قال عمرو بن بحر الجاحظ: الدليل على أن [أخذ] (^١) العصا مأخوذ من أصل كريم، ومعدن شريف، اتخاذ سليمان بن داود ﵉ العصا لخطبته وموعظته، ومقاماته، وطول صلواته وتلاوته وانتصابه، فجعلها لتلك الخصال [جامعة (^٢)].
وقول الله ﷿: (فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ). والمنسأة هي العصا. وقال أبو طالب حين قام بذم الرجل (^٣) الذي ضرب أبا نبقة (^٤) (وفي نسخة أبا نيقة) واسمه علقمة (^٥)، حين تخاصما:
أمن أجل حبلٍ ذي زمامٍ ضربته … بمنسأةٍ قد جاء حبل وأحبلُ (^٦)
و(المحجنة (^٧»: العصا المعوجة. وفي الحديث المرفوع أنه ﷺ طاف بالبيت يستلم الأركان بمحجنه (^٨). وفي الحديث أن أبا بكر ﵁ أفاض من جمع وهو يخرش بعيره بمحجنه (^٩).
والعرب تقول: «لو كان في العصا سير» للمقل والضعيف. قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:
_________________
(١) التكملة من البيان ٣: ٣٠.
(٢) التكملة من البيان.
(٣) خ: «يذم الرجل».
(٤) الذي في نسخ البيان والتبيين: «الذي ضرب زميله». انظر ٣: ٣٠.
(٥) أبو نبقة، ورد اسمه في السيرة ٧٧٥ فيمن قسم لهم الرسول ﷺ في مقاسم خيبر. وترجم له ابن حجر في الإصابة ١١٣٦ في باب الكنى. والذي في الإصابة أن علقمة هو والد أبى نبقة، واسم أبى نبقة عبد اللّه بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف. وقد ورد ذكر علقمة بن المطلب بن عبد مناف في جمهرة أنساب العرب لابن حزم ٦٦.
(٦) البيت في البيان ٣: ٣٠ وليس في ديوان أبى طالب مخطوط الشنقيطي بدار الكتب. وهو مع بيتين آخرين في اللسان (نسأ). ورواية اللسان والبيان: «أمن أجل حبل لا أباك»
(٧) يقال محجن ومحجنة.
(٨) كذا في خ والبيان ٣: ٨٥ واللسان. وفي الأصل: «بمحجنة».
(٩) جمع، هي المزدلفة. وفي خ: «بمحجنة». وخرشه: ضربه بالمحجن يجتذبه إليه، وفي خ: «يحرش» بالخاء المهملة، ومعناه حك في غاربه ليمشى.
[ ١ / ٢٠٢ ]
يا لك من همَّةٍ ورأى … لو أنه في عصاك سيرُ (^١)
ربَّ قليل أجدى كثيرًا … كم مطرٍ بدؤه مطيرُ
صبرًا على الحادثات صبرًا … ما فعل الله فهو خيرُ
وتقول العرب: قد أقبل فلان و[لانت (^٢)] عصاه، إذا أصابه السواف - وهو ذهاب المال وموته - فرجع وليس معه إلا العصا، فإنه لا يفارقها إن كان معه إبل أولا. قال حميد بن ثور (^٣):
واليوم ينتزعُ العصا من ربِّها … ويلوك ثنيَ لسانهِ المنطيقُ (^٤)
قيل: كانت العرب تقاتل بالعصي، فلهذا قال الأعشى ميمون بن قيس ابن جندل:
لسنا نضارب بالعص … ي ولا نقاذف بالحجاره (^٥)
إلا بكلِّ مهندٍ … عضب من البيض الذِّكاره (^٦)
قضم المضاربِ باترٍ … يشفي النفوسَ من الحراره (^٧)
وقال جندلٌ الطهوي:
حتَّى إذا دارت عصانا تجرى (^٨) … صاحت عصيُّ من قنًا وسدرِ (^٩)
تقول العرب: «العصا من العصية والأفعى من الحية». تريد أن الأمر الكبير يحدث من الصغير (^١٠).
_________________
(١) الأبيات مما لم يرو في ديوان أبى تمام. وهي في البيان ٣: ٦٧. ورواية الأولى: • مالك من همة وعزم …
(٢) الكملة من البيان ٣: ٥٢.
(٣) خ: «حميد بن سعيد».
(٤) في البيان ٣: ٥٣ «تنتزع العصا»، وفي مجالس ثعلب ١١٩ واللسان (نطق): «والنوم ينتزع».
(٥) ديوان الأعشى ١١٥ والبيان ٣: ١٥.
(٦) الذكارة، بالكسر: جمع ذكر، والذكر من الحديد: أيبسه وأشده.
(٧) الفضم: الذي تكسر حده مما طال عليه الدهر وكثر به الضراب.
(٨) في البيان ٣: ١٥: «رحى لا تجرى»، يعنى رحى الحرب.
(٩) قال أبو منصور: القناة من الرماح: ما كان أجوف كالقصبة.
(١٠) خ: «عن الصغير».
[ ١ / ٢٠٣ ]
والعرب تسمي الصغير الرأس: رأس العصا. وكان عمر بن هبيرة (^١) صغير الرأس، فقال فيه سويد بن الحارث:
[من مبلغٌ رأسَ العصا أن بيننا … ضغائن لا تنسى وإن قدم الدهرُ
وقال آخر (^٢)]:
[من مبلغٌ رأسَ العصا أن بيننا … ضغائن لا تنسى وإن هي سلَّتِ
رضيتَ لقيسٍ بالقليل ولم تكن … أخًا راضيًا إنْ صدر نعلك زلَّت
أي لم تكن قيس ترضى لك بالقليل.
وقال أبو العتاهية في والبة بن الحباب وقومه وكانت رؤوسهم صغارا:
رؤوس عصيٍّ كن في عود أثلةٍ … لها قادحٌ يفري وآخر مخربُ (^٣)
وفي حديث زواجِ رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد (^٤) ﵂ وقد تكلم أبو طالب وذكر رغبته فيها فقال قائل منهم (^٥): «ابن أخيك الفحل لا يقرع بالعصا أنفه». وذلك أن الفحل اللئيم إذا أراد الضراب في الإبل ضربوا أنفه بالعصا.
وفي خطبة الحجاج: «والله لأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل». وذلك أن الأشجار تعصب أغصانها لتجتمع، ثم تخبط بالعصا ليسقط ورقها وهشيم العيدان لتأكله الماشية.
_________________
(١) عمر بن هبيرة بن سعد بن عدي بن فزارة، ولى العراقين ليزيد بن عبد الملك ست ستين وكان يكنى أبا المثنى. المعارف ٢٨٦.
(٢) هذه التكملة من البيان ٣: ٤١.
(٣) القادح: أكال يقع في الشجر والأسنان. انظر البيان ٣: ٤١.
(٤) الخبر يروى في زواجه من خديجة، كما في اللسان (قدع، قرع)، ويروى في زواج من أم حبيبة.
(٥) القائل في خبر خديجة هو ورقة بن نوفل أو عمرو بن أسد بن عبد العزى، كما في اللسان، وفي خبر أم حبيبة أبو سفيان بن حرب، كما في البيان ٣: ٤٤. وفي خ: «قائلهم».
[ ١ / ٢٠٤ ]
قال المؤلف أطال الله بقاءه: زرت قبر يحيى بن زكريا ﵉ بقرية يقال لها سبسطية (^١) من أعمال نابلس، فلما صليت خرجت إلى ساحة بين يدي الموضع الذي فيه القبر محوط عليها، وإذا باب مردود ففتحته ودخلت، وإذا كنيسة فيها نحو من عشرة شيوخ رؤوسهم مكشوفة كأنها القطن المندوف، وقد استقبلوا الشرق وفي صدورهم عصي في رءوسها عوارض معوجة على قدر صدر رجل، وهم معتمدون عليها، وشيخ بين يديهم يقرأ (^٢)، فرأيت منظرًا يرق له القلب، وساءني وآسفني إذ لم أر في المسلمين من هو على مثل اجتهادهم. فمضت على ذلك مدة فقال لي يومًا معين الدين أنر (^٣) ﵀ وأنا وهو نسير عند دار الطواويس: اشتهى أنزل أزور المشايخ. قلت: الأمر كذلك. فنزلنا ومشينا إلى منزل عرضي (^٤) طويل، فدخلناه وأنا أظن أن ما فيه أحد، وإذا فيه نحو من مائة سجادة وعلى كل سجادة رجل من الصوفية عليهم السكينة، والخشوع عليهم ظاهر. فسرني ما رأيت منهم، وحمدت الله ﷿، إذ رأيت في المسلمين من هو أكثر اجتهادًا من أولئك القسوس، ولم أكن قبل ذلك رأيت الصوفية في دارهم، ولا عرفت طريقهم.
ويقال «يوم أطول من ظل القناة، وأحر من دمع المقلات» قال عبد اللّه ابن الدمينة (^٥):
ويوم كظلِّ الرمح قصَّر طوله … دمُ الزّقّ عنا واصطفاق المزاهر (^٦)
_________________
(١) سبسطية كأحمدية: بلد من عمل نابلس، فيه قبر زكريا ويحيى ﵉. وضبطه ياقوت بفتح أوله وثانيه وتسكين ثالثه وكسر رابعه وتخفيف خامسه ولم يظهر في الأصل إلا «بطية»، وتصحيحه من خ.
(٢) في الأصل: «ويمتح بين أيديهم بقراء»، والصواب من خ.
(٣) كذا ورد مضبوطا؛ ويضبط أيضا بضم النون. انظر النجوم الزاهرة: ٢٨٦. وكان معين الدين وزيرا لحاكم دمشق شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري، وتوفى سنة ٥٤٤ كما في النجوم الزاهرة.
(٤) كذا في الأصل وخ. والمراد عريض.
(٥) الصواب يزيد بن الطثرية كما في الحيوان ٦: ١٧٩.
(٦) دم الزق، عنى به الخمر في حمرتها. والمزاهر: جمع مزهر، وهو العود الذي يضرب به.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ويقال رجل كالقناة، وفرس كالقناة. قال عروة بن الورد (^١):
متى ما يجيءْ يومًا إلى المال وارثي … يجدُ جمعً كفٍّ غيرِ ملأى ولا صفرِ (^٢)
يجد فرسًا مثل القناةِ وصارمًا … حساما إذا ما هزّ لم يرض بالهبر (^٣)
ويقال للرجل إذا لم يكن معه عصا: باهل؛ وناقة باهل إذا كانت بغير صرار (^٤).