اكتسبت خطبة واصل هذه شهرة تاريخية، وليس من أديب شادٍ إلا وهو يعرف هذه الشهرة. ولسنا نجد في الكتب المطبوعة نصًا كاملا محققا لخطبة واصل، إلا ما ورد محرفًا منقوصًا في كتاب مفتاح الأفكار، للشيخ أحمد مفتاح، وأدبيات اللغة العربية (^١). والمؤرخون الذين ترجموا لواصل يذكرون في ثبت كتبه القليلة «كتاب خطبة واصل». وأقدم من ذكرها ابن النديم المتوفي سنة ٣٨٥ في الفهرست (^٢)، ذكرها في ثبت مرويات أبي الحسن علي بن محمد المدائني. وبدهي أن المؤرخين لم يعنوا بكلمة «كتاب» تلك الصورة التي نعرفها من الضخامة، وإنما يعنون معناها اللغوي البحت، وهو المكتوب مهما يكن مقداره.
ولقد قام الأستاذ الكبير «أحمد زكى صفوت» الأستاذ بكلية دار العلوم، بعمل تأليفى ضخم، ضمّ به أشتات خطب العرب في كتابه جمهرة خطب العرب، ووقع تحت يده الكثير من أمهات كتب الأدب المخطوط منها والمطبوع، فظفر بنصوص نادرة لخطب المشارقة والمغاربة، ووقع تحت عينه كثير مما غاب عن أبصار غيره، ولكنه لم يظفر - حفظه الله - بنص هذه الخطبة إلا في كتاب مفتاح الأفكار (^٣).
وعندما قمت بتحقيق كتاب البيان والتبيين حاولت أن أعثر على هذا النص مخطوطًا، فلم أجد إلا خبرًا في «مخطوطات الموصل» للدكتور داود جلبي، إذ ورد في ص ٢٠٨ أن نسخة من هذه الخطبة محفوظة في مكتبة مدرسة النبي شيث
_________________
(١) مفتاح الأفكار ٢٧٠ - ٢٧١ طبع ١٣١٤ وأدبيات اللغة العربية ٢١٢ - ٢١٤ طبع ١٩٠٦ م.
(٢) الفهرست ١٥٢.
(٣) جمهرة خطب العرب ١: ٤٨٢ - ٤٨٤.
[ ١ / ١٢٩ ]
بالموصل، فطلبت إلى أحد العراقيين من طلبتي بكلية الآداب بجامعة فاروق حينما كنت أقوم بالتدريس فيها، أن يستنسخ لي صورة منها فلم يوفق. وعندما أو شكت أن أتم طبع نسختي من البيان والتبيين وقفت على شريط منه من مخطوطات تركيا التي اجتلبها معهد المخطوطات بالجامعة العربية، وهي نسخة مكتبة (فيض الله)، فحصلت على صورة منه، ووجدت في نهاية النسخة ورقة ملحقة، بها نص كامل لخطبة واصل، بخط كاتب النسخة، وهو محمد بن يوسف اللخمي، كتب النسخة سنة ٥٨٧ وقرأها على الإمام أبي ذر الخشني، فكان سروري بهذا النص النادر أشد من سروري بتلك النسخة العتيقة من كتاب البيان والتبيين. ولكني مع ذلك لم أقنع بهذا الظفر، فجعلت أقلب في كتاب مسالك الأبصار، وهو من أكبر الموسوعات الأدبية التاريخية الجديرة بالنشر، فوجدت نسخة من الخطبة بها قليل من التحريف، فاعتمدت على هاتين النسختين في نشر هذه التحفة، التي يضاعف من سروري أن أكون أول ناشر لها نشرا علميًا مقرونًا بدراسة أدبية تاريخية.