هذه هي المجموعة الثالثة من (نوادر المخطوطات)، وهي وثيقة هامة تقدم إلى خاصة الأدباء والباحثين مادة غزيرة في ناحية مغلقة من نواحي الأدب العربي، وتعرض لونا من ألوان الحياة الثقافية والاجتماعية والدينية في بلاد الأندلس في القرنين الخامس والسادس.
وقد كان للصديق الفاضل «الدكتور شوقى ضيف» فضل تعريفى برسالة ابن غرسية التي لم أكن أعرف عنها إلا الاسم فحسب، وقد عثر عليها في أثناء تفتيشه لذخيرة ابن بسام (^١).
وعندما رجعت إلى الذخيرة وجدت النص، فيها مضطربا شديد التحريف، فبحثت عن مرجع آخر يسعف في تحقيق هذا النص، فساقني المطاف إلى فقر متناثرة نشرها المستشرق الألماني الكبير إجنتز جولدتسيهر lgnaz Goldziher في أثناء بحثه في (الشعوبية عند مسلمى الأندلس) الذي قدمه إلى مؤتمر المستشرقين الثاني عشر بمدينة روما في أكتوبر سنة ١٨٩٩ ونشره في مجلة الجمعية الألمانية الشرقية (^٢).
وقد رأيت أن أطلع على البحث المكتوب باللغة الألمانية، فاتصلت بالصديق الفاضل «الدكتور عبد الحليم النجار» الأستاذ المساعد بكلية الآداب بجامعة القاهرة، الذي كان له فضل إمدادى بترجمة دقيقة لهذا البحث استوجبت جزيل شكري وعظيم التقدير.
_________________
(١) القسم الثالث من مخطوطة جامعة القاهرة رقم ٢٦٠٢٢ ص ٢١٩ - ٢٣١.
(٢) Zeitschrift der Deutschen Morgenlandischen Gesellschaft المجلد ٥٣ ص ٦٠١ - ٦٢٠ ليبسك ١٨٩٩.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وكان في النية أن أنشر هذه الترجمة النفيسة في هذه المجموعة، ولكني وجدت فيما بعد أن نطاق المجموعة يضيق عن استيعاب نص هذا البحت المسهب، فآثرت أن أوجزها إيجازا، وأن ألحقها بنهاية هذا التقديم.
وقد دلنا جولدتسيهر على مخطوط في مكتبة الإسكوريال برقم (٥٣٨) يتضمن هذه الرسالة وبعض الردود عليها. وهو مخطوط نادر مكتوب بخط مغربى مجهول التاريخ وإن كان يبدو عليه سمة القدم، كتب في صدره:
«الحمد للّه. مجموع فيه مبايعة علي بن أبي طالب أبا بكر الصديق ﵁ وتفسير ألفاظها لغة، ومكاتبات الأمير علي بن يوسف بن تاشفين، ومخاطبة الراهب الفرنسي وجوابه للإمام أبى الوليد الباجي، ومكاتبات أهل سبتة لأهل الجزيرة الخضراء، ومضحكات وغرائب. باللّه يثق وعليه يتوكل ويعتمد مالكه محمد ابن يوسف بن محمد. وفيه المراسم الجدلية ومسائل من أصول الفقه. والحمد للّه وحده».
وهذه العنوانات هي بعض ما ورد في مجموعة الإسكوريال، وهناك عنوانات أخر لرسائل كثيرة تضمنها هذا المجموع النادر.
وبذلك اجتمع لنا نصان يسعفان في نشر هذه الرسائل النادرة.
نص الذخيرة ونص مجموعة الإسكوريال أما نص الذخيرة (^١) فإنه يشتمل على رسالة ابن غرسية، ورسالتين أخريين هما:
١ - رد أبى جعفر أحمد بن الدودين.
٢ - ثم رد أبى الطيب بن من اللّه القروي.
وأما نص المجموعة فإنه يشتمل على الرسالة وعلى ردود أربعة، وهي:
١ - رسالة أبى يحيى بن مسعدة.
٢ - ثم رسالة لم يصرح باسم كاتبها، وأرجح أنه أبو يحيى.
٣ - ثم رسالة أبى جعفر بن الدودين.
_________________
(١) مما يجدر ذكره أن جولدتسيهر لم يطلع على هذا النص، ولم يشر إليه في بحثه. وكان ذلك سببا في عثرته التي أشرت إليها في ص ٢٤٢.
[ ١ / ٢٣٠ ]
٤ - ثم رسالة أبى الطيب بن من اللّه القروي.
ومما هو جدير بالذكر أن صاحب مجموعة الإسكوريال قد نقل الرسالتين الأخيرتين من الذخيرة ولم يصرح بذلك، فإننا نجد نص رسالة أبى جعفر بن الدودين هو نص الذخيرة، لا يفترقان إلا في القليل.
ونلفى صدر رسالة أبى الطيب في المجموعة هو عبارة ابن بسام وسجعه في الذخيرة بالحرف الواحد: «وممن رد عليه وأجاد، ما أراد، أبو الطيب بن منِّ الله القروي برسالة طويلة أثبت منها بعض الفصول، تخفيفا للتثقيل».
ثم نرى توافقا تاما في تقسيم فصول الرسالة وفقرها، إذ يبدو لنا أن هذا النص مؤلف من فصول مختارة من الرسالة، وليس نصّا كاملا.
ثم نطالع هذه العبارة في الورقة (٥١ ا): «قال صاحب الكتاب: وبين أبو الطيب بطلان كلامهم في احتجاج طويل، تركته تخفيفًا للتثقيل». وهذه هي عبارة الذخيرة بنصها. وصاحب الكتاب هو ابن بسام صاحب الذخيرة بلا ريب.
فلأن نص مجموعة الإسكوريال أعظم قيمة من حيث هي أقدم خطّا، وأصح متنا، وأكثر استيعابا في النص، واشتمالا للردود - جعلتها أصلا في نشر هذه المجموعة، وجعلت نص الذخيرة للمقابلة والاستعانة في التحقيق.