إنَّ الحمد لله ..
أَيُّهَا الأحبة: الإنسان يمرّ بمراحل منذ خَلقِه، للوقت فيها علاقةٌ عجيبة تستدعي من العاقل التوقف والتأمل، إذ لو تأملها المسلم لأدرك أن كل ثانية ودقيقة أغلى من كنوز المترفين.
أربع مراحل: مرحلته جنينًا في بطن أمّه تسعة أشهر تقريبًا، ثم يخرج على الدنيا ولا يعرف كم يعيش؟ لتُقدَّر كما في الحديث بين الستين والسبعين ثم البرزخ والله أعلم كم المكث فيه، ثم العرض والجزاء والحساب والجنة والنار ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (١).
المحّك والمَدار على هذه السنيّات التي تعيشها في حياتك الدنيا! !، قطّعها أجزاءً حدد كم نسبة عملك للستين أو السبعين سنة؟ !، وكم نسبة عملك للبرزخ؟ !، وكم نسبة عملك للدار الآخرة والجنّة والنار؟ ! ! أغلبنا هذه الأيام والساعات والدقائق والثواني للأسف يعيش معظمها لها .. نعم يعيش للسبعين .. أو الستين .. أو الخمسين أو أقل أو أكثر .. نعم يعيش الدنيا للدنيا، لقد تغافل أو غفل عن البرزخ والدار
_________________
(١) [الحج: ٤٧].
[ ٣١٧ ]
الآخرة والجنة والنار .. لا يعني هذا أن نغفل ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (١)، ولكن الأصل ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ (٢).
ولذا كان ولا بد أن يكون من ثقافة المسلم أنّ كل لحظة يمر بها في هذه الحياة حجة له أو عليه، ومسؤول عنها يوم القيامة.
قال -ﷺ-: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» (٣).
وقال الحسن البصري: "ما من يومٍ ينشق فجره إلا نادى: يا ابن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود فيَّ بعملٍ صالح، فإني لا أعود إلى يوم القيامة" (٤).
وما الأيام إلا مراحل يقطعها العبد في سفره إلى الله تعالى وإلى الدار الآخرة.
قال أبو الدرداء -﵁-: "ابن آدم! إنما أنت أيام كلما مضى منك يوم مضى بعضك" (٥).
_________________
(١) [القصص: ٧٧].
(٢) [القصص: ٧٧].
(٣) صحيح؛ صححه الألباني في "صحيح الجامع" (٩٢٥)، أخرجه الترمذي (٣٥١٧)، وابن ماجه (٢٨٠)، وغيرهما.
(٤) كثيرا ما يذكر هذا الأثر عن الحسن في الخطب والمواعظ. على سبيل المثال موسوعة أحسن الكلام في الفتاوى والأحكام ٨٣٢، ولكن هذا لا يصح مرفوعا كما ذكر الألباني ذلك في السلسلة الضعيفة ونص على وضعه (١٢/ ٣٣٥).
(٥) لطائف المعارف لابن رحب (٣٠٤).
[ ٣١٨ ]
وأبلغ من ذلك كله اهتمام الله جل وعلا في القرآن الكريم بالوقت، فأقسم بالعصر والضحى والليل والنهار، وذكر سبحانه إنعامه على عباده بالوقت في سورة النِعم سورة النحل، فقال جل وعلا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١)، فبين سبحانه عظيم منته على عباده أن سخر لهم هذه الأوقات ليتقربوا فيها إلى الله الواحد القهار، ويتذكروا دنو الآجال بانقضاء الليل والنهار، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (٢).
يُروى أنّ ملك الموت جاء إلى نوح -﵇-، فقال: يا أطول النبيين عمرا! كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: «كرجل دخل بيتًا له بابان، فقام في وسط البيت هنيهة - القليل من الزمان -، ثم خرج من الباب الآخر».
أيها الشاب: أعطني أذنك أهمس فيها لا سيّما وأنت في إجازة ليست بالقصيرة، أترى هذا الوقت الذي تعيش فيه إنّه نعمةٌ تُغبط عليها، إي والله فقد قَالَ: النَّبِيُّ -ﷺ-: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ» (٣).
بل خُصَّت مرحلتك مرحلة الشباب من عمر الإنسان بالسؤال يوم القيامة، قال -﵊-: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع» وذكر منها: «عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟» (٤).
_________________
(١) [النحل: ١٢].
(٢) [الفرقان: ٦٢].
(٣) صحيح البخاري (٦٤١٢).
(٤) صحيح؛ صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٩٤٦)، أخرجه الترمذي (٢٤١٧)، وغيره.
[ ٣١٩ ]
فَقه شباب السلف تلك المعاني حتى قال الحسن البصري: "أدركت أقوامًا كان أحدهم أشحّ على عمره منه على درهمه" (١).
قال ابن عَقِيل الحنبلي: "إني لا يحلّ لي أن أضيّع ساعة من عمري، حتى إذا توقّف لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة؛ أعملت فكري في حال راحتي وأنا مُسْتطرِح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطّره" (٢).
ولهذا خلَّف آثارًا عظيمةً ككتاب الفنون الذي قيل عنه: إنه بلغ ثمانمائة مجلدًا، حتى قال عنه الذهبي: "لم يُؤلَّف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب".
وهذا النووي بورك له في عمره، ولقيت تصانيفه قبولًا عند أهل العلم، ولم يعش إلا بضعًا وأربعين سنة.
وقال ابن القيّم عن شيخه: وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابته أمرً عجيبًا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة (٣)
وقال الذهبي: "إن تصانيفه تبلغ خمس مائة مجلّدة".
وألف ابن القيم كتابه زاد المعاد في سفره، وهو كتاب عظيم يقع في خمس مجلدات ..
_________________
(١) شرح السنة للبغوي (١٤/ ٢٢٥).
(٢) ذيل طبقات الحنابلة (١/ ١٤٥).
(٣) الوابل الصيب من الكلم الطيب (٧٧).
[ ٣٢٠ ]
أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله:
أيها الشاب: لا زال الحديث لك فأرعني سمعك .. وكأنّي بك تسألني: وهل أستطيع أن أُصبح مثل أولئك؟ الجواب: نعم بإذن الله.
ما أروعك حينما تضع لك خطة حياة علمية، فتُعصم بإذن الله من الشبهات، وتضع خطة حياة تعبدية فتُعصم بإذن الله من الشهوات، وتضع خطة حياة مادية فتُعصم بإذن الله من الفقر والذلة، واجتماعية وهكذا ..
قبل كل شيء استعن بالله ألست تقرأ في كل صلواتك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١)، طبقها عمليًا وتوكل عليه فـ ﴿اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٢)، ثم أحضر كراسة وقلمًا، اكتب رسالتك في الحياة، واجعل أغلب الأهداف التي ستضعها تصب فيها .. واعلم أن من يصنعها هو أنت لا تتقمص من الآخرين .. ثم ابدأ في صناعة أهدافك .. وباختصار الهدف لا بد أن يكون واضحًا محددًا بوقت، لا يمنع أن يكون صعبًا لكن غير مستحيل بمعنى ممكن الوقوع .. نوّع في أهدافك، فهدف في العبادة كحفظ القرآن الكريم، وهدف علمي واجتماعي ومادي إلخ .. نعم اكتب أمنياتك على شكل أهداف محددة وواضحة ونوّع فيها، ولا تزد على ثمانية أو عشرة حتى لا
_________________
(١) [الفاتحة: ٥].
(٢) [آل عمران: ١٥٩].
[ ٣٢١ ]
تصاب بإحباط، وتختلط الأمور وتكثر عليك .. واحرص حينما تكتب أهدافك أن تكون لوحدك صاف الذهن، وأن تكون هادئًا غيرَ منشغل بشيء، في مكان محبب إليك، مستشعرًا أن الله تعالى لا يرد سائلًا ولا يخيب رجاءً .. وإذا كتبت أهدافك ضع كل هدف في صفحة مستقلة، ثم حدد زمن الوقوع المتحقق بإذن الله واكتب التاريخ، ثم قسم الزمن المحدد إلى مراحل لتحقيق الهدف، إذا قسمت المراحل ضعها على شكل أهداف صغرى داخل الهدف الأعلى الذي تريد تحقيقه، ثم ضع خانه لما تحقق من هذه الأهداف الصغرى، وتابعها بشكل دوري تحت مسمى ما تم إنجازه، بعد ذلك رتب أيام الأسبوع على حسب مراحل الأهداف عندك، فتكون بعده في كل يوم تتابع مشروعًا أو هدفًا عندك
واعلم أن التوكل والإخلاص لله، والتفاؤل والدعاء وحسن الظن بالله؛ من المبادئ المهمة لإنجاح خطتك ومشروعك ونجاحك في الحياة، ابدأ من الآن فالوقت يمضي!
وأخيرًا استمع إلى وصية النبي -ﷺ- فقد قَالَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» رواه مسلم (١).
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٦٦٤).
[ ٣٢٢ ]
وفقك الله وسددك .. (١).
* * *
_________________
(١) مراجع الخطبة: راجع: كيف تصبح عالما للسرجاني، وعلو الهمة للمقدم. كيف تخطط لحياتك: http://www.alukah.net/social/0/119272/
[ ٣٢٣ ]