إنَّ الحمد لله ..
وكأني به يتحدث عن عهد مضى حينما كان جيرانه يتزاحمون عند أبوابه، ويتسابقون على صفوفه الأول، يتسابقون الفضل في رعايته وتطهيره وتنظيفه، يضج من داخله كخلايا النحل نشاطًا وحيوية فهذا يقرأ، وهنا حلقة، وذاك درسُ علم، مصابيحه لاتنطفئ، يَسعدُ بتفريغ الهموم وانشراح الصدور فيه، والخلوة بين جناباته.
إنه المسجد بيتٌ من بيوت الله تعالى في أرضه التي جعلها خالصة له وحده، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ (١)، وهي أحب الأماكن إلى الله تعالى، وإلى رسوله -ﷺ-، وإلى المؤمنين الصالحين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقهَا» أخرجه مسلم (٢)، بل إن
_________________
(١) [الجن: ١٨، ١٩].
(٢) صحيح مسلم (١/ ٤٦٤ - ٦٧١).
[ ٧٦ ]
المسجدَ بيتُ كلِّ مؤمنٍ وتقي، فقد رُوي عن أَبِي الدَّرْدَاءِ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ النبي -ﷺ- يقول: «المسجد بيت كل تقي» (١).
يئِّن المسجد ويشتكي عندما تُهمل عمارته الحسيّة والمعنوية: فالحسيّة البنيان وحاجاته المتعلقة فيه، والمعنوية نشاطاته ودروسه وارتياده: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٢).
قال الشيخ السعدي: "ثم ذكر من هم عمار مساجد الله فقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ (٣)، الواجبة والمستحبة، بالقيام بالظاهر منها والباطن ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ (٤) لأهلها ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (٥) أي قصر خشيته على ربه، فكف عما حرم الله، ولم يقصر بحقوق الله الواجبة، فوصفهم بالإيمان النافع، وبالقيام بالأعمال الصالحة التي أُمُّها الصلاة والزكاة، وبخشية الله التي هي أصل كل خير، فهؤلاء عُمَّار المساجد على الحقيقة، وأهلها الذين هم أهلها، ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٦)، و﴿عسى﴾ من الله واجبة، وأمّا من
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٧٦)، وذكره الألباني في الصحيحة (٣/ ٣٣٣) وضعفه بعض أهل العلم.
(٢) [التوبة: ١٨].
(٣) [التوبة: ١٨].
(٤) [البقرة: ١٧٧].
(٥) [التوبة: ١٨].
(٦) [التوبة: ١٨].
[ ٧٧ ]
لم يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولا عنده خشية لله، فهذا ليس من عمار مساجد الله، ولا من أهلها الذين هم أهلها، وإن زعم ذلك وادعاه (١).
يئِّن المسجد ويشتكي عندما يشتعل من حوله بالبيع والشراء والركض على الدنيا وقت إقامة الصلاة فيه، والله تعالى يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢).
عن ابن مسعود أنه رأى قومًا من أهل السوق حيث نودي بالصلاة، تركوا بياعاتهم، ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣)، بل لم تكن الأسواق تفتح في المدينة في عهده -ﷺ- بعد الأذان تعظيمًا لهذه الشعيرة، كما روي عن ابن عباس -﵁- وغيره: كانوا رجالًا يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ما بأيديهم وقاموا إلى المساجد فصلوا (٤).
_________________
(١) تفسير السعدي (٣٣١).
(٢) [النور: ٣٦ - ٣٨].
(٣) [النور: ٣٧].
(٤) تفسير الطبري (١٩/ ١٩٢).
[ ٧٨ ]
وكان هديه -﵊- تنبيه الناس في الطريق وإقامتهم إلى الصلاة، كما روي عن مسلم بن أبي بكرة عن أبيه قال: «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِرَجُلٍ إِلَّا نَادَاهُ بِالصَّلَاةِ، أَوْ حَرَّكَهُ بِرِجْلِهِ» رواه أبو داود (١).
وكان عمل الصحابة -﵃- عدم البيع وقت الصلاة، بل الانصراف من السوق وتركه والذهاب إلى المساجد، فروى أحمد عن زيد بن خالد الجهني قال: «كنا نصلى مع النبي -ﷺ- المغرب ثم ننصرف إلى السوق» (٢).
يعني أنهم قطعوا الضرب في الأسواق عصرًا بدخول وقت المغرب ثم انصرفوا إلى سوقهم مرة أخرى.
وهكذا درج المسلمون على هذا الأمر حتى ظهرت نوابتُ متفيقهةٌ تقلل من أهمية الصلاة في المساجد، وتطالب بعدم إغلاقها وقت الصلاة.
يئِّن المسجد ويشتكي عندما يقصّر أهل الحي بارتياده والمكث فيه، ويعظم أنينه بتخلفهم عن صلاة الجماعة وهم جيرانه: والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَاءِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (٣).
_________________
(١) ضعيف؛ ضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود" (٢/ ٤٤)، أخرجه أبوداود (٢/ ٢١ - ١٢٦٤)، وروي في المسند بمعناه عن عبدالله بن طهفه (٣٩/ ٢٧).
(٢) صحيح؛ أخرجه أحمد (٢٨/ ٢٨٨ - ١٧٠٥٣).
(٣) [النساء: ١٠٢].
[ ٧٩ ]
يا الله يصلون جماعة! ! أمرٌ وهم في حال الخوف فكيف بمن جدار بيته قريب من جدار المسجد وهو آمنٌ مطمئن ثم لا يحضر الجماعة؟ !
قال ابن المنذر: "ففي أمر الله بإقامة الجماعة في حال الخوف: دليل على أن ذلك في حال الأمن أوجب" (١).
ثم لنُصغِ إلى هذا الحديث الصحيح الذي تُذَّكرنا به جدران المسجد، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ، فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ، أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ، لَشَهِدَ العِشَاءَ» رواه البخاري (٢)، والعرْق: العظم، مرماتين: ما بين ظلفي الشاة من اللحم، والظّلف: الظفر.
وفي حديث آخر عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» رواه مسلم (٣).
_________________
(١) الأوسط (٤/ ١٣٥).
(٢) صحيح البخاري (١/ ١٣١ - ٦٤٤).
(٣) صحيح مسلم (٦٥١).
[ ٨٠ ]
قال ابن المنذر: "وفي اهتمامه بأن يحرق على قوم تخلفوا عن الصلاة بيوتهم: أبين البيان على وجوب فرض الجماعة، إذ غير جائز أن يحرِّق الرسول -ﷺ- مَن تخلف عن ندب، وعما ليس بفرض" (١).
أنّ المسجد وبكى فإلى الله المشتكى، أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله:
يئِّن المسجد ويشتكي عندما يهجر الذكر وقراءة القران فيه، ويستبدل بكلام دنيوي صرف كبيع وشراء، بل ويعظم أنينه عندما يكون الكلام فيه محرمًا كغيبة ونميمة.
فقد روى الترمذي عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي المَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً، فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ» (٢).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «نَهَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ الْأَشْعَارُ» رواه الترمذي، وأبو داود وغيرهما (٣).
_________________
(١) الأوسط (٤/ ١٣٤).
(٢) صحيح؛ صححه الألباني في "صحيح الجامع" (٣/ ٣٢١)، أخرجه الترمذي (٣/ ٦٠٢ - ١٣٢١).
(٣) صحيح؛ صححه الألباني في صحيح "أبي داود" (٦٥٠) أخرجه الترمذي (٢/ ١٣٩ - ٣٢٢)، وأبو داود من غير طريق عمرو بن شعيب (٤/ ١٦٧ - ٤٤٩٠).
[ ٨١ ]
يئِّن المسجد ويشتكي عندما يعبث صبيان أو سفهاء بمحتوياته أو يكتب على جدرانه ومرافقه كلامًا لايليق، والله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١)، ولو كان بيتٌ لأحدهم لما تجرأ على رمي ورقة بيضاء!
يئِّن المسجد ويشتكي عندما يُهمل بناؤه وتترك عمارته حسيًّا ومعنويًا ويستصغر شأنها، والنبي -ﷺ- يقول: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ، كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» رواه ابن ماجة وابن خزيمة وصححه الألباني (٢).
أنّ المسجدُ وبكى فإلى الله المشتكى! ليست هذه حقوقه سوى طرفٍ منها .. فكن عبدالله من عُمّار المساجد وروادها والمحافظين عليها فإنها أطهر البقاع عسى الله أن يظلك في ظل عرشه يوم لاظل إلا ظله، فإنّ منهم رجلٌ قلبه معلقٌ بالمساجد.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣).
* * *
_________________
(١) [الحج: ٣٢].
(٢) صحيح؛ صححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٠٥٦ - ٦١٢٧)، أخرجه ابن ماجة (١/ ٢٤٤ - ٧٣٨)، وابن خزيمة (٢/ ٢٦٩ - ١٢٩٢).
(٣) [الأحزاب: ٥٦].
[ ٨٢ ]
أنين مسجد (٢)