ووزيره نظام الملك الحسن بن إسحاق، صاحب المدرسة النظامية.
(٢) بعل بأمره: برم وضجر فلم يدر كيف يصنع فيه.
(٣) هذا ما في خ. وفي الطبعة الأولى: ع [ند].
[ ١ / ١٨١ ]
الإسلام، وقد وقعت لك رخيصًا فهل أجدك حريصًا». فسير إليه من يومه ولده عمى عز الدولة أبا الم [رهف (^١)] نصرًا ﵀، وسبّر معه خيلا كثيرًا من غلمانه وجنده، وظهرًا لركوبه وحمل أثقاله، فأتاه وحمله وما معه فأقام عند جدى ﵀ مدة طويلة، وكانت له بالوالد ﵀ عناية وإلف، فلما اجتاز ببغداد قصده ليجدد به عهدا، فحدثني ﵀ قال:
دخلت عليه ومعي الشيخ أبو الحسن علي بن البوين الشاعر، وهو كاتب كان لجدى ﵀، فوجدته قد بلغ من العمر إلى ما غير ما كنت أعرفه فيه، ونسي كثيرًا مما كان يذكره، فلما رآني عرفني بعد السؤال، لأنه فارقني وأنا صبي ورآني وأنا رجل، فاستخبرني عن طريقي، فعرفته توجهي إلى دركاه السلطان (^٢)، فقال: تبلغ خواجا بزرك نظام الدين (^٣) سلامي، وتعرفه إن الجزء الأول من التفسير الذي قد جمعته قد ضاع، وهو تفسير «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» واسأله أن يأمر باستنساخه من النسخة التي في خزانته وينفذه لي. وكان جمع تفسير القرآن في مائة مجلد، وكان لضعفه وكبره مستندًا بين الجالس والمستلقي على فراش له، وحوله كتب كثيرة، وهو يكتب، فسلم عليه الشيخ أبو الحسن بن البوين كاتب الأمير سديد الملك. قال: البوين أي شيء هو؟ لعن الله البوين! ثم فكر هنيهة وقال: أنت الشاعر النحوي الكاتب؟ قال: نعم. فأنشد:
قالوا السُّلاميُّ فقلت اطبقي … ذا محلبانُ الضَّرع لبّانُ (^٤)
ثم عاد إلى حديثه معي فلمح الشيخ أبا الحسن وقد أخذ كتابا من تلك
_________________
(١) التكملة من خ والنجوم الزاهرة ٥: ١٦٣. وهو أبو المرهف نصر بن علي بن مقلد ابن نصر بن منقذ. وقد تولى شيزر سنة ٤٧٩ وتوفى سنة ٤٩٢.
(٢) الدركاه: القصر، فارسيته دركاه، ومعناه الباب والسدة والدار، مركب من «در» أي باب، ومن «كاه» أي محل، الألفاظ الفارسية المعربة لأدى شير ٦٢.
(٣) كذا في الأصل. وفي الألفاظ الفارسية المعربة ٢٢: «البزرك فارسي محض، ومعناه العظم، لقب به الوزير نظام الملك». وانظر كتاب الاعتبار ١٧٤ - ١٧٥.
(٤) محلبان، عنى به المبالغة من الحلب، ولم أجده في معجم.
[ ١ / ١٨٢ ]
الكتب التي حول فراشه فقال: يدخل الإنسان وينبسط ويقرأ ما عنده (^١) من الكتب، أي إني من أهل العلم، ما أحوجك أن يكون ما في يدك فوقها! فألقاه من يده، وكان الكتاب كتاب العصا.
ولي منذ سمعت هذا نحو من ستين سنة أتطلب كتاب العصا بالشام ومصر والعراق والحجاز والجزيرة وديار بكر فلا أجد من يعرفه، وكلما تعذّره وجوده ازددت حرصًا على طلبه، إلى أن حداني اليأس منه على أن جمعت هذا الكتاب وترجمته بكتاب العصا. ولا أدري أكان ذلك الكتاب على هذا الوضع أم على وضع غيره. على أني قد بلغت النفس مناها، وكانت حاجة في نفس يعقوب قضاها. ولا أرتاب في أن مؤلف ذلك الكتاب وقع له معنى فأجاد في تأليفه وتنميقه، وأنا فاتني مطلوب ففرغت إلى تجويزه وتلفيقه (^٢). وكتابي هذا وإن كان خاليًا من العلوم التي يتجمل [أصحاب (^٣)] التصانيف بها، ويرغب أولو الفضل في طلبها، فما يخلو من أخبار وأشعار تميل النفوس إليها، ويحسن موقعها ممن وقف عليها. وقد افتتحته بذكر عصا موسى ﵇، ثم ذكر عصا سليمان بن داود ﵇، ثم أفضت في ذكر الأخبار والأشعار التي يأتي فيها ذكر العصا. ولا أدّعي أنى أنيت على ذكر العصا فيما جمعته، وإنما أدرت منه ما حفظته وسمعته.
وبالله ﷿ أعو [ذ] وأعتصم، من أن تكتب يدي ما يؤثم وبصم (^٤). ومن رحمته تعالى أطلب الصفح والغفران، عن اشتغالي بالترهات عن تلاوة القرآن، وهو سبحانه أقرب م [دعوّ]، وأكرم مرجوّ.
_________________
(١) كذا: ولعله يريد «ما يلقاه في مجلسه».
(٢) فرغ إلى الشئ: عمد له وقصد. وفي حديث أبي بكر:» افرغ إلى أضيافك»، أي اعمد واقصد. والتجويز: الإنفاذ والإمضاء، وليس ما يضطرنا إلى تصحيحها لتكون: «تحويره».
(٣) ليست في الأصل.
(٤) يصم، من الوصم، وهو العيب.
[ ١ / ١٨٣ ]