[الردود]
رد أبي يحيى بن مسعدة
[ ١ / ٢٥٥ ]
الرد على ابن غرسية منشئ الرسالة المتقدمة، مما عنى بإنشائه وتأليفه الشيخ المبارك الأفضل أبو يحيى بن مسعدة نفعه الله بها وجعلها
حجَّةً له عند الحاجة إليها (*)
ومن يعصِ أطراف الزجاج فإنه … يطيع العوالي ركبتُ كلَّ لَهذَمِ (^١)
إياك أعنى أبا عامر، ولا أقول خامري أمَّ عامر (^٢)، بل أعربك جنى غرسيه (^٣)، فالتقط يا لقيط غرسية (^٤).
هيهات جئت إلى دفلى تحركها … مستطعمًا عنبًا حرَّكت فالتقط (^٥)
شربك الحميم، وشعارى لك حاميم (^٦)، فاخلع عن مقلدك البريم (^٧)، وذق إنكَ أنت العزيز الكريم.
رميت بما لو أنّ الجنّ ترمى … به لتنهبتها الإنسُ نهبا
لمن بعثت يا غثيث من هامد دجنك أوارا، وأرثت من خامد ابنك نارا (^٨).
وإن النار بالعودين تذكى … وإنّ الحرب يقدمها الكلام (^٩)
_________________
(١) (*) هذا الرد لم يرد في نسخة الذخيرة.
(٢) البيت من معلقة زهير.
(٣) أم عامر: كنية الضبع. يقال لها خامرى، أي استتري.
(٤) أعراه النخلة: أعطاه إياها يأكل رطبها. وغرسية، أي غرسى، زاد هاء السكت.
(٥) يعنى أن أباه غرسية التقطه وتبناه.
(٦) الدفلى، كذكرى: شجر مر أخضر حسن المنظر يكون في الأودية.
(٧) جاء في حديث الجهاد: «إذا بيتم فقولوا حاميم، لا ينصرون». فهي مما يستظهر به على استنزال النصر على العدو. وأنشد أبو عبيدة لشريح بن أوفى العبسي: يذكرني حاميم والرمح شاجر … فهلا تلا حاميم قبل التقدم
(٨) البريم: خيطان يكونان من لونين.
(٩) جمع ابنة بالضم، وهي العيب والوصمة.
(١٠) من أبيات مشهورة لنصر بن سيار. البيان والتبيين (١: ١٥٨) والطبري (٩: ٩٢). ويروى: «أولها الكلام».
[ ١ / ٢٥٦ ]
مثلك يا ذمّيّ العجم، وذمّىّ العجم، تعدى للأعراب مواليه بسفه، أو تصدى لمعارضة فخارها ببنت شفة؟! غرَّك أن توليتها بحكم المقاسم (^١)، وأن ظأرت أمك لها أحور من جآذر عاصم (^٢). كلا:
• فما الكرج الدنيا ولا الناس قاسم …
ما استجلاك الدويا آبقُ إن سفرت، ولا خلا لك الجو حتى بضت وصفرت، في مثل هذا المعمر، نقر واصفر (^٣)، وبهذا المحمر، يا مصفر استه حمر وصفر (^٤)، بموقف لا يعز على الأوس بن تغلب، أن تهان وتغلب (^٥).
رويدك حتى يلحق الداريون، أصحاب الجياد المكفيون (^٦)، وتالله لا تغسلك معي الحواريون (^٧)، بعد أن أتقدم لتأديبك، وأفضح في الحقين عذرة أديبك (^٨) مناقلك في الأراجيز، وناقلك إلى معرض التعجيز، شيخ الاعتزال، وصريع أهل السنة إذا تداعوا نزال، الأعمى البصر والبصيرة، وشعوبي هذه الجزيرة (^٩).
عمىٌ حذوك الغيّ أي عجيبةٍ … أعمى دليل هدى أو أخرس ينطق (^١٠)
_________________
(١) يعنى مقاسم المغانم.
(٢) عاسم: اسم ماء لكلب بأرض الشام.
(٣) أخذ فيه من رجز طرفة: يا لك من قبرة بمعمر … خلالك الجو فبيضى واصفرى ونقرى ما شئت أن تنقرى
(٤) رمى له بالأبنة. والتحمير والتصفير باستعمال الزعفران والطيب. انظر اللسان (حمر، صفر).
(٥) في الأصل: «وتغلبا».
(٦) فيه نظر إلى قول الراجز وأنشده في المقاييس واللسان (دور): لبث قليلا يلحق الداريون … ذوو الجياد البدن المكفيون وفي الأصل هنا: «وأصحاب الجباب».
(٧) الحوارى: القصار الذي يبيض الثياب، ومنه حواريو المسيح ﵇، لأنهم كانوا قصارين.
(٨) أصله من المثل: «أبى الحقين العذرة» وهي بكسر العين العذر. ومنشأ المثل أن رجلا ضاف قوما فاستسقاهم لبنا وعندهم ابن قد حقنوه في وطب، فاعتلوا عليه واعتذروا فقال: أبى الحقين العذرة! أي إن هذا الحقين يكذبكم.
(٩) لعله يعنى ابن سيده. انظر ما سبق في ص ٢٣٣.
(١٠) في الأصل: «حدوك المنى». حذاه: أعطاه ووهب له.
[ ١ / ٢٥٧ ]
لشد ما سمع بك في الأملاء (^١)، وسرك بالإجراء في الخلاء (^٢)، وأرسلك سائمًا ورتع في خلاء، كفته في معاني القرآن زحلوفاته الزل الضل، وكمته في نحوه عثراته التي يدمى منها الأظل، مما تحك في الدلى والدوى (^٣) ومطارحك السلام على ذي الروى المروى، لقد أعلك بواضحها وأبل، وأغلك من فاضحها ما أسلَّ (^٤)، ورماك يا رجيم بدائه وانسل، فتصنعت بمعار حلاه، وتنطقت بما تلاه، وتشبعت بالعار الذي تولاه، كالخصيِّ يفخر بمتاع مولاه.
كثاقبة لحلى مستعار … بأذنيها فشانهما الثقوب (^٥)
فردَّت حلىَ جارتها إليها … وقد بقيت بأذنيها ندوب
أولى لك يا زفر، يا است عيرٍ يحكه الثفر، حين نهقت، وبلسان العرب سباتك (^٦) تفقهت، فقلت:
أولئك قومي إن بنوا شيدوا البنى … وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
مالك يا وقاح، ولهذا الحي اللّقاح (^٧)، تفوّهت بكلامهم، ونفهت عن أفهامهم (^٨)، وأهللت بشعارهم، وتمثّلت بأشعارهم، وشحجت في أعيارهم، وما نارك من نارهم (^٩). هلا رتقت بفطانتك، ونطقت بعجمتك ورطانتك.
_________________
(١) التسميع: التشهير. والأملاء: جمع ملأ، وهم أشراف القوم.
(٢) نظر إلى المثل: «كل مجر في الخلاء يسر»، والمجرى: الذي يجرى دابته، فهي في الخلاء لا منافس لها.
(٣) المماتحة: مفاعلة من المتح، وهو جذب رشاء الدلو. والدلى: جمع دلو. والدوى: المفازة.
(٤) يقال: أسله اللّه فهو مسلول، شاذ على غير قياس.
(٥) لابن هرمة في الأغانى (٥: ٢٨).
(٦) السباة: جمع ساب، من السبي وهو أخذ الناس عبيدا وإماء.
(٧) حي لقاح، كسحاب: لم يدينوا للملوك ولم يملكوا ولم يصبهم في الجاهلية سباء.
(٨) نفه: أعيا وكل وضعف.
(٩) النار: السمة. وأصلها سمة الإبل، تجعل كل قبيلة لإبلها سمة خاصة.
[ ١ / ٢٥٨ ]
أظنك شاهدت لياليهم بالجمع (^١)، أو قعدت منهم مقاعد للسمع، ودانيت السرار فاسترقت (^٢)، وضمك السرار فأغدقت، وأعجزك النزع فأمرقت (^٣)، وأورقت وما أخرفت، ثم فسلت، وظننت أنك طلت، بل سفلت، وحيث وجب لك أن تسجد بلت.
وقيل يا رخمُ انطقى … في الطير إنك شر طائر (^٤)
فأنت بما هي أهله … والغي من شلل المحاور (^٥)
أما كان لك يا لئيم الجدود، ومدرئ الحدود، ولآبائك لفظٌ تحكيه، أو لذوي ولائك من العجم قبر بجلق تبكيه (^٦)، أو نحوٌ بلسانك تضعه، أو لحنٌ في شأنك تخفضه وترفعه، فقاولت العرب بلسان هامان، وناضلتها بطمطمة بيحائيل ورومان فتذرها تسبر ما خلقت، وتصبر لسبائك على لكنك لما صدقت.
فما على البدر من نبح الكلاب ولا … يومًا على البحر يرمى فيه بالحجر
هذا جزاؤها في تدريبك وتعليمك، وتصريف ألفاتها في حلقة ميمك، فلا ماء وجهك أبقيت، ولا حرح أمّك العفلاء أنقيت. ما أنبذك يا نبيذ لذمامها، وأقل شكرك على كفالتها لك وإلقاء أقلامها (^٧)، لكن أمنت سورة إقدامها
_________________
(١) جمع هي المزدلفة، وفيها يقول ابن هرمة: سلا القلب إلا من تذكر ليلة … بجمع وأخرى أسعفت بالمحصب
(٢) السرار، بالكسر: المسارة. استرقت، يريد استرقت السمع. والسرار: بالفتح جمع سرارة، وهي من الوادي: أفضل موضع فيه.
(٣) أمرق السهم إمراقا: جعله يمرق من الرمية وينفذ.
(٤) للكميت. الحيوان (٣: ٥٢٠). وأوله فيه: «إذ قيل».
(٥) كذا ورد في الأصل.
(٦) إشارة إلى قول النابغة: لئن كان للقبرين قبر بجلق … وقبر بصيداء التي عند حارب والقبران يعنى بهما صاحبي القبرين، وهما يزيد بن الحارث الأعرج، وأبوه الحارث الأعرج، والنابغة يمدح عمرو بن يزيد بن الحارث الأعرج ويمجد أباه وجده.
(٧) فيه نظر إلى تنازع الأحبار وزكريا في كفالة مريم وإلقائهم الأقلام لتحكم أيهم يكفلها.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وضمنت عن مثلك سعة أحلامها، فساجلتها بخلق أرمامها (^١)، وجاذبتها فضول كلامها. «ليس قطًا مثل قطي»، ولا الرشد من الغيّ.
يموت الفتى من عثرة بلسانه … وليس يموت المرء من عثرة الرحل (^٢)
فروغى جعار (^٣)، وبنار الإنصاف بدار.
من يهن يسهل الكلام عليه … ما لجرح بميّت إيلام (^٤)
وبعد قرع صفاك، وصفع قفاك، ننتقل إلى نقلة أديانكم، وجهلة أحباركم ورهبانكم، وإقامة أقانيمكم الثلاثة في سنودساتكم الست وهذيانكم، ثم نرسل عليكم خيل البيان شزبًا غراثا (^٥)، ونبعثها ملاحم تنسى الكلاب وملهمًا وبعاثا (^٦)، وتنقض ما غزلت أمك الورهاء بعد قوّة أنكاثا.
هما الشّظاظان فحولى حولكا … لأقطعنّ بالمرار حبلكا (^٧)
اشدد حيازيمك للمناقش، واجذذ جراميزك عن المناهش، فعلى أهلها دلت بأذاها براقش، أتظن أن تقنع منك اليمن بالأرش، أو سبأ الحاضرون برد العرش (^٨)، هذا يا ضب أشد من الحرش، نكرت يا نكير، ويا عوير، أن تتحامى الشّعرة أبؤسها بالغوير، لو حلّ رائدها أرض تبالة، لما حرم ولا تواله، ولكنّما أعرضت عنه تبالة، ورأى أكمةً فتباله، وترك الضّغث والإبّالة، وجهد أن
_________________
(١) يقال حبل أرمام، أي بال، وصف بالجمع، كأنه جعل كل جزء منه واحدا ثم جمع. وفي الأصل: «أزمامها».
(٢) البيت لجعفر بن محمد بن علي بن الحسين. العقد ٢: ٤٧٣.
(٣) جعار، كقطام: اسم للضبع. والمثل بتمامه: «روغى جعار وانظرى أين المفر». يضرب لمن يروم أن يفلت ولا يقدر على ذلك.
(٤) البيت للمتنبى في ديوانه (٢: ٣٣٨) بشرح العكبري، برواية: «يسهل الهوان».
(٥) شزب: جمع شازب، وهو الضامر. والغراث: جمع غرثان، وهو الجائع.
(٦) الملاحم: الحروب الشداد. الكلاب وملهم وبعاث: مواضع كان بها بعض أيام العرب.
(٧) المرار: الحبل الذي اجيد فتله.
(٨) في الأصل: «الحاضرين»، تحريف. وهو نظر إلى قول الأعشى: من سبأ الحاضرين مأرب إذ … يبنون من دون سيله العرما
[ ١ / ٢٦٠ ]
يلحق آله وثمالة، وقال من ابن يزيد ومن ثمالة (^١).
تيامن تجاهك تلق الكلى … منيرًا وتأمن في المسلك
إيه ليت شعري من علقك الربيح في الزمان، وهل أحاط بسقعه هدهد سليمان (^٢)؟ لعلك تعنى الموفق، ذا النجار الملفق، حاجب الظاهر، ومملوك معافر (^٣)، عجم دانية، وعرك سردانية (^٤). أين أمك (^٥)، ثكلتك أمك، وهل سوى زعنفة من زعانف الريف، وسفاسف السيف، العراة الحقوين، السراة كمسرى القين (^٦)، المعتصمين بالخيزرانة بعد الأين (^٧).
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله … ويغبط بما في بطنه وهو جائع (^٨)
متى جرى يا عبد عبدة الأوثان، مدح العجم على آسان من لسان (^٩)، أو تبعهم قائل بإحسان، عياذًا ببشر وأمية وحسان، وحقَّ للمعروف تقريضه، الموقوف على حللة بجانة قريضه (^١٠) وإن كانت أرش اليمن، فيها نودي عليكم
_________________
(١) إشارة إلى قول عبد الصمد بن المعذل في هجاء محمد بن يزيد المبرد، وهو من قبيلة ثمالة: سألنا عن ثمالة كل حي … فقال القائلون ومن ثماله فقلت محمد بن يزيد منهم … فقالوا زدتنا بهم جهاله فقال لي المبرد خل عنى … فقومى معشر فيهم نذاله
(٢) السقع، بالسين: لغة في الصقع، وهو الناحية.
(٣) معافر، بفتح الميم: حي من اليمن.
(٤) العرك: جمع عركى. وهو صياد السمك.
(٥) الأم: القصد.
(٦) سرى القين مثل في الكذب. يقولون: «إذا سمعت بسرى القين فإنه مصبح». وأصله أن القين بالبادية يتنقل في مياههم، فيقيم بالموضع أيا ما فيكسد عليه عمله، فيقول لأهل الماء: إني راحل عنكم الليلة! وإن لم يرد ذلك، ولكنه يشيعه ليستعمله من يريد استعماله.
(٧) إشارة إلى قول النابغة في صفة الفرات: يظل من خوفه الملاح معتصما … بالخيزرانة بعد الأين والنجد الأين: الفترة والإعياء. والنجد: العرق والكرب.
(٨) عرفت البحرين قديما بأن أهلها مطحولون. الحيوان ٤: ١٣٩.
(٩) الآسان: البقايا، الواحد أسن بضمتين.
(١٠) التقريض: التقريظ، وهو مدح الإنسان حيا والثناء عليه. وانظر ما سبق في ص ٢٤٦.
[ ١ / ٢٦١ ]
بأنجس الثمن، أن يزدري بفرعك المجيل، وجيلك النجيل، من النّجل والتنجيل (^١)، يا أشلاء الرّحيم البجيل، والبظر السجيل، وقد راعتكم من غسان وخولان، وصميم قيس وعيلان، الرائع النجيل، أصحاب الغرر والتحجيل، الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل (^٢)، يا تبعة المجوس، وقرعة القرن والناقوس، ألسنا بالقوس، وأنتم بالقرقوس (^٣)، عبدة التثليث، وشردة أجزاء الثالوث، لقد أبحتم السمرة للعاضد، وجئتم بما فضحت قومها غامد (^٤)، الجوهر وروح القدس وابن الإنسان إله واحد، صمّى صمام، لا بالصماخ ولا الصمام بالحرا تألفت لكم تلك الأقانيم الثلاثة في قرون من الدهر، وقد كان بين أقنومين منها بزعمكم سبعمائة شهر. لقد ضل أقنوم بين سنودسين (^٥)، واتحد أهل التكليف منكم خلال اتحاد الكلمة بالنفسين، وليتها كانت تسعة فانقرض عليها جيلكم، وانقرض من الاختلاق إنجيلكم. يا قرب ما تلفقت لكم هذه الألوهة دون تكليف، وتنزهت وحدانيتها عن التأليف بالتسويف. وعلى أنّ الجاثليق قد أتاكم في الزيادة عليها ببعض القول، ورد فرض أحكامكم المنسوخة إلى العَول (^٦). كفى ما بين الملكانية والنّسطورية (^٧) من فساد في الوضع،
_________________
(١) النجل: العيب، نجله أي عابه.
(٢) إشارة إلى قوله تعالى في صفة أصحاب الرسول الكريم: «ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه». آخر سورة الفتح.
(٣) القوس، بالضم: رأس الصومعة. والقرقوس، بالتحريك: القاع أو الوادي الأملس.
(٤) فيه إشارة إلى قول امرأة من غامد في هزيمة ربيعة بن مكدم لجمع غامد وحده: ألا هل أتاها على نأيها … بما فضحت قومها غامد تمنيتم مائتي فارس … فردكم فارس واحد انظر البيان (١: ٢٤٩).
(٥) الأقنوم: واحد الأقانيم وهي الأصول. والسنودس هو المعروف في مصر بالسنهودس. وهو المجمع الديني. انظر مروج الذهب ١: ٣١٨ - ٣١٩ والتنبيه والإشراف ١٢٢، ١٣٦.
(٦) العول: عول الفريضة في الميراث، وهو أن تزيد سهام الورثة فيدخل النقصان عليهم، كأن يكون لأحدهم الثمن فيصير له التسع.
(٧) الملكانية: فرقة منسوبة إلى «ملكا»، ومعناه الملك بالسريانية، والمراد بهم أتباع -
[ ١ / ٢٦٢ ]
واختلاف في الأناجيل الأربعة بغير إسناد ولا قطع، لهؤلاء جزء من الإله ولهؤلاء جزء، أليس هذا يا هزأة عين الفكاهة والهزء.
وحاطب جاء بعارٍ يحطب … بفيه من ذاك حجار الأثلب (^١)
ثم مالكم، ويلكم، توسعتم في الكيان، وضايقتم معبودكم بتضايف المكان، ونقلتموه من عالم العقل إلى عالم الحس، وأفردتموه من الإنسانية عن روح القدس، فنقضتم الأسلوب، وقستم الجمع المربوب، وعبدتم منه الجزء المصلوب. أبدع بهذا البدع، وأقدر بشعب (^٢) هذا الصّدع، وأقدر بالسب واللذع (^٣)، وأحقر بأمة لم تنقذ معبودها من الجذع، أتظنونه أعفاكم من طلب ثأره، وأعاذكم يوم هول المطّلع من ناره، أم تراه إذا قادكم للعرض وأوقفكم بين يديه للجزاء يأخذ بحقّه منكم ويوفّيه، أم يترك للناسوت هدرًا ثلاثة فيه.
جاءوا بعقي ثم قالوا بنّوا (^٤) … يا ويحهم أحمقوا أم جنوا
ولما أخلفكم التبطين والتحليق، وأعيا عليكم التدخين والتخليق، وخلف على دينكم الجاثليق، حليتم خشبة المسيح بعد رفعه عسجدا، وتوليتم مكانها عيدًا ومسجدًا، هلاّ نصرتموه في حياته، أو تحدّيتم بتأليف أثلته قبل وقاته.
هلا جعلتم رسول الله في سَفَط … من الألوّة أحوى ملبسا ذهبا (^٥)
_________________
(١) - مذهب قياصرة الروم، الذي يسمى أيضا المذهب الخلقيدونى، الذي أقره المجمع المعقود في خلقيدونية سنة ٤٥١ م. انظر تاريخ الأمة القبطية (الحلقة الثانية ٩١ - ٩٢). والنسطورية: أتباع نسطورس، وكان بطريركا بالقسطنطينية سنة ٤٢٨ وأتى ببعض البدع. فحكم عليه السنهودس الثالث المعقود في أفسيس سنة ٤٣١ باللعن والنفي، فسار إلى صعيد مصر فأقام ببلاد إخميم والبلينا، ومات بقرية يقال لها «سيفلح». انظر ما كتبته في حواشي الحيوان (٤: ٤٥٨).
(٢) الأثلب: التراب والحجارة.
(٣) في الأصل: «شعب». وشعب الصدع: لأمه وأصلحه.
(٤) في الأصل: «وأقرر».
(٥) العقى: أول ما يخرج من بطن الولد. وبنى بالمكان: أقام.
(٦) الألوة: ضرب من العود. والبيت في اللسان (ألا) قاله أعرابي مر بالنبي ﷺ وهو يدفن.
[ ١ / ٢٦٣ ]
ثم مهيم، يا أبا مريم، وهات الحديث عن مريم ثالثة آلهتكم، والنصب الذي توفضون إليه ببلاهتكم، أليست العذراء البتول، الحصنة أمّ الرسول، الطيّبة النّجار، الطاهرة الإزار، مالكم قذفتموها بإنكار المهد قبل قذفها بيوسف النجار.
صلامة كحمر الأبك … لا جذع فيها ولا مذك (^١)
يا غواة الهدى، وعواة الصدى، لقد خذلتكم ضلالات السرى، وخبلتكم خيالات الكرى.
أطرق كرا أطرق كرا … إنّ النّعام في القرى (^٢)
أي حذاء من أديمكم يرقع، أم أىّ حلى لنسائكم يقمقع، ألاتخاذكم الصّاحبة للرحمن، أم لرميكم بالكذب ابنة عمران، تصدقون من مشبهتكم لوقا ويحنا، وتكذبون من قال لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا. يا للعجاب، وهل أمام هذه السوأة من حجاب.
حانيّة من عانة أو بيشا … تحلق حلق النورة الجميشا
لمثل هذا استقادك السفه والعمه، وجعلت أمنا لأمكم أمة.
أسمع صوتًا ولا أرى أحدا … من ذا الشقيّ الذي أباح دمه
حاشى لإبراهيم أن يكون لكم أبًا وإن كنتم بنيه فمه، ثم مه، وهبك هاجر أمة، بخْ بخْ، أزم بعقبك الفخّ، نكاح، أم سفاح، وكم بين محظور
_________________
(١) الصلامة: القوم المستوون في السن والشجاعة والسخاء. والأبك: موضع تنسب إليه الحمر. والمذكى: المسن. والرجز لقطية بنت بشر الأعرابية، مر بها مروان بن الحكم وهي ترتجز بهذا وتنزع بدلو على إبل لها، فخطبها فتزوجها فولدت له بشر بن مروان. الأغانى (١: ١٢٩ - ١٣٠).
(٢) الكرا: لغة في الكروان، وهو طائر صغير يشبه به الذليل. والمثل يضرب للرجل الحقير إذا تكلم وغيره أولى منه بالكلام.
[ ١ / ٢٦٤ ]
ومباح. أنَّى لبضع أماتكم للحنيفية جنوح، أو في نكاح عماتكم ما أوصى به نوح، لقد ذهبتم من العار بحمّه ورمّه، والفحل السّوء يبدأ بأمّه. في الفرق بين السّرارى ولهيرات، وخبر هنّ الذائع وأبنائهن الأنبياء والخلفاء والسادة السراة، ما يرفع الالتباس، ويعرّف بمنجبات الناس. وسل عن سبط داود وسليمان، وبني عبد المطلب وخلائف (^١) بني العباس. على أن العرب لا تترجح للأمهات، ولا تتبجح بذكر الحرمات، ولا رضيت الشغار كفعلكم بالبنات، بل وأدتها للحفيظة هبرا، ووردت بها حياض الثكل صبرا، واختارت لهن جنن القبور صهرا.
• والموت أكرم نزّال على الحرم (^٢) …
وتقدّر يا قدار (^٣)، ما صيّرت لآلك في ذكر سارة (^٤) من حديث مدار.
ربة الإياة (^٥) أمكم، بل ابنة هاران عمكم، ذارية السبط، وعارية صادوف طرخان القبط، إذ غصبها (^٦)، ولولا عصمة النبوة لعصبها، فتداركها اللّه بأمّنا
_________________
(١) في الأصل: «خلاب».
(٢) من بيت لإسحاق بن خلف، في الحماسة بشرح المرزوقي ٢٨٣. وصدره: • تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا …
(٣) هو قدار بن سالف، الذي يقال له أحمر ثمود، عاقر ناقة صالح، وهو مثل في الشؤم.
(٤) سارة، ضبطت في اللسان (سقم، هجر) بتشديد الراء ضبطا بالقلم. والوجه فيها تخفيف الراء. وفي سفر التكوين ٩٧: ١٨ «وقال اللّه لإبراهيم: ساراي امرأتك لا تدعو اسمها ساراي، بل اسمها سارة». وفي الحواشى أن معنى «سارة» رئيسة. انظر الكتاب المقدس طبع الأميركانية ١٩٠٦. وفي التنبيه والإشراف ١٤٣ أن نقفور ملك الروم أنكر على الروم تسميتهم العرب «ساراقينوس» معناه عبيد سارة، طعنا منهم على هاجر وابنها إسماعيل. قال المسعودي: «والروم إلى هذا الوقت تسمى العرب: ساراقينوس».
(٥) أصل الإياة ضوء الشمس وحسنها. وكانت سارة بارعة الجمال.
(٦) في القاموس أن الطرخان اسم للرئيس الشريف، خراسانية. وفي فتح الباري (٦: ٢٢٨) أن اسم الذي حاول اغتصابها عمرو بن امرئ القيس بن سبأ، وكان على مصر! ذكره السهيلي، وهو قول ابن هشام في التيجان. وقيل اسمه «صادوق» وحكاه ابن قتيبة، وكان على الأردن. وقيل سنان بن علوان بن عبيد بن عريج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح. حكاه الطبري. وانظر قصة اغتصاب فرعون لها في سفر التكوين ١٢: ١١ - ٢٠ واغتصاب أبيمالك ملك جرار لها في ٢٠: ١ - ١٨.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ذات المناسك الخمس، ومخلصتها من ملك عين الشمس (^١)، إذ نافحت عنها بإرهاص الوحي والتنزيل، وشهدت ببراءتها عند إبراهيم الخليل، فاختارها على أمكم لوراثة أمره، وتسراها بعد ثمانين من عمره، فكانت بكر سلالته ووصي أبينا إسماعيل صلوات الله عليه حامل رسالته، وما زالت أمكم حتى نافستها في السلام، ووسمتها بثلاث لغدرها بقين سنة في الإسلام (^٢)، ولم ترض لها بيسان بيتا فرضى الله بالبيت الحرام.
لزت بها ضرة زهراء واضحة … كالشمس أحسن منها عند رائيها
فرحلت عنها أثره الفراق، طاهرة الأعراق، سائرة مع جبريل على البراق، فبحق تزهى بنو هاجر، بالتهاجر، وتلهى بالتكاثر والتفاخر، يا فاجر.
رأيت اللسان على أهله … إذا قاده الجهل ليثًا هصورًا (^٣)
وأما ما جلبت عليه يا حائن برجلك، ونكست به حذاء صدرك نصال نبلك من ذكر صواحب الرايات (^٤)، والسارين بأمثال أمك للبيات، فقد رجعت في ذلك يا شام على أدراجك (^٥)، وبحثت عن مدية لأوداجك، حلا أم عامر (^٦) عساك ناديتنا من أقرب طية، ونزعت بك إلينا عروق (^٧) من سمية. دونك هيلى بكيلك الوافي.
• واعرنزمى ميّاد للقوافى (^٨) …
_________________
(١) هي عين شمس، المدينة المصرية المعروفة، قال ياقوت: «اسم مدينة فرعون موسى».
(٢) في اللسان (هجر): «هاجر أول امرأة جرت ذيلها، وأول من ثقبت أذنيها»، وأول من خفض. قال: وذلك أن سارة غضبت عليها فخلفت أن تقطع ثلاثة أعضاء من أعضائها، فأمرها إبراهيم ﵇ أن تبر قسمها بثقب أذنيها وخفضها، فصارت سنة في النساء».
(٣) أنشده ابن قتيبة في عيون الأخبار (١: ٣٣٠) برواية: • إذا ساسه الجهل ليثا مغيرا …
(٤) انظر ما سبق في ص ٢٤٩.
(٥) الشام: المتكبر، يقال شم، أي تكبر.
(٦) تهكم بكنيته «أبو عامر» انظر ما سيأتي في ص ٢٨٠ ص ٧.
(٧) في الأصل: «عرق».
(٨) لابن ميادة، واسم الرماح بن أبرد. وميادة أمه، كان يضرب جنبيها ويقول لها: • اعرنزمى مياد للقوافى *
[ ١ / ٢٦٦ ]
سمية أخيذة من أسراكم (^١)، وسرية تصيرت إلى أبي جبر (^٢) ثم إلى الحارث ابن كلدة من هدايا كسراكم، فأزوجها الحارث مسروحًا (^٣) في حي مضاع، وبيت قعيدته لكاع، تسرح في حيال (^٤)، وببيت عقدها مصطلبًا شيخ العيال (^٥). فإن كان واثبها حليف عهد، أو سافحها أو خاتلها عن قصد، فسامحته بما سامحها. ثم صارت إلى عبيد، بغير عقد، وظنت أن في كل أوديتها بني سعد (^٦).
كعادتها فيما مضى من شبابها … كذلك تدعو كلّ مرء أرامله
أتراها من الأنثى عشر ألفًا بغين، ببلاد الأرمن، حاضرة ملككم، وسميساط (^٧) واسطة سلككم، اللائي حظر هنّ طاغيتكم عن التّزويج، وأباح
_________________
(١) يريد أنه يهجو الناس فهم يهجونه ويذكرون أمه. واعرنزم: تقبض، وفي الأصل: «وأعزمى»، صوابه في الشعراء ٧٤٧ والأغانى (٢: ٨٦). وبعده: واستسمعيهن ولا تخافي … ستجدين ابنك ذا قذاف
(٢) كانت سمية من أهل زندورد، وهي مدينة كانت قرب واسط. معجم البلدان والمعارف لابن قتيبة ١٢٥.
(٣) في الأصل: «ابن جبر»، تحريف. وفي المعارف والمعقد (٥: ٤) «أبو الخير» تحريف كذلك. وأبو جبر كان أحد ملوك اليمن، واسمه كنيته، وقيل هو أبو الجبر يزيد بن شراحيل الكندي، وقيل أبو الجبر بن عمرو الكندي. وفيه يقول ابن دريد في مقصورته المشهورة: وخامرت نفس أبى الجبر جوى … حتى حواه الحتف فيمن قد حوى انظر ابن خلكان (٢: ٢٩٤) في ترجمة يزيد بن مفرغ.
(٤) وكذا عند ابن قتيبة في المعارف، لكن بلفظ: «مسروح» بالحاء. لكن في العقد وابن خلكان أن زوجها هو «عبيد»، وهو عبد وهبه أبو الجبر للحارث بن كلدة مع سمية. وهو الصواب، فقد ورد فيما روى من خطبة لزياد بن أبيه: «فأما عبيد فإنما هو والد مبرور، أو ربيب مشكور». انظر العقد (٦: ١٣٢) ومروج الذهب (٣: ١٦. وما ذكر هنا يجمع بين الروايتين.
(٥) نوق حيال وحول: لم تحمل.
(٦) يقال صلب العظام واصطلبها: جمعها وطبخها واستخرج ودكها ليؤتدم به. قال الكميت: واحتل برك الشتاء منزله … وبات شيخ العيال يصطلب
(٧) إشارة إلى المثل: «في كل واد بنو سعد».
(٨) في الأصل: «سيماط»، تحريف. وسميساط: مدينة على شاطئ الفرات في طرف بلاد الروم على غربى العراق، ولها قلعة في شق منها يسكنها الأرمن. معجم البلدان.
[ ١ / ٢٦٧ ]
فروجهن لغراميل العلوج، بوظيفة دينارين ونصف دينار في السنة على كل واحدة وقفها على مأكله ومشربه، وجعلها سنة باقية في عقبه.
فلولا الريح أسمع من بنجد … صليل البيض تقرع بالذكور (^١)
فيا لها نعمة، أضاعت طعمة، وغنم إفادة، جلبتها قيادة، وزكاء خراج، يمخض زبده إدخال وإخراج، ويملأ في كل فيقة عسَّ أبي سواج (^٢)، أتحيط، يا بليط، بهذه الروايات حسبانًا، أو تحصل لها بظورًا أو جوفانا. لقد نبهت بهذا السماع هاما، وقلقلت للقراع بها يلملما وشمامًا. أظنك هذا اعتمدت، أو جمعت قافات الكندي (^٣) وأنشدت:
شرف ينطح النجوم بروقي … هِـ وعزٌ يقلقل الأجبالا (^٤)
فهلا يا جاهل، وشر مباهل، سقت البيت الثاني بعده والثالث (^٥)، وضفتهما بشرف قومك على إيقاع المثاني والمثالث، أأردت يا ضبع أن تخلع فخارها التغلبي، وتكسوه مغلوبه الدمستق (^٦) المسبي، إذ أذاقه سيف الدولة بأسًا ونكالًا، وغطى منه ببنية الحدث جبينا وقذالا (^٧).
_________________
(١) البيت لمهلهل. والرواية المعروفة: «أهل حجر». وانظر حواشي البيان (١: ١٢٤).
(٢) أبو سواج: رجل من ضبة كان قد جاور في بنى يربوع فخانوه في أهله، فاحتال لمن خانه - وهو صرد بن حمزة اليربوعي - بأن سقاه ماء رجلين تداولا مباضعة إحدى الإماء، فعير بنو يربوع بذلك. انظر شروح سقط الزند ١٧٨٥ - ١٧٨٨.
(٣) يعنى المتنبي، وهو أحمد بن الحسين الجعفي الكندي الكوفي.
(٤) من قصيدة له في مدح سيف الدولة. الديوان (٢: ١٠٤) بشرح العكبري. وانظر ما سيق في ص ٢٥١.
(٥) هو قوله: حال أعدائنا عظيم وسيف ال … دولة ابن السيوف أعظم حالا كلما أعجلوا النذير مسيرا … أعجلته جياده الإعجالا
(٦) الدمستق: ملك الروم، وفي الأصل: «الدمستقى».
(٧) يعنى ببنية الحدث قلعتها. والخدث: مدينة بين ملطية وسميساط.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وحماها بكل مطرد الأك … عاب جور الزمان والأوجالا (^١)
ألم يأن لك أن ترجع في الروايات إلى ربيك، وتأخذ هذه المنحة من ربّيّك (^٢)، وتستردونها من عواري، وتغطي هذه الفضيحة بأطماري، فاربع لاربعت، ولا طرت مع النوكي ولا وقعت.
وقد بزمان بظر أمك واحتفر … بأير أبيك الفسل كراث عاسم (^٣)
وأما عوسك بالأيغال (^٤)، ونوسك في خبر أبي رغال (^٥)، فناهيك من ثقفي مثاقف، وناحت أثلة عدوه ناقف، ضمه القسر، وضامه الأسر، فساق (^٦) لأعدائه الأعراض والوسوم، ووصف لهم الأطلال والرسوم، حتى بلغ حتفه أبا يكسوم، فأقره بالمغمس بعد صياله، وأنزله عن محمود غير محمود لاستئصاله (^٧)، وأسلمه للصلدم الصالم، فهل هو في ذا يا لهمدان ظالم (^٨)؟
وعلى أن العرب لم تعذر إليه في استكانته للأعادي، ودلالته للتخلص بفيل المعادى، ورجمت قبره كما رجمت قبر العبادي (^٩).
_________________
(١) في الأصل: «والآجالا»، صوابه من الديوان.
(٢) الربى: الحبر العالم. والربى أيضا: الجماعة الكثيرة.
(٣) للطرماح بن جهم السنبسى، كما في الحماسة بشرح المرزوقي ١٤٨٧.
(٤) في الأصل: «غوسك»، تحريف. والعوس، بالمهملة: الطوف بالليل، وهو أيضا الوصف.
(٥) أبو رغال: رجل من ثقيف، وهو الذي دل أبرهة أبا يكسوم على الطريق إلى مكة، وخرج معه حتى أنزله «المغمس»، فلما أنزله به مات أبو رغال هناك فرجمت قبره العرب. السيرة ٣٢ جوتنجن.
(٦) في الأصل: «فساب».
(٧) محمود: اسم الفيل الذي وجه إلى الكعبة.
(٨) إشارة إلى قول عمرو بن براقة الهمداني، في الأمالي (٢: ١٢٢): وكنت إذا قومٌ غزوني غزوتهم … فهل أنا في ذا يال همدان ظالم
(٩) في الأصل: «العيادى»، تحريف. وفي مروج الذهب (٢: ٧٩): «وفي طريق العراق إلى مكة - وذلك بين الثعلبية والهبير نحو البطان - موضع يعرف بقبر العبادي ترجمه المارة إلى هذه الغاية كما ترجم قبر أبى رغال».
[ ١ / ٢٦٩ ]
ها إنها عذرة إلا تكن نفعت … فإن صاحبها مشارك النّكد (^١)
وتعرف، يا مقرف، إذ أخسرت بشأننا، وسخرت لانتصاف قصيٍّ من أبي غبشاننا، والأصح في الآثار، عن نقلة الأخبار، أنَّ أبا غبشان ما أضاع البيت ولا باعه، وأن عبد منافٍ وأخاه رزاحًا غلبا عليه خزاعة (^٢)، وانتزعاه منه عنوة ورأى الله انتزاعه، وإن صح البيع في مفرد الإسناد، وانتسب إلى أهل الجدل والعناد، فخزاعة لم تعرق في السدانة، ولا كان لها طوق بحمل تلك الأمانة، فرزحت بحملها، وضحت عن ظلها، وأسلم أبو غبشان مفاتح الكعبة لأهلها، ورثة الدعوة الإسماعيلية، وخالصة الملة الإبراهيمية، قرعة ولد إسماعيل في قصيٍّ وعبد مناف، والعترة الهاشمية أولى الرحلتين والإيلاف.
الخالطين فقيرهم بغنيهم … والظاعنين لرحلة الأضياف (^٣)
أربح بها صفقة قمر، وولاية أمر وذمر، وشراء أم رحمٍ بزقِّ خمر (^٤).
شرت القلوب رخيصة أعلاقه … ومضى يعضّ بنانه المغبون
أين فعل هذا، من حواريكم يهوذا، الذي هو عندكم أفضل من موسى بكر التنزيل، وخير من نوح وسرافيل (^٥) والخليل، إذ سام بإلهكم عيسى على دعواكم سوم العبيد، وباعه بثلاثين درهمًا من اليهود، فجللوه الخبط، وسقوه الخل وأفرشوه السبط (^٦)، ثم جنبوه وسحبوه وصلبوه، قلتم - وقال الله تعالى:
وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ. وما فتئتم بعد تولون يهوذا التّعزير والتبجيل، وتأخذون
_________________
(١) للنابغة الذبياني في ديوانه ٢٧.
(٢) انظر ما سبق في حواشي ص ٢٥٢.
(٣) لمطرود بن كعب الخزاعي في السيرة ١١٤ جوتنجن. وروايته فيها: المنعمين إذا النجوم تغيرت … والظاعنين لرحلة الإيلاف
(٤) أم رحم: اسم من أسماء مكة.
(٥) كذا. ولعله «إسرافيل»، وهو الملك الموكل بالنفخ في الصور.
(٦) السبط: ضرب من النبت. وانظر إنجيل متى ٢٧: ٣٣ - ٣٤ ومرقس ١٥: ٢٦ ولوقا ٢٣: ٣٦ ويوحنا ١٩: ٢٨ - ٣٠.
[ ١ / ٢٧٠ ]
عنه مختلفات الإنجيل، وتسجدون له ولصاحبيه مرقش (^١) ومتى، وتزعمون أنهم يمشون على الماء ويحيون الموتى. شاهت تلكم الوجوه، ولا عدم اللطيم منها والمنجوه (^٢).
إذا لم تخش عاقبة الليالي … ولم تستحي فافعل ما تشاء
ذلك كله والنبوة غضة بمائها، وعصا المسيح بقرفها ولحائها، والوحي من ورائها والملك على أرجائها، والعهد جديد، والحلقة حديد. لكنهم:
نزعوا بسهم قطيعة تهفو به … ريش العقوق فسار غير سديد
فأين بناة الصروح ونماة السروح، بل عصمة السفوح، ولعقة الدم المسفوح، متى ملكوا الأرضين، أو أعطوا من جزيرة العرب ما رضين (^٣)، أبعد أن استباحتهم الحبشان، وضربت عليهم الجزية وكانت أول خراج بالزمان. فما زلتم تشغلونهم من أبنائكم بالأماثيل، ويعملون لهم ما يشاءون من محاريب وتماثيل، حتى أخدموكم بيوت النيران، وقدموكم للحرث مع الثيران، فما أنف ذو جاهكم ولا أنقر، ولا أحلى ولا أمقر (^٤)، كذلك الكلاب على البقر (^٥). أهذه النجد البهم، لا رعاة شياه ولا بهم (^٦). ومن لرعى الشّويهات يا كشاجم (^٧)، غير العسفاء والأعاجم، سواس الخنازير، وحرّس
_________________
(١) كذا بالشين المعجمة، وهو مرقس، ويسميه المسعودي «مارقس».
(٢) نجهه: استقبله بما يكره، وزجره وردعه.
(٣) سبق مثل هذا التعبير في ص ٢٤٩.
(٤) أنقر: كف وأقلع. وأمقر: كان مرا. وفي الأصل: «امغر»، تحريف.
(٥) هو مثل، يقال بالرفع والنصب، أي أرسلها على بقر الوحش. ومعناه خل مرأ وصناعته.
(٦) انظر ما سبق في ص ٢٤٧.
(٧) كشاجم: لقب لشاعر معروف، واسمه محمود بن الحسين. توفى سنة ٣٥٠ أو ٣٦٠. الفهرست ٢٠٠، وسير النبلاء القسم الثاني من الجزء ١٠ ص ٢١٨، وحسن المحاضرة ١: ٢٦٨ وشذرات الذهب ٣: ٣٧ قالوا: سمى بذلك لأنه كان كاتبا شاعرا جوادا منجما، ثم مهر في الطب فقيل «طكشاجم».
[ ١ / ٢٧١ ]
المجازير، ندحة الأكر (^١)، ولقحة الشجر لا العكر، ما حاكوا - قلت - برودا، ولا ساسوا قرودًا، ولا لاكوا عرودا. لقد أو ضحت لو وافقت، ووصفت لو أنصفت، قل لي فمن رقم البرود بنيسابور، وغرس زيتون العراق لسابور إذ غل أيمانكم، وكسر صلبانكم، وقسر على الغلمة لشفاء الغلمة ولدانكم، تعبدهم وعبدهم، وسوّرهم وخلّدهم (^٢)، وطوّقهم وقرطقهم (^٣)؛ وماشهم وطرقهم (^٤). وبمد ذلك أخذ في جذكم ونقلكم، وزنق فقحة هرقلكم، فصارت في ملوككم مثلة، ولهذا لم تزنق بعد في أرضكم بغلة، إما لتحرّج من الأعذاء (^٥)، أو تعرج عن شماتة الأعداء، يفعل هذا بالذليل يا بني الصيداء (^٦)! ترى، يا فقع وادي القرى، حضر هناك لسلفكم حوك برود، ورشف برود، ولوك عرود. رزها، يا مزهي، بمدامنة فهود، كما زعمت وسياسة قرود، وتذكر حال أيتامك، وقدر على هذا الإصبع سعة خيتامك.
ولا تغضبن من سيرة أنت سرتها … وأول راضٍ سيرة من يسيرها (^٧)
_________________
(١) يقال ندحت الشئ ندحا، إذا وسعته. والأكر: جمع أكرة، وهي الحفرة في الأرض.
(٢) خلدهم: حلاهم بالخلد - بكسر ففتح - وهي الأقراط.
(٣) القرطق، بضم القاف وفتح الطاء: القباء. معرب «كرته».
(٤) أصل الميش خلط الصوف بالشعر، والطرق: ضرب الصوف والشعر بالقضيب لينتفشا. قال: عاذل قد أولعت بالترقيش … إلى سرا فاطرقى وميشى
(٥) الأعذاء: جمع عذى، وهو الزرع لا يسقى إلا من ماء المطر. ولعلها «الإعداء».
(٦) إشارة إلى قول زيد الخيل، وكان بنو الصيداء - وهم من بنى أسد - قد أخذوا فرسه: يا بنى الصيداء ردوا فرسى … إنما يفعل هذا بالذليل الأمالي (١: ١٢) والأغانى (١٦: ٤٧) والعقد (٣: ٣٤١).
(٧) لخالد بن زهير الهذلي. الشعراء ٦٣٧ وديوان الهذليين (١: ١٥٧).
[ ١ / ٢٧٢ ]
وما ذكرت من إتاوة غسان، لسليح يا خطل اللسان (^١)، فتلك سارية من خلال الأزد، وفلال عرم السد، رازوا لقومهم البلاد فضلّوا، وفقدوا ملأهم فقلوا، فما عداهم، أن داهنوا عداهم، حتى استقلوا، وأمروا ففلّوا. ولمّا تدارك غابرهم، ودعا دراك حارثهم وعامرهم، قصروا خطاهم، وقصروا مطاهم، وأعطاهم جذع من سيفه ما أعطاهم (^٢)، ثم جعل قومه بعد يضربونهم في الأعراض والرواجب، ويناوبونهم بين الصفرية والرواجب (^٣)، حتى استرهنوا منهم قوس حاجب (^٤)، رغبةً في خفرهم، وإجارة سفرهم، وتجهيز لطائمهم، وتجويز خطائمهم (^٥)، وجعلت ملوككم تخوّلنا بالجائل والوضائع، وتنحلنا ضروب الوشى والقطائع.
وإساءات ذي الإساءة يذكر … نك يومًا إحسان ذي الإحسان
هذه أقيالكم الأكاسرة، وأجيالكم القياصرة، لاها الله (^٦) إلا الفيوج المتقاصرة، وعلوج بخت نصّر وناصرة (^٧)، عاملو المهن، وحاملوا الأهن (^٨)، وباذلوا
_________________
(١) سليح، بالحاء المهملة، هم بنو سليح بن حلوان: بطن من قضاعة. وفي الأصل: «لسليخ»، تحريف. وكانت غسان تؤدى إلى ملوك سليح دينارين كل سنة عن كل رجل. العقد (١٢٢٣).
(٢) جذع، هو جذع بن عمرو الغساني، وكان سبطة بن المنذر السليحى يلي ضرائب غسان، فلما طالب جذعا بالدينارين دخل جذع منزله واشتمل على سيفه ثم خرج فضربه به وقال: «خذ من جذع ما أعطاك»، فامتنعت غسان من الدينارين بعد ذلك.
(٣) الرواجب الأولى: جمع راجبة وهي مفاصل أصول الأصابع. والثانية أراد بها الغزوات التي في شهور رجب.
(٤) هو حاجب بن زرارة التميمي. انظر قصة قوسه في ثمار القلوب ٥٠١ والعقد (٢: ٢٠).
(٥) جمع خطيمة، يقال خطم الناقة: وضع على أنفها الخطام. وفي الأصل: «حطائمهم».
(٦) ها اللّه، بمعنى واللّه، وها التنبيه قد يقسم بها.
(٧) ناصرة: قرية بينها وبين طبرية ثلاثة عشر ميلا.
(٨) الأهن: جمع إهان، وهو العرجون.
[ ١ / ٢٧٣ ]
الكين، والهن، يا طغام الأحلام، وحمال أوتار الحلام (^١). ألهذه الخلال، واستقراء الأحوال بهذا الاستدلال، نحن أرقاؤكم وحفدتكم، وعتقاؤكم وعبدتكم؟ لو ساترة شوار كلمتني، أو ذات سوار لطمتنى! ألم تدريا أحثر (^٢)، يا مجتني الحثر (^٢) أن جدنا يعرب هو لذي أرقاكم ورفعكم، وصفع بالبجّ من صفعكم، ورسمكم بسواد جلدته وسفعكم، وأجلاهم عنكم إلى ريف عمان وماسان، وأطراف خراسان، فلما غمطتم نعمته، وأمطتم إمته (^٣)، عادكم من عيده، وسابقة وعيده، ذو نواس (^٤) فناسكم وداسكم، وخرب نواويسكم، وبهر أنفاسكم، وجذَّكم عن ماء المعمودية (^٥)، وردكم إلى دين اليهوديّة، فمن أي دين تحسبون، أو إلى أي رحم تنسبون، أإلى الأفياء السورية، أو إلى الأغبياء النسطورية (^٦)، والأدعياء الصفورية (^٧)، نسب موضوع بين العفار والعفر، ومنتسب مقطوع في رومة ونهر الصفر.
فخالف فلا والله تهبط تلعة … من الأرض إلا أنت للذّلّ عارف
_________________
(١) الحلام: القتيل الذي ذهب دمه باطلا. قال مهلهل: كل قتيل في كليب حلام … حتى ينال القتل آل همام
(٢) الأحثر: المنسلق العين. والحثر: العنب وهو حامض صلب لم يشكل ولم يتموه. في الأصل: «أخثر» و«الخثر»، تحريف.
(٣) الإمة، بالكسر: النعمة.
(٤) أحد أذواء اليمن. وكان أهل نجران على النصرانية، فسار إليهم ذو نواس فدعاهم إلى اليهودية وخيرهم بين ذلك والقتل، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود وضرم فيه النيران فحرق من حرق، وقتل بالسيف حتى أسرف في ذلك. وفي ذلك قول اللّه تعالى: «قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ. النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ». السيرة ٢٢ - ٢٥.
(٥) في الأصل: «العمودية»، تحريف. والمعمودية بتخفيف الياء، وتقال بتشديدها: ماء للنصارى يغمسون فيه ولدهم للتطهير. وفي تاج العروس أنه معرب من «معموذيت» ومعناها الطهارة.
(٦) انظر ما سبق في حواشي ٢٦٢ - ٢٦٣.
(٧) نسبة إلى صفورية: بلد بالأردن.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وما لكم، والذي كثّر آلكم، وأنتم أعجز الأمم بعولا، وأجفرها فحولا، وأثقلها ظهرًا مرحولا، ومنكم الأسقف والنطران، والبطرك والمطران (^١)، وفيكم الجب والخصاء، والعدّ في وذعة المساس والإحصاء (^٢)، إلى أفراد رئيسكم ورهبانية شماسكم وقسيسكم، وأنتم مع ذلك أكثر أهل الكتاب عددًا، وابق نسائهم ولدًا (^٣)، ما ذاك إلا أن ضربت فيكم الأكراد والأنباط، والحبشة والأقباط، فمنكم الصّفر والسّمر، والغثر البرش الحمر، يظّاهرون بمقرفيهم لا منجبيهم، والأم تضحك منهم لعلمها بأبيهم:
ألا أنها تسرى إذا نام أهلها … فتأتي بشئ ليس في الظن يخطر
وما فخرت به يا حمار، يا ميراث أنمار، من حملة الأسترلوميقي، والعلم بالأرتماطيقي والألوطيقي (^٤)، كفخر الأمة بحدج ربتها. ذلك لمستنبطي يونان وساسان، وكينية بابل وكلذان وكاسان، أصحاب العلوم الأرضية، والتعاليم الرياضية، من الطبقة الفيثاغورية، والفلاسفة الهرمسية. معالم عفّت ملوككم آثارها، وطمست أنوارها، بغواية قسطنطينكم، وغباوة المفلق لدينكم، ابن الهلانية (^٥)، وقيم الملة الطبانية:
حبوت النصارى بها معلنًا … لها غير كاتم أسرارها
ولم أدر أنك من قبلها … تحب السّياط بأثمارها (^٦)
_________________
(١) البطرك والبطريرك، هو بالرومية «بطريركس» تفسيره رئيس الآباء، فخفف. التنبيه والإشراف ١٢٣.
(٢) المراد بالمساس المباضعة. ويقال وذع الماء يذع، إذا سال.
(٣) بقت المرأة: كثر ولدها.
(٤) انظر ما سبق في ص ٢٥١.
(٥) يعنى قسطنطين بن هيلانى. قال المسعودي: «وهو أظهر دين النصرانية وحارب عليها حتى قلت وانتشرت في البلاد». التنبيه والإشراف ١١٩. وانظر الفصل (٢: ٧٣).
(٦) ثمرة السوط: عقدة طرفه. وذكر الثعالبي في الكنايات ١٨ أن ثمرة السوط يكنى بها عن القلفة. وأنشد لدعبل: إلى عليجين لم تقطع ثمارهما … قد طال ما سجدا للشمس والنار أراد: أنهما لم يختنا. وانظر للكلام على هذه الكناية النادرة حواشي البيان (٣:
(٧) ٢٢٩).
[ ١ / ٢٧٥ ]
اللهم ناقلة فيكم من فارس (^١)، وخدمة تلك المدارس، لقّنوا من آثار اللحون طريقة، وحكوها تقليدًا لا حقيقة، يندبون بها في نوحكم، ويقصفون عليها في سعانينكم وفصحكم، فما أنتم وذا، لا قذّيت (^٢) أعينكم من قذى، إن قلت: لكم بوطيقي لا موسيقى، وأرضرثيقى لاجو مطريقي (^٣)، وصفت قومك، وعرفت سومك:
إياك يعنى القائلون بقولهم … إن الشقي بكل حبل يخنق
وأما قيلك يا سفساف، من العرب في نائلة وإساف، فتانك صخرتان نصبتا كاللات، وثالثتهما مناة، وجدوها على زمزم مواثل جلفا (^٤)، وطافوا بها ظنًا أن تقربهم إلى الله زلفى. فإن صح الخبر ووضح الأثر، بمسخهما عبرة لمقارفة العبث، وموافقة الفسوق في حرم الله والرفث، فزيادة في الإنذار، وأخذ في تعظيم شعائر الله بالإعذار. أين هذا المعتقد يا بني الاستاه، الأجلاه، من جمود السماء عندكم سبعمائة سنة أن محت لكم اسم ابن اللّه، وأن يحنّا المغيث المنزل المطر (^٥)، الآتي من أفسس (^٦) في الكلمة والجلاد بالبهت المستطر (^٧)، مسجى في بيعته الآن، من ذلك الأوان، عبيط الدم، غض الأدم، مشيرًا باليد والقدم:
يحج مأمومة في قعرها لجف … فاست الطبيب قذاها كالمغاريد (^٨)
_________________
(١) اللهم، كلمة تستعمل في الاستثناء بمعنى إلا. انظر شفاء الغليل ٢٠.
(٢) قذى عينه تقذية: أخرج منها القذى.
(٣) انظر ما سبق في ص ٢٥١.
(٤) جلفا، لعلها «جنفا» جمع أجنف، وهو الضخم، أو المنحنى الظهر.
(٥) في الأصل: «المعنت لمنزل المطر».
(٦) في الأصل: «أسيس» تحريف.
(٧) المستطر: المكتوب. وفي الكتاب: «وكل صغير وكبير مستطر».
(٨) البيت لعذار بن درة الطائي، كما في اللسان (حجج). يحج: يصلح. والمأمومة: الشجة بلغت أم الرأس. وفي الأصل: «مأمونة»، صوابه في المقاييس (حجج) واللسان (حجج، لجف، غرد) والحيوان (٣: ٤٢٥).
[ ١ / ٢٧٦ ]
وأنسيت يا هامان، ما وعوعت به وجعجعت في قبر كسرى والنعمان:
يا مدعى سوران منزل جده … قل لي لمن أهناس والفيوم (^١)
أحرار الفرس كفاؤنا، وأعداؤنا أكفاؤنا، نجتلد ونحتطم، وكما قال أخو لقمان: «ألطمك إذا لم أجد من ألطم». فما للروم والخرس، أولى الأراكنة الملس (^٢)، والأعاريب الحمس. «حن قدحٌ ليس منها». ومع هذا فقد أنبأتك الأمم الخوالي، والرمم البوالي، أن العرب لا تنكح العجم ولا الموالى، لذاك أحب أبرويز أن يصمها بهناته، وأراد من أبي قابوس أن ينكحه إحدى أخواته، ويستولي على حرمه وحرماته، فرغب عن صهره، على عظيم أمره، وطوى الحديث معه على غره، وأغراه في قومه بالسواد. وأحاله على بقر السواد، فكان في حق الإباء، وكرم الآباء، ألا بلوى إليه صفحًا، ويضرب عنه الذكر صفحًا، وينأى بكسرويته، ويشمخ بقوميته، ولا يرجع لغدره وكيده، ويتزيده خدعة وقد نصب لصيده:
ذئب فلاة كيده دارع … صادف ليثا كيده حاسر
والذي دلّ على فسالته، وخفة نسالته (^٣)، رأيه العاجز بعد موته، في حرائبه ونزله (^٤) وتهافته على أخذ ماله وأهله، فحماها عنه ذؤبان العرب وحمسها،
_________________
(١) سوران، لعلها «سوذان» أو «سوراب» وهما من بلاد الفرس. وأهناس: قرية قريبة من الفسطاط، ذكر بعضهم أن المسيح ﵇ ولد بها. ياقوت.
(٢) في القاموس (ركن): «والأركون، بالضم: الدهقان العظيم». ومثله في اللسان. وفي معجم استينجاس ٣٨ أن الأركون هو الرئيس أو الحاكم. والكلمة يونانية الأصل دخلت في الفارسية والعربية.
(٣) النسالة، بالضم: ما سقط الريش.
(٤) الحرائب: جمع حريبة، وهو المال المسلوب. وفي الأصل: «حراتبه».
[ ١ / ٢٧٧ ]
شيبانها ومازنها وأوسها، وصدوه عن حوزته إلى الأطرار (^١)، واتبعوه بحرب ذي قار، ثم أزالوه عن ملك ظفار (^٢):
إذ جنبنا خيلنا من ظفار … ثم سرنا بها مسيرًا بعيدًا (^٣)
فاستبحنا بالخيل ملك قباذ … وابن أفلوذ جاءنا مصفودا (^٤)
فهذا أبرويزكم، لا أبان تمييزكم، الذي بذكره تبجحت، وعذره رجحت، هو الذي دوخ أريافكم، ووطئ أكنافكم (^٥)، وأورثنا ورثته بالمدائن أسيافكم، وحطكم من الحزوم، وأقصاكم إلى أبعد التخوم، وبه نزلت في قصتكم: ألم غُلِبَتِ الرُّومُ، فأخذنا للخئولة فيكم بثأرها، ونضحنا بالحمية من عارها (^٦)، وتداعينا بمضر الحمراء ونزارها، يا للهمم الحميرية، والعصائب اليمنية والمضرية، من أبناء ذي مراثد (^٧) والصباح، وجذيمة الوضاح، وأبرهة ذي المنار، وعمرو ذي الأذعار، وناشر النعم (^٨) والرائش، وسلمة ذي فائش،
_________________
(١) الأطرار: الأطراف، جمع طر بالضم.
(٢) ظفار: مدينة باليمن قرب صنعاء. وفي الأصل: «ذفار» في هذا الموضع والبيت بعده، تحريف.
(٣) من قصيدة منسوبة إلى تبع في أخبار عبيد بن شرية ٤٥٨. وروايته: وسلى عن مسيرنا من ظفار … بجموع نؤم غورا بعيدا
(٤) في أخبار عبيد ٤٥٩: واستبحنا جميع ملك قباذ … وجبيناه صاغرا مصفودا
(٥) الأكناف: النواحي. وفي الأصل: «أكتافكم»، تحريف.
(٦) النضح: الذب والدفع. وفي الأصل: «نصحنا»، تحريف.
(٧) في الأصل: «من ذي أبناء مرائد»، تحريف. وذو مرائد، هو الرائش الأصغر. واسمه الحارث بن الهمال ذي شدد، أحد ملوك اليمن. التيجان ٧٨ - ٧٩.
(٨) انظر مروج الذهب (٢: ٧٦) والتيجان ٢١٩ وأخبار عبيد بن شرية ٤٢٥ حيث ذكر في الأخير علة تسميته.
[ ١ / ٢٧٨ ]
والهدهاد، وابن عباد، والحارث بن شداد، والفياض (^١) والضحاك (^٢) والبراض (^٣)، والحارث بن مضاض:
هو المشهد الفضل الذي ما نجا به … لكسرى بن كسرى لا سنام ولا غرب
فما هو إلا أن وضح التمييز، ورجح التبريز، وقيل هذا درفش (^٤) راية أبرويز، فللحين قوضنا بنيانه، وحللنا سندانه، ونزلنا إيوانه، وأخمدنا نيرانه.
ولم أر أمثال الرجال تهافتوا … على المجد حتى عد ألف بواحد
ولله أيام بالقادسية واليرموك، وعتاة منهم مواليك وأبوك وحموك، يا هبيد البيد، وعبيد العبيد:
لو كنت من نخبة الموالي إذًا … لم تنث سوءًا في نخبة العرب
إذ جئتمونا أعقاد الرمل، وأعداد النمل، قد اعتقدوا، واحتدموا واحتقدوا، فمن دمائهم ما خاضوا ولصلائهم ما أوقدوا، وعندما تنادوا: يا أساورة تأهبي (^٥)، وقلنا: يا خيل الله اركبي:
بضربٍ ترقص الأحشاء منه … وتبطل مهجة البطل النجيد
_________________
(١) هو عبد اللّه بن جدعان. انظر خبره في الاشتقاق ٨٨ - ٨٩ والحيوان (٢: ٢٠٢).
(٢) الضحاك: أحد ملوك الفرس، وهو المسمى البيوراسب. وفي التنبيه والإشراف ٧٦ أن اليمانية من العرب تدعى الضحاك وتزعم أنه من الأزد». وفي جمهرة الأنساب لابن حزم ٨: «والضحاك بن معد هو الذي أغار على بني إسرائيل في أربعين فارسا من تهامة».
(٣) هو البراض بن قيس بن رافع الضمري، وهو الذي قتل عروة الرحال بن جعفر ابن كلاب. الحيوان (١: ١٦٦) والتنبيه والإشراف ١٧٨.
(٤) في معجم استينجاس ٥١٣ أن «درفشى كاوان» اسم راية فريدون. وفي التنبيه والإشراف ٧٥ - ٧٦ أن رجلا إسكافيا من الفرس يسمى «كأبى» رفع راية من جلود، ودعا إلى خلع الضحاك وتمليك أفريذون، فلما تم الأمر تيمن القوم بتلك الراية فسميت «درفش كابيان» إضافة إلى كأبى صاحبها. قال المسعودي: «والدرفش بالفارسية الأولى الراية، وبهذه الفارسية إشفى الخرز. وحليت بالذهب وأنواع الجواهر الثمينة وكانت لا تظهر إلا في حروب عظيمة، تنشر على رأس الملك أو ولى عهده أو من يقوم مقامه».
(٥) في الأصل: «تاهبين».
[ ١ / ٢٧٩ ]
قسمناهم فشطرٌ في العوالي … وشطرٌ في لظى حرّ الوقود
فما أغنى عنكم في تلك المشاهد أنوشروانكم وقباذكم، ويزدجردكم وشهرياركم، وشهبوركم وخرّذاذكم، ونسطوركم ويعقوبكم، ونسطسكم وبروسسكم (^١):
غدت غيرانهم لهم قبورا … كفت فيهم مئونات اللحود
أهؤلاء القيول، كما ذكرت على خيول، كأنّها فيول، بل الخبل الفيول إذا لاذت الخيل بالكيّول (^٢)، وألّا سألتك يا أم عامر (^٣) بحرمة الصليب، وجرى المذكيات في طلبكم واليعاقيب، أية خيول لأسلافك، أم أي حلبة شاهدتها لأقيالك وأردافك. متى عرف ذووك لها اسمها، أو حكوا عنها شية أو وسما. لعلها تقدمت من جنائبكم في السوابق، أو لحقت من مقانبكم بآل الوجيه وأعوج ولا حق، أو راهنت بها الذائد والسكب، وقرزل (^٤) واليحموم والبطين وزاد الركب، أو داحس والغبراء، أو الحنفاء والشقراء. أم هل من براذنكم المجلِّى والمصلِّى، والعاطف والعاقب والمتلي (^٥):
عنها الحديث إذا ما حاولوا سمرا … والرزق منها إذا حلوا أماريتا (^٦)
لسكم الكودن واللطيم، والسكيت الأخنس والفسكل الخطيم:
تبكي عليهن البطارق في الدجى … وهن لدينا ملقيات كواسد
_________________
(١) كذا. ولعلها «وأريوسكم» وأريوس كان قسيسا بالإسكندرية كان في زمن قسطنطين الأول، وكان قسطنطين هذا على مذهب أريوس. الفصل (١: ٤٨).
(٢) الفيول الثانية: جمع فيل، والفيل: الثقيل الخسيس. الكيول: آخر الصفوف في الحرب.
(٣) تهكم به وبكنيته أبى عامر، فجعله «أم عامر» وانظر ما مضى في ٢٦٦ ص ١٣.
(٤) في الأصل: «خردل»، وليس في أعلام خيلهم. وانظر الخيل للكلبي ٢٧ وابن الأعرابي ٧٥ والعمدة (٢: ١٨٢) وشرح الحماسة للمرزوقى ١٤٩٤.
(٥) المتلى: التالي. وفي الأصل: «المسلى»، ولا وجه له.
(٦) الأماريت: القفار، جمع أمرات، وهذا جمع مرت. والبيت لأبى العلاء المعرى: انظر شروح سقط الزند ١٦١٠.
[ ١ / ٢٨٠ ]
شمخ زعمت رجح، بذخ وضح، فمن السّنخ الوسخ الودخ، من العجم قلت القدم، نعم اللكن الفدم، الحلم لكن عمن بلغ الحلم، بصر صبر!! بصر بأوقات السمر، وافول القمر، ودبيب الضراء والخمر (^١)، صبر على الذفر والقذر، وذفر الغمر، وأطر الكمر، وبجر سرر ترمى بشر كالقصر (^٢). ملس الأدم، قلت، هذا وأبيك والتفكيك يا ديوث والتخنيث، وعرض السقاء الخبيث (^٣)، لقد نبهت [يا] هذا الخبيث، وقلنا إليك يساق الحديث:
تصيخ للنبأة أسماعها … إصاخة الناشد للمنشد (^٤)
جررة أذيال، لكن على دمال وابوال (^٥)، لا كجرنا العوالي للإعوال، وإعلام الأشبال منا للاحتيال، بريش الرئال (^٦):
أبقت بني الأصفر المصفر كاسمهم … صفر الوجوه وجلت أوجه العرب (^٧)
آنفًا يا حضاجر (^٨)، يا باردًا في شهر ناجر، وصفت العرب بمعاقرة الدنان، وقنيان القيان، والآن فخرت عليهم بالنبيذ والسميذ، والجدى الحنيذ، فلم لا تفاخر بالنطيح والوقيذ، وأكل الميتة بعد التشميذ (^٩). وأما حنيذ
_________________
(١) يقال دب له الضراء، ودب له الخمر، إذا ختله وخدعه. وما واراك من أرض فهو الضراء، وما وراء من شجر فهو الخمر.
(٢) اقتباس من الآية الكريمة. والقصر، بالتحريك قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد والحسن وابن مقسم. تفسير أبى حيان (٨: ٤٠٧) في سورة المرسلات.
(٣) العرض، بالكسر: الرائحة.
(٤) للمثقب العبدي في الكامل ٦٣ ليبسك والبيان (٢: ٢٨٨). وانظر شروح سقط الزند ٣٧٦ والأمالي (١: ٣٤). وصواب الرواية: «يصيخ للنبأة أسماعه»، لأن قبله في صفة ثور: كأنما ينظر من برقع … من تحت روق سلب مذود
(٥) الدمال، كسحاب: السرقين ونحوه. وفي الأصل: «ذا مال»، تحريف.
(٦) الرئال: جمع رأل، وهو ولد النعام.
(٧) لأبى تمام في ديوانه ١٢.
(٨) حضاجر: اسم للذكر والأنثى من الضباع.
(٩) التشميذ، لعل المراد به الانتفاخ. وأصل الشمذ رفع الذنب والإزار.
[ ١ / ٢٨١ ]
الجداء والحملان، وكوم متون الجفان، فلنا منها البضيع بعد الذكاة والسديف، والوشيق المسرهد والقدير المعجل والشواء الصفيف:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى … وأسيافنا يقطرن من نجدة دما (^١)
وأما القيان والقنيان: والمعاقرة والدنان، فنحن اخترنا صرفها، واختبرنا صفوها وعفوها، وأخذنا في الجاهلية وصفها، وأهدينا أنفاس النسيم شذاها وعرفها، ومنكم غارس حبلها وآبرها، ومنقحها وزابرها، وسالف سليلها وعاصرها، ومنا أبو عذرها وفاطرها، ومديرها بحديث الركبان ومعاقرها، تدوسونها لنا بالأرجل، وتقتلونها قبل حلول الأجل، ثم تجلبونها من جواثي والرس، وتسبونها من قطربلّ وبيت رأس، وتجهزون بها بناتكم بأكواب الساج، ومدارع الدّيباج، فيرشفنها بالشفاه قبل الزجاج، وبهذا توفرت على ضغنها في المزاج، وأخذت من رؤوسنا ثأرها عند أرجل الأعلاج، فلنا الحلب، وعليكم الجلب.
ومنا الأجر، وإليكم التجر، ومن بضائع القهر، ثمن البضع والشّكر، وكالئ المهر (^٢).
مستردفات فوق جرد أوقرت … أكفالها من رجح الأكفال
ولا حرب، إن شدهت العرب، بربات الشنوف، وولهت بوطف الجفون وذلف الأنوف، ودلهت بعزف القيان والشرب بالمعلم المشوف:
فإذا ما شربوها وانتشوا … وهبوا كل جواد وطمر (^٣)
ثم راحوا عبق المسك بهم … يلحفون الأرض هداب الأزر
لهم عرف النسيب والتشبيب، وعليهم وقف التّسهيد والتعذيب، ولهم
_________________
(١) لحسان بن ثابت في ديوانه ٣٧١.
(٢) الكالئ: النسيئة المتأخر.
(٣) لطرفة بن العبد في ديوانه ٦٨.
[ ١ / ٢٨٢ ]
الجآذر في زي الأعاريب (^١)، شهروا بالحب والجوى، وخبروا بالتحرق للتفرق والنوى، وعزوا للموت كرمًا وذلوا للهوى. هم حدوا الركب بالحنين والإرزام، وعارضوا السحب بعيني عروة بن حزام (^٢)، بكوا الديار، وندبوا بصدق عهودهم الطلول والآثار، وحموا الذمار، وردوا أيديهم عن حرمة الجار:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم … دون النساء ولو باتت بأطهار (^٣)
رضوا لفضل النيل بفضول الغبوق والقيل، وتبرءوا من رضاع الغيل (^٤)، ولم يعرفوا غير داعي النداء وزجر الخيل:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم … دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه (^٥)
أرزافهم في السير والإساد، وإنفاقهم من أكف الآساد:
والليث حيث ألب من … أرض فذاك له عرين
أنفوا المساحة والفلاحة، وألفوا الاستباحة لامتلاء الراحة، ملكوا الأرض وما ملكتهم، وتخيروا البقاع فما نهكتهم، منازلهم من المعمورة بمكان الغرة، وحظهم من الفلك رأس المجرة، أغناهم من الأعمال المدنية، والملكة البدنية، إيضاع الشدنية، وإنضاء الناقة الفدنية، طلبًا للاعتزاز، وضربًا في مجاهل الأرض للابتزاز، وكفاهم عارض المس، وأرض الرس (^٦)، إيثارهم على النّفس،
_________________
(١) فيه لمحة إلى قول المتنبي: من الجآذر في زي الأعاريب … حمر الحلى والمطايا والجلابيب
(٢) فيه نظرة إلى قول المتنبي: فكأن كل سحابة وكفت بها … تبكى بعيني عروة بن حزام
(٣) للأخطل في ديوانه ٢٠ وشرح شواهد المغنى ٢٧٠.
(٤) الغيل: أن ترضع المرأة ولدها على حبل.
(٥) البيت للقيط بن زرارة في الحيوان (٣: ٩٣) والشعراء ٦٩٢. ويروى أيضا لأبى الطمحان في الحماسة ١٥٩٨ بشرح المرزوقي والكامل ٣٠ ليبسك والوساطة ١٥٩.
(٦) الأرض: الرعدة والنفضة. والرس: أول الحمى.
[ ١ / ٢٨٣ ]
والاستقبال بأبنيتهم مطالع الشمس، قنعوا بأفلاذ الحشا، والاحتشاء من الكشى، عن التأري لما في القدور، والتعري لوهج التنور:
لقرص تصلى ظهره نبطية … بتنورها حتى يطير له قشر
فأما البهط وحيتانكم … فما نيل منها كثير السقم (^١)
ومكن الضباب طعام العريب … ولا تشتهيه نفوس العجم (^٢)
توقف الطباع على الصميم والخلاصة، وتوقي به شح النفس والخصاصة، ليسوا كالنهمة الخفرة، الأكلة الحفّرة، خفرة الجفان، وحفرة الاتفاق للنّيران، أعدّوها للتّحصين، لا للتحسين، وأوفدوا بها على الطين للتبطين، لا للتوطين، إذ لم يغنهم القهر عن الحصر، ولا عقد الجسر عن الأسر، أعجلتهم العربان، الغربان، عن الانتفاع، باليفاع، والاعتصام، بالأعصام، والاحترام (^٣)، بالأهرام:
ولذاك كانوا لا يحشون الوغى … إلا وقد علموا مكان المهرب
وأما الفسل، والمسل، فقد أجلها الله عن اغتراسكم واحتراسكم، وطهر النخلة عمتنا من أدناسكم، وبخر أنفاسكم، وحبا العرب بها عجالة صائمهم، ولهنة طاعمهم، ونقيعة ضيفهم، وفاكهة شتائهم وصيفهم، تحفة الكبير، وصمتة الصغير، وتخرسة مريم ابنة عمران، من الراسيات في الضحل، الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل (^٤).
_________________
(١) الشعر لأبى الهندي، كما في الحيوان (٦: ٨٨ - ٨٩). وانظر محاضرات الراغب (٢: ٣٠٣) والفصول والغايات ٤٧١ والمخصص (١٦: ٨٣/ ١٧: ١٠). والبهط: الأرز يطبخ باللبن والسمن، معرب من الفارسية عن الهندية. انظر تحقيقه في حواشي الحيوان. ورواية الحيوان: «فما زلت منها».
(٢) العريب بالتصغير: العرب، قال ابن منظور: «صغرهم تعظيما».
(٣) الاحترام، أراد به أنه دخل في حرمة لا تهتك. والمعروف «الإحرام».
(٤) وصف النخلة هذا ينسب إلى أبى حثمة، وهو عبد اللّه - ويقال عامر -
[ ١ / ٢٨٤ ]
فاخرات زروعها في ذراها … وأخاض العيدان والجبار
فأين صنيع قومك الجلة، من صنيع محرقي البعر والجلة، لما أمنوا اللهفان، وخوفوا أسد خفان (^١)، وأفنت نارهم الغضى والأفان (^٢):
ضربوا بمدرجة الطريق قبابهم … يتقارعون بها على الضيفان
فلم يبق إلا الجلة والبعر، أو خالفة طرافٍ من أديم أو بيت من الشعر خلوا فتحللوا، وعلوا وتجللوا:
• هناك إن يستخبلوا المال يخبلوا (^٣) …
غنوا بالجلة عن الجليل، ومن الحلة بالشليل (^٤)، وبالخوذ عن العوذ، وبالحلق عن الخرق، والسندس والاستبرق، من كل مدجج:
سمر القنا بإهابه … أولى من السربال
ما أكل ذو جار لهم بهواه (^٥)، ولا استأثر على من حلّ ربعه وثواه (^٦)، متى جاع أنشد أم مثواه، أيا ابنة مالك وابنة عبد اللّه (^٧):
_________________
(١) بن ساعدة بن عامر الخزرجي. الأمالي (٢: ٥٨). وإلى عبد الرحمن بن محصن النجاري التنبيه للبكرى ٩٥. وإلى خالد بن صفوان. اللسان (خرس). والتخرسة: طعام النفساء.
(٢) خفان: مأسدة قرب الكوفة.
(٣) الأفانى: شجر بيض، واحدته أفانية، ويسمى كذلك ما دام رطبا، فإذا يبس فهو الحماط.
(٤) صدر بيت لزهير في ديوانه ١١٢. وعجزه: • وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا …
(٥) الحلة، بالضم: القميص والإزار والرداء. والشليل: غلالة تلبس فوق الدرع.
(٦) بهواه، أي بما يهوى، والمعنى أنه يخضع لجاره فيما يطعم، يحكمه في ذلك، مبالغة في الرعاية. في الأصل: «ذو جارهم بهداه».
(٧) يقال ثوى بالمكان وثواه أيضا.
(٨) نظر إلى قول حاتم الطائي - وليس في ديوانه -: أيا ابنة عبد اللّه وابنة مالك … ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد الحماسة ١٦٦٧ بشرح المرزوقي. والبيت التالي هو قرين هذا البيت.
[ ١ / ٢٨٥ ]
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له … أكيلًا فإني لست آكله وحدي
هذا المجد السري، والفخر الحِري، والنسب الحُري، لا ما تقولته لحاك الله ولحا أباك، وحيا من أباك، من فخرنا بالقديم، المفري للأديم؛ أغفيت فانتبه، «من يطل أير أبيه ينتطق به»:
أتبغض جوهر العرب المصفى … ولم يبغضهم مولىً صريحُ
فما لك حيلة فيهم فتجدى … عليك بل تموت فتستريح
أما لك فيهم بعد الملوك العاربة، والكواكب الطالعة الغاربة، من الثمودية والعادية، والطسمية والجديسية، والوبارية (^١) والأميمية، ما يقرع صفاك، وينقع بماء الملام صفاك، إلى خالفة من المتعربة (^٢) خلفت خلافها، وارتضعت في البأس والجود أخلافها، وإن كانت من جمعكم كالبعرة في البيداء، والشعرة البيضاء في اللمة السوداء، حطّت ذراكم من اليفاع، وخطت في صدوركم بخطى الخطى لا باليراع، يستملون من أنسية الآجال (^٣)، وينهدون إليكم بقلوب أسدٍ في صدور رجال أقلامهم الردينيات واليزنيات، وصحفهم المشرفيات والسريجيات، ولحفهم الوضاء الداوديات، وسررهم المقربات الغر الأعوجيات:
إذا ركبوا الخيل واستلأموا … تحرقت الأرض واليوم قرّ (^٤)
بروياتهم لا بروايتهم، ودراياتهم لا بادراتهم (^٥)، نصبوا الأحياء، ونسبوا الأشياء، وشققوا الأسماء، وقسموا على حصص البروج السماء، فوصفوا النجوم،
_________________
(١) نسبة إلى «وبار». وفي الأصل: «الأبارية»، تحريف. وانظر البيان (١: ١٧٧) ونهاية الأرب (٢: ٢٩٢).
(٢) المتعربة هم بنو قحطان بن عابر الذين نطقوا بلسان المعرب العارية وسكنوا ديارهم. نهاية الأرب ٢: ٢٩٢. وفي الأصل: «المتغربة»، تحريف.
(٣) الأنسية: جمع نسيء، بمعنى مؤخر. ويستملون، أي يملون. عنى أنهم يكرهون الآجال المؤخرة فهم يستعجلون الموت.
(٤) لامرئ القيس في ديوانه ٥.
(٥) في الأصل: «ودرياتهم لا بادارتهم».
[ ١ / ٢٨٦ ]
وعرفوا الرجوم (^١)، وزجروا السانح والبارح، وأثاروا الصيد وعلموا الجوارح، هم كروا نهر مهران (^٢)، وبنوا قصر غمدان، وحدوا بالركب للنخل من ودان (^٣)، فجابوا الأقطاب، واجتنوا الرّطاب، وملئوا الأوطاب، وميزوا التوكيت والتذنيب والإرطاب (^٤)، وانفردوا بالحكمة وفصل الخطاب:
سور القرآن الغر فيهم أنزلت … ولهم تصاغ محاسن الأشعار
قد كان يكفي يا ذات النحيين، وكبوح الحيين (^٥)، في بعض محاجّاتك، وعرض مداجاتك، أن هذذت شفتيك بلحنك الماخوري، وأنفذت حضنيك بنفثات أبى العلاء المعرّىّ، فأقمت فيها صغاك بالحرف العليل (^٦)، وبغيت فوق مبتغاك يا لئيم (^٧)، ما هو أقل من القليل، فأزحت (^٨) عن فشلك وخمولك، وأبحت هجوك وشتم رسولك؛ ثم شكوت قفار حالك، وأبنت واهي نثرك بزور انتحالك، فحسبك بها يا ذا العضب قرضًا وجزاء (^٩)، وانتهاء إلى الفهاهة لا أبا لك واعتزاء، واقتساما لأدبك (^١٠) بيد التدمير أجزاء.
_________________
(١) في الأصل: «الوجوم»، تحريف. والرجوم: النجوم التي يرمى بها.
(٢) كروا: حفروا.
(٣) ودان: موضع بين مكة والمدينة. وفي معجم البلدان. «وقرأت بخط كراع الهنائي على ظهر كتاب المنضد من تصنيفه: قال بعضهم: خرجت حاجا فلما جزت بودان أنشدت: أيا صاحب الخيمات من بعد أرثد … إلى النخل من ودان ما فعلت نعم فقال لي رجل من أهلها: انظر هل ترى نخلا؟ فقلت: لا. فقال: هذا خطأ، إنما هو النحل. ونحل الوادي: جانبه».
(٤) التوكيت: أن يصير في البسرة نقط من الإرطاب. وفي الأصل: «التركيب»، تحريف. والتذنيب: أن يصير فيها نكت من الإرطاب من قبل ذنبها.
(٥) كبوح، لعلها «نبوح»، وهو ضجة القوم وأصوات كلابهم. والنبوح أيضا: جماعة النابح من الكلاب.
(٦) إشارة إلى قول أبى العلاء، وقد سبق في نهاية رسالة ابن غرسية: وإن الوزن وهو أصح وزن … يقام صغاه بالحرف العليل
(٧) بغيت: أعنت على ما تبتغى. وفي الأصل: «بعثت».
(٨) في الأصل: «فأرحت».
(٩) العضب: اللسان الذليق. يتهكم به.
(١٠) في الأصل: «لأدبيك».
[ ١ / ٢٨٧ ]
إنّ العبيد إذا أذللتهم صلحوا … على الهوان وإن أكرمتهم فسدوا
لعلّك، لالعا لك، فضحك العىّ، أو صبّحك النّعىّ، فندمت على بادرة خذلانك، وسقطات لسانك، وهببت من غفوة التأسّى، أو المتأسّى، وقلت: من الآسى، من حزّ هذه المواسى، لياذا بالإسار، عن دعوة الآصار، وعياذا على الإعلان والإسرار، من مستكنّ الكفر والإصرار، وتيمم الهاشميّين بدعوة أبى عبيد المختار ، والتعمّم بسيدنا ونبيّنا محمد المختار.
«متى كان الخيام بذى طلوح (^١)»، أو جمعنا الرّحم فى سام بن توح، أعرض عليكم ثوب الملبس (^٢) بالتّحامل على يافث، والترامى فى الإلحاق به على القائف والنافث، وإلاّ أىّ عيص إلينا ضمّكم، أو بأىّ بركة خصّكم ﷺ أو عمّكم. ما غمّك، من أغمّك، ولا ذمّك من أذمّك (^٣)، وسمّك وأحمّك، وقتل أباك وسباك وأمّك. ابن عمّكم الطاغوت وسيّدكم البرهمن والبرهوت (^٤)، شتّان ما بين النجوم الطّارقة والشموس الفارقة، وبين سقّاط الجرامقة ومقّاط الأفارقة (^٥)، الوضر الأنذال، والبخر السّبال، لا غسل ولا طهارة، ولا نظافة لطامث ولا عطارة:
قوم إذا جرّ جانى قومهم أمنوا … من لؤم أعراضهم أن يقتلوا قودا (^٦)
_________________
(١) صدر بيت لجرير فى ديوانه ٥١٢. وعجزه: * سقيت الغيث أيتها الخيام *
(٢) يضرب مثلا لمن كثر من يتهمه. الملبس: المغطى، وهو المتهم.
(٣) أذمه: وجده ذميما. وفى الأصل: «أزمك»، وتحريف.
(٤) برهمن، هو الذى ينسب إليه مذهب البراهمة الهنود. جاء فى دائرة المعارف الإسلامية أنه ملك مترهب عالم، عقد مجمعا من الحكماء وسن بمعونتهم قواعد الدين، كما وضع نظرية الأدوار الفلكية، واخترع أرقام العدد … وأما البرهوت فهو واد بحضر موت يحفه جبل بركانى عند سفحه بئر تعرف ببئر برهوت، يذكرون أن أرواح الكفار تأوى إليه. دائرة المعارف الإسلامية ومعجم البلدان. وانظر أيضا مروج الذهب ٧٩:١.
(٥) الماقط، مولى المولى.
(٦) للحكم بن زهرة أو عويف القوافى، انظر ما كتبت فى حواشى الحماسة بشرح المرزوقى ٢٤٩. (تعليق الشاملة): «أبى عبيد المختار» كذا فى الأصل، وصوابه «ابن أبى عبيد المختار» وهو المختار بن أبى عبيد. [أفاده في المستدرك]
[ ١ / ٢٨٨ ]
ألا ناصر أهل أم القرى … لأم الذبيح ألا ناصر (^١)
أسامر نجدا ومن بالصفا … وإن لم يكن بالصفا سامر
وإلا فأين حمى يعرب … حفائظ لم يحمها عابر (^٢)
فيا للرضى وأبنائه … ومن ولدت أمه هاجر (^٣)
وللعرب أعراق زند الثرى … أكابر أورثها كابر
أضمت قصى وأخلافها … ونصر وعامرها الجادر (^٤)
لمملوك قنٍ أخي غية … لغير أب ملحد كافر
يهز بدانية أعظما … بمكة قد ضمّها قابر
وخالصها في ثرى طيبة … نبي الهدى القمر الزاهر
نفتني المجاهر من هاشم … ومن يمن عمرو أو عامر
وهرت جفوني كأس الكرى … وسح بها دمعها الماطر
لئن لم أجاهده لا جر لي … قنا الخط في الصحف الخاطر
أيا عبد عبدٍ ألا تستحي … ولا لك دون النهي زاجر
مواليك أخسرت من شأنهم … ستعلم ويك من الخاسر
فإن تنج مني بنزع الشوى … كما أبق الضبع الباسر (^٥)
فما في ضلوعك من نطفة … وماء الكراض دم مائر (^٦)
_________________
(١) أم الذبيح، يعنى بها هاجر.
(٢) عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح.
(٣) يعنى أبا عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن تومرت.
(٤) يعنى عامر الأجدار، وهم بطن عظيم من كلب، وهو أخو عامر بن صعصعة لأمه. نظر حواشي شرح المرزوقي للحماسة ٣٤١. وفي الأصل: «الجاذر»، تحريف. وفي اللسان (جذر) أنه سمى بذلك لسلع كانت في بدنه.
(٥) في الأصل: «كما أنف».
(٦) الكراض: ماء الفحل. في الأصل: «لما في ضلوعك».
[ ١ / ٢٨٩ ]
هلا طمعت يا معمر، يا آكل الأشلاء لا يحفل ضوء القمر، في استدراك المقال، والافتكاك من هذا العقال. كلا لو تجلو معيارك، وتمحو طومارك، وتقلّم أظفارك، وتنزع صلبانك وزنارك (^١)، وتعفي سبالك، وتنصب قذالك، وتقول ذلك، وتجعل الخصل كله للعرب، والفضل للنبع على الغرب. كفاك أن منهم آساد الله، وضراء الله، وسيوف الله (^٢)، ولهم بيت الله، وفيهم رسول اللّه وعترته أولياء الله، أئمة الهدى، وتتمة البأس والنّدى، وخير من انتعل وارتدى المؤثرون على أنفسهم ابن عمنا صدقا، وهادينا ومرشدنا وسيدنا حقًا، سيد البشر، وخاتم الرسل في محكم الزبر، شفيع هذه الأمة، وحاديها إلى عليين في خير أمة، سفير يوم العرض، وإمام أهل السماوات والأرض، منتهى لبنة الأحساب، في الأحساب، الناطق بكلامه داعى أهل الجنة ومنادى الحساب، الحاشر العاقب، الشهاب الثاقب، السابق الغالب، المتخير من ذؤابة لؤي بن غالب، الذي به نسخنا ملتكم، وفسخنا خلتكم، وكسرنا صلبكم، وغوّرنا قلبكم وطهّرنا بيعكم، واستظهرنا قلعكم، واستوطأنا نضائدكم، واستبطنا ولائدكم:
أعجلن عن شد البرى ولطالما … غودرن أن يمشين غير عجال
بهذا النبي الأمي، السيد العربي، نفاخر البشر، ونكاثر المطر، ونناظر الشمس والقمر، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصهاره، وصحبه وأنصاره، وحزبه، ومن مات على حبّه، كفاء العج والثج، والملبين بالحج، وسلام الله ورضوانه على سلالته الطاهرة، ووارث ملّته المنصورة، الإمام المهدى أبى عبد اللّه
_________________
(١) الصليب والزنار مما كان يميز به المسيحيون. وفي الأصل: «طابانك». وانظر ما ورد من كثرة اقتران الصليب بالزنار في الديارات للشابستى ١١٣، ١٣٢ وما أنشد من قول أبى نواس: وبالصلب العظيمة حين تبدو … وبالزنار في الخصر الدقيق
(٢) كان يقال لحمزة بن عبد المطلب: أسد اللّه. ثمار القلوب ١٦. وفي اللسان (ضرا): «وفي الحديث أن قيسا ضراء اللّه،. والمعنى أنهم شجعان، تشبيها لهم بالسباع الضارية. وكان يقال لخالد بن الوليد: سيف اللّه، سماه بذلك رسول اللّه ﷺ لحسن آثاره في الإسلام، وصدقه في قتال المشركين. ثمار القلوب ١٦.
[ ١ / ٢٩٠ ]
محمد بن عبد الله القرشي العلوي، الفاطمي المحمدي (^١)، وخليفة أمره العلي، ومقامه القرشي، سيدنا الإمام الرضي العربي، المضري القيسي أبي محمد عبد المؤمن بن علي (^٢). والدعاء لحفظة سره النبوىّ، وخلافة أمره الدينىّ والدّنياوى وأمد الله حضرة مولانا أمير المؤمنين سيدنا الإمام أبى عبد اللّه الرضي، الشاب التقي، الناصر لدين الله العلي، بمواد النصر الخفي، والعمر القصي، وسائر العترة المهتدين، والسادة الأكرمين، والعصابة الموحدين (^٣)، ورضي الله عنهم أجمعين، عدد الرذ والرش، والطل والبغش، والملائكة الحافين من حول العرش مارسا ثبير، وعسا جمير (^٤)، وسمر بنا سمير، وسلم تسليما:
يا باحثًا بالظلف عن حتفه … أذكرت أشياعك من ناسا
لا تمر أخلاف الردى ضلة … إن مع الإبساس إيناسا (^٥)
ومز قرار الحق من نوسه … فليس من قر كمن ناسا (^٦)
أعداك جهل العجم عجبًا بها … فأوس يا عير ترى الناسا (^٧)
والسلام على من رضى الإسلام، ووحّد السلام، وأبدى الاستسلام، ورحمة اللّه وبركاته.
_________________
(١) هو محمد بن عبد اللّه بن تومرت، المتسمى بالمهدى. ولد بسوس ورحل إلى المشرق سنة ٥٠١ في طلب العلم وانتهى إلى بغداد ولقى أبا بكر الشاشي والمبارك بن عبد الجبار، ويقال إنه لقى الإمام الغزالي بالشام. ثم قام بدعوته في المغرب سنة ٥١٤. ولد سنة ٤٨٥ وكانت وفاته سنة ٥٣٤. المعجب ١١٥ وابن خلكان (٢: ٣٧ - ٤١).
(٢) كان عبد المؤمن بن علي هو الساعد الأيمن لمحمد بن تومرت، وقد ولى الأمر بعده واستولى على وهران وتلمسان وفاس وسلا وسبتة ومراكش. ولد سنة ٥٠٠ وتوفى سنة ٥٥٨. المعجب ١٢٥ وابن خلكان (١: ٣١٠ - ٣١١).
(٣) انظر تعريفا دقيقا لهؤلاء القوم، في المعجب ١٣٠، ٢٢٥.
(٤) عسا الليل: اشتدت ظلمته. والجمير: الليل المظلم.
(٥) في الأصل: «ظلة» تحريف. والإبساس: صويت للراعى يسكن به الناقة عند الحلب.
(٦) الميز: التمييز. وفي الأصل: «ومن قرار». والنوس: التذبذب والاضطراب.
(٧) أوس: زجر للمعز والبقر.
[ ١ / ٢٩١ ]