بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).
أيها الأخ المؤمن الصادق الموحد المحافظ على صلاتك، المزكي المعرض عن اللغو، الحافظ لفرجك ولسانك الأمين: هذه الجنات العظيمة التي ترثها، وأعدها الله لك ذِكْرُها فقط يبعث على الانشراح، فما بالك بداخلها وساكنها، جعلنا الله جميعًا من أهلها .. فتعال معي نُطّل على شيء من أوصافها، وجمالها وسحرها، وأوصاف أهلها في شيءِ من كلام الله، وكلام رسوله -ﷺ-.
_________________
(١) [المؤمنون: ١ - ١١].
[ ٥٢ ]
قال الله تعالى: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ (١).
وقال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ (٣).
وقال الله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (٤).
وقال الله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (٥).
_________________
(١) [الرعد: ٣٥].
(٢) [محمد: ١٥].
(٣) [الإنسان: ١٤ - ٢٠].
(٤) [الحج: ٢٣].
(٥) [الإِنسان: ٢١]، [الرحمن: ٧٦].
[ ٥٣ ]
وقال الله تعالى: ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ (١).
وقال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (٢).
وقال الله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (٣).
وقال الله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ (٤).
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥).
_________________
(١) [الإِنسان: ١٣].
(٢) [الزخرف: ٧٠ - ٧٣].
(٣) [الرحمن: ٥٦ - ٥٨].
(٤) [الرحمن: ٧٠ - ٧٢].
(٥) [السجدة: ١٧].
[ ٥٤ ]
عن أبي هريرةَ -﵁- قال: قُلْنَا: يا رسولَ الله حدِّثنَا عن الجنةِ ما بناؤُهَا قال: «لَبِنَةٌ ذهبٍ ولبنةٌ فضةٍ، ومِلاطُها المسكُ، وحَصباؤها اللؤلؤُ والياقوتُ، وترابَها الزَعفرانُ، مَنْ يدخلُها ينعمُ ولا يبأسُ، ويخلُدُ ولا يموتُ، لا تَبْلَى ثيابه ولا يَفْنى شبابُه» رواه أحمد، والترمذي (١).
وعن عِتَبةَ بن غزوانَ -﵁- أنه خطَب فحمد الله وأثْنَى عليه، ثم قالَ: «أمَّا بعدُ فإن الدنيا قد آذَنَتْ بِصرْمِ ووَلَّتْ حذَّاءَ ولم يبْقَ منها إلا صُبابةٌ كصُبابةِ الإِناء يصطبُّها صاحبُها، وإنَّكُمْ منتقِلونَ منها إلى دارٍ لا زوالَ لها فانتقلوا بخير ما يَحْضُرَنكُمْ، ولَقَدْ ذُكِرَ لنا أنَّ مِصراعينِ منْ مصاريعِ الجنةِ بيْنَهما مسيرةُ أربعينَ سَنَةً، وليأتِينَّ عليه يومٌ وهو كَظِيظٌ مِنَ الزحامِ» رواه مسلم (٢).
روي عن أسامةَ بن زيدٍ -﵁- أنَّ النبي -ﷺ- قال: «ألا هَلْ من مُشَمِّرٌ إلى الجنةِ، فإنَّ الجنةَ لا خطر لها، هي وَرَبِّ الكعبةِ نورٌ يَتَلأْلأُ وريحانةٌ تَهْتزُّ وقصرٌ مشِيدٌ ونهرٌ مطَّردٌ وثَمَرةٌ نضِيْجَةٌ وزوجةٌ حسناءُ جميلةٌ وحُلَلٌ كثيرةٌ ومُقَامٌ في أبدٍ في دارٍ سليمةٍ وفاكهةٌ وخضرةٌ وحَبْرةٌ ونعمةٌ في مَحَلَّةٍ عاليةٍ بهيَّةٍ»، قالوا: يا رسولَ الله نحن المشمِّرون
_________________
(١) صحيح، صححه الألباني في صحيح ابن حبان (١٦/ ٣٩٦)، وأخرجه أحمد في "المسند" (١٣/ ٤١٠)، والترمذي (٤/ ٦٧٢)، واللفظ لأحمد.
(٢) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٧٨).
[ ٥٥ ]
لها. قال: «قولوا إنْ شاء الله». فقال القوم: إنْ شاء الله»، رواه ابن ماجةَ، وابنُ حبَّانَ في صحيحهِ (١).
وعن أبي سعيدٍ -﵁- أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: «إن أهْلَ الجنةِ يَتراءَوْنَ أهل الغرَفِ فوقَهم كما تَتَراءَوْنَ الكوكبَ الدُّرِّيَّ الغابرَ في الأفُق من المشرق أو المغرب لتفاضلِ ما بيْنَهم». قالوا: يا رسولَ الله تلك مَنازلُ الأنبياءِ لا يبلغُها غيرُهم قال: «بَلَى والَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقُوا المرسلينَ» رواه البخاري (٢).
وعن أبي مالكٍ الأشعريِّ -﵁- أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: «إن في الجنةِ غُرَفًا يُرَى ظاهرُها من باطِنُها وباطنُها مِن ظاهرِها أعَدَّها الله لمَنْ أطْعَمَ الطعامَ وأفشى السلام، وصلَّى بالليلِ والناس نيامٌ» رواه ابن حبان (٣).
وعن أبي موسَى -﵁- أنَّ النبيَّ -ﷺ- قالَ: «إنَّ للمؤمِن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة واحدةٍ مجوفة طولها في السماء ستون ميلًا للمؤمن فيها أهلُون يطوفُ علِيهمْ فلا يَرَى بعضُهم بعضًا» رواه مسلم (٤).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -﵁- أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: «إنَّ أوَّلَ زُمْرَةٍ تدخلُ الجَنةَ على صُورةِ القمر ليلةَ البدْرِ، ثم الذينَ يلونَهُمُ على أشَدِّ نجمِ في السماءِ
_________________
(١) ضعيف؛ ضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" (٢١٩٥)، أخرجه ابن ماجة (٢/ ١٤٤٨)، وابن حبان (١٦/ ٣٨٩).
(٢) صحيح البخاري (٤/ ١١٩).
(٣) حسن، حسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (٦١٨)، وأخرجه ابن حبان (٢/ ٢٦٢).
(٤) صحيح مسلم (٤/ ٢١٨٢).
[ ٥٦ ]
إضاءةً، ثم همْ بعَدَ ذلك منازلُ لا يتَغَوَّطُونَ، ولا يبولُونَ، ولا يمتخِطون، ولا يبصُقون، أمشاطُهُم الذهبُ، ومجامِرُهم الأُلوَّة -يعني: العود الذي يتبخر به-، ورشْحُهمُ المِسْكُ، أخلاقُهم على خَلْقِ رجلٍ واحدٍ على طولِ أبيْهم آدمَ ستُون ذِراعًا» رواه مسلم (١).
وعن أنس -﵁- أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: «لقاب قوسِ أحدِكم أو موضعِ قدمٍ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيهَا، ولَوْ أنَّ امرأةً من نساءِ الجنة اطلعتْ إلى الأرض لأضاءت ما بيْنَهُمَا ولملأت ما بينهما ريحًا ولنَصِيِفُها (يعني الخمارَ) خيرٌ من الدنيا وما فيها» رواه البخاري (٢).
وعن أنس بن مالك -﵁- أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: «إنَّ في الجنة لسُوقًا يأتونَها كُلَّ جمعةٍ فتَهبُّ ريحُ الشَّمالِ فتحثو في وجوهِهِم وثيابِهم فيزدادُونَ حُسنًا وجَمَالًا، فيرجعونَ إلى أهلِيْهمْ فيقولُونَ لهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدَنا حسنًا وجمالًا» رواه مسلم (٣).
وعن أبي هريرةَ -﵁- أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: «قال الله: أعْدَدْتُ لعبادي الصالحينَ مَا لا عَيْنٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطرَ على قلب بَشَر. وأقْرَؤوا إن شئتُم ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤)» متفق عليه (٥).
_________________
(١) صحيح مسلم (٤/ ٢١٧٩).
(٢) صحيح البخاري (٤/ ١٧).
(٣) صحيح مسلم (٤/ ٢١٧٨).
(٤) [السجدة: ١٧].
(٥) متفق عليه؛ البخاري (٤/ ١١٨)، ومسلم (٤/ ٢١٧٤).
[ ٥٧ ]
وعن صُهَيب -﵁- أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: «إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ نادىَ منادٍ يا أهلَ الجنةِ إن لكم عندَ الله مَوْعِدًا يريدُ أن يُنْجِزَكُمُوهُ، فيقولونَ: ما هُو ألَمْ يُثَقِّلْ موازينَنَا ويُبَيِّضْ وجوهَنا ويدخلْنا الجنةَ ويزحْزحْنا عن النار؟ قال: فيكشفُ لهم الحِجَاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحبَّ إليهمْ من النظرِ إليه ولا أقَرَّ لأعينِهم منهُ» رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني (١).
وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ -﵁- _كما في البخاري - أنَّ الله يقول لأهلِ الجنةِ: «أحِلُّ عليكم رضوانِي فلا أسخطُ عليكم بعدَه أبدًا» (٢).
فاللهم إنّا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك ومن النار، أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله:
تلك أوصاف يسيرة من بحر الجنة التي أعدّها الله للمؤمنين، والتي شغلتنا الدنيا وهمومها عن تذاكرها، والعمل لها إلا ما شاء الله، ألا وإنّ من الوسائل والطاعات التي توصل لها في هذا الشهر، كثرة الصيام فيه فقد روى مسلم عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ -﵂- عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ: «كَانَ يَصُومُ
_________________
(١) صحيح؛ صححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ١٥٢)، وأخرجه أحمد (٣١/ ٢٦٦).
(٢) صحيح البخاري (٨/ ١١٤).
[ ٥٨ ]
حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلا قَلِيلا» (١).
* * *
_________________
(١) صحيح مسلم (٢/ ٨١١).
[ ٥٩ ]