الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: فلما كان الشباب هم عماد الأمم، صار الاهتمام بهم، والمحافظة عليهم هو هدفًا ساميًا من رسالة الإسلام.
فسيرة نبينا -ﷺ-، وأصحابه تنبئنا بأن الشباب هم مصدر القوة، وصناع المجد، وعنوان المستقبل .. روي عن ابن عباس -﵄-: «ما أتى الله -﷿- عبدًا علمًا إلا شابًا، والخير كله في الشباب» ثم تلا قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيم﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٣) (٤).
_________________
(١) [الأنبياء: ٦٠].
(٢) [الكهف: ١٣].
(٣) [مريم: ١٢].
(٤) ذكره الغزالي في: إحياء علوم الدين (١/ ١٤٤) ط: دار المعرفة بيروت، والأثر أخرجه الطبراني في (المعجم الأوسط) بلفظ: " ما بعث الله -﷿- نبيًا إلاوهو شاب، ولا أوتي عالم علمًا إلا وهو شاب" (٦٤٢١).
[ ٢٤٦ ]
ولذا كان من الواجب على العلماء والمربين تنبيه الشباب إلى ما يحاط بهم من انحرافات سلوكية، وأفكارٍ شاذة، تجرهم إليها شياطين الإنس والجن، وتوجيههم والأخذ بأيديهم.
ومن أخطر الأمور التي تُحاك ضد الشاب المسلم سلخه من هويته الإسلامية وأخلاقه الحميدة، ومن ثمَّ تصييرُه تافهًا يتبعُ أتفه منه، ضعيفَ الشخصية مقلدًا تبعًا لا يملك من أمره شيء، لايسعى إلا إرضاء شهوات نفسه ونزواتها، لا يفرق بين حرام وحلال، ثم ينسى بعد ذلك اعتزازه بكونه ينتمي إلى خير أمّةٍ أخرجت للناس فلا أمر بمعروف ولانهي عن منكر، وينسى شموخه بكونه يتبع سنة محمد -ﷺ- أفضل البشر وسيد ولد آدم، ويتنكر لآبائه صناع المجد والحضارات الذين فتحوا العالم ونشروا توحيد رب الأرض والسموات، ولايدرك كونَه مسلمًا وأنّه متى ابتغى العزة بغير الإسلام فقد أذله الله.
ومن مظاهر تضييع هوية المسلم ما يلي:
أولًا: التساهل بالشعائر من فرائض وسنن، والتهاون بها، وأخطر من ذلك الاستهانة بها ووصفها بالشكليات والرجعية والتخلف، فتنقلب المفاهيم والمباديء الشرعية عنده إلى ميوعة وتبعية مقيته، والله -﷿- يقول: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١).
_________________
(١) [الحج: ٣٢].
[ ٢٤٧ ]
روى الإمام الطبري عن سعد، عن زيد بن أسلم: أن رجلًا مِن المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تَبوك: ما لقُرَّائنا هؤلاء أرغبنا بطونًا وأكذبنا ألسنةً، وأجبننا عند اللقاء! فقال له عوف: كذبتَ، ولكنك منافقٌ، لأُخْبِرَنَّ رسول الله -ﷺ-، فذهب عوفٌ إلى رسول الله ليُخبره، فوجد القرآن قد سبَقه، قال زيد: قال عبدالله بن عمر: فنظرتُ إليه مُتعلقًا بحَقَب ناقة رسول الله -ﷺ- تنكبُهُ الحجارة، يقول: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ (١)، فيقول له النبيُّ -ﷺ-: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢)، ما يَزيدُه (٣).
وقد نهى الله عن هذا الفعلِ القَبيحِ فقال: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٤)، وبَيَّن سبحانه أن القدْحَ في الدين والاستهزاءَ به - خصوصًا شعائره التعبدية - هو ما كان عليه المشركون والكفَّار المخالفون للمسلمين، فإذا نادَوْا للصلاة اتخذوها هزوًا ولعبًا؛ لعدم عقلِهم ولجهلهم العظيم، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٥)، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
_________________
(١) [التوبة: ٦٥].
(٢) [التوبة: ٦٥].
(٣) تفسير جامع البيان (١٤/ ٣٣٣).
(٤) [البقرة: ٢٣١].
(٥) [المائدة: ٥٨].
[ ٢٤٨ ]
تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) (٢).
ثانيًا: ومن مظاهر تضييع هوية المسلم: التشبه بالكفار في اللباس والهيئة وقصات الشعر، فإنّ مما يحرق الفؤاد بعض شخصيات شبابنا ومظاهرهم وألبستهم المائعة وقصات شعورهم، وقد قال رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (٣).
قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَالْعَلْقَمِيّ: أَيْ تَزَيَّى فِي ظَاهِره بِزِيِّهِمْ، وَسَارَ بِسِيرَتِهِمْ وَهَدْيهمْ فِي مَلْبَسهمْ وَبَعْض أَفْعَالهمْ اِنْتَهَى.
وَقَالَ الْقَارِي: أَيْ مَنْ شَبَّهَ نَفْسه بِالْكُفَّارِ مَثَلا مِنْ اللِّبَاس وَغَيْره، أَوْ بِالْفُسَّاقِ أَوْ الْفُجَّار أَوْ بِأَهْلِ التَّصَوُّف وَالصُّلَحَاء الأَبْرَار (فَهُوَ مِنْهُمْ): أَيْ فِي الإِثْم وَالْخَيْر (٤).
وفي صحيح مسلم أن النبي -ﷺ- رأى على عبد الله بن عمرو بن العاص ثوبين معصفرين -أي: مصبوغين بالعصفر- فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها» (٥).
ثالثًا: ومن مظاهر تضييع هوية المسلم: جلد بعض المسلمين ذاوتهم وأوطانهم وأمتهم وتذمرهم واحتقارهم لكل عمل جليل يُقام، إنّ جلد الذات والهزيمة النفسية
_________________
(١) [المائدة: ٥٧].
(٢) من مقال ل د خالد الرفاعي على الرابط. https://www.alukah.net/fatawa_counsels/0/89417
(٣) صحيح؛ صححه الألباني في "صحيح أبي داود" (٣٤٠١)، أخرجه أبو داود (٣٥١٢).
(٤) عون المعبود (ص ٦٠/اللباس).
(٥) صحيح مسلم (٢٠٧٧).
[ ٢٤٩ ]
بالطرق التي يمارسها الكثيرون من المثقفين العرب والمسلمين، ليست هي نقد الواقع نقدًا بنّاءً موضوعيًا، بل هزيمة نفسية هدّامة تتقبل المآسي واليأس والإحباط، إننا من أمّة خير أمة أخرجت للناس، يوم قال الله تعالى عنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١)، فالخيرية مرتبطة بالإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فينبغي للمسلم أن يصنع هويته ومشروعه الخادم لمجتمعه وأمته لا أن يصبح عبثيًا ثقيلًا خادم لمشروعات غيره.
رابعًا: ومن مظاهر تضييع هوية المسلم: قلب المفاهيم بتعلم اللغات الأجنبية وعدم الاهتمام باللغة العربية -لغة القرآن-، ليس للعلم والمعرفة بل للمفاخرة والتنطع، لقد كان المستعمر المحتل يدرك خطورة بقاء اللغة العربية عليه فسعى قدر المستطاع إلى طمس معالم اللغة، حتى أنشأ النعرات والعصبيات في ذلك ببعض البلاد، وحتى ينشأ أجيالٌ لا ترتبط بالقران والسنة، بل في بعض الأقليات منعت الأسماء العربية بالكامل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وأما اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله ولأهل الدار وللرجل مع صاحبه ولأهل السوق أو للأمراء أو لأهل الديوان أو لأهل الفقه، فلا ريب أن هذا مكروه فإنه من التشبه بالأعاجم وهو مكروه كما تقدم.
_________________
(١) [آل عمران: ١١٠].
[ ٢٥٠ ]
ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر ولغة أهلهما رومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية، وأهل المغرب ولغة أهلها بربرية، عودوا أهل هذه البلاد العربية حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم، وهكذا كانت خراسان قديمًا، ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة واعتادوا الخطاب بالفارسية، حتى غلبت عليهم وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم ولا ريب أن هذا مكروه.
وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية حتى يتلقنها الصغار في الدور والمكاتب فيظهر شعار الإسلام وأهله ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف بخلاف من اعتاد لغة ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى فإنه يصعب عليه، واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويًا بينًا، ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق، وأيضًا فإن نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية، وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عيسى بن يونس، عن ثور، عن عمر بن يزيد، قال: «كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري -﵁- أما بعد فتفقهوا
[ ٢٥١ ]
في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن فإنه عربي»، وفي حديث آخر عن عمر -﵁- أنه قال تعلموا العربية فإنها من دينكم وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم» (١)
أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
أَيُّهَا الأخوة: خامسًا: ومن أهم وأخطر مظاهر تضييع هوية المسلمة، التفريط والتساهل بالحجاب الشرعي، ومحاولة إخراج المرأة من بيتها بدعوى التحضر والمدنية. والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ (٢)، ويقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ (٣).
قال الشيخ بكر أبوزيد في كتابه حراسة الفضيلة بعدما ساق أدلة الحجاب من القران والسنة والإجماع والقياس: فمما تقدم يَعْلَمُ كلُّ من نوَّر الله بصيرته فرضَ الحجاب على نساء المؤمنين لجميع البدن وما عليه من زينة مكتسبة، بأدلة ظاهرة الدلالة من الوحي المعصوم من القرآن والسنة، وبدلالة القياس الصحيح، والاعتبار الرجيح للقواعد الشرعية العامة، ولذا جرى على موجبه عمل نساء المؤمنين من عصر النبي -ﷺ- إلى يومنا هذا في جزيرة العرب وغيرها من بلاد المسلمين، وأن السفور عن الوجه الذي يشاهد اليوم في عامة أقطار العالم الإسلامي هو بداية ما حل به من الحسور عن كثير من البدن، وعن كل الزينة إلى حدِّ الخلاعة والعري
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٠٧).
(٢) [الأحزاب: ٥٩].
(٣) [الأحزاب: ٣٣].
[ ٢٥٢ ]
والتهتك والتبرج والتفسخ، المسمى في عصرنا بِاسم: السفور، وأن هذا البلاء حادث لم يحصل إلا في بدايات القرن الرابع عشر للهجرة على يد عدد من نصارى العرب والمستغربين من المسلمين، ومن تنصر منهم بعد الإسلام ..
إلى أن قال: لهذا! ! فيجب على المؤمنين الذي مسَّ نساءهم طائف من السفور أو الحسور أو التكشف أن يتقوا الله، فيحجبوا نساءهم بما أمر الله به بالجلباب -العباءة- والخمار، وأن يأخذوا بالأسباب اللازمة لأطرهنَّ وتثبيتهن عليه، لما أوجبه الله على أوليائهن من القيام الذي أساسه: الغيرة الإسلامية، والحميَّة الدينية، ويجب على نساء المؤمنين الاستجابة للحجاب -العباءة- والخمار، طواعية لله ولرسوله -ﷺ- وتأسيًا بأمهات المؤمنين ونسائه، والله ولي الصالحين من عباده وإمائه، وأما التنبيه والتحذير: فيجب على كل مؤمن ومؤمنة بهذا الدين الحذر الشديد من دعوات أعدائه من داخل الصف أو خارجه الرامية إلى التغريب، وإخراج نساء المؤمنين من حجابهن تاجِ العفة والحصانة إلى السفور والتكشف والحسور، ورميهنّ في أحضان الرجال الأجانب عنهن، وأن لا يغتروا ببعض الأقاويل الشاذة، التي تخترق النصوص، وتهدم الأصول، وتنابذ المقاصد الشرعية من طلب العفة والحصانة وحفظهما، وصد عاديات التبرج والسفور والاختلاط، الذي حلَّ بديار القائلين بهذا الشذوذ (١).
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢). * * *
_________________
(١) حراسة الفضيلة (ص ٥٣).
(٢) [الأحزاب: ٥٦].
[ ٢٥٣ ]