من المعلوم أن النظام أو القانون غير الإجراء واللوائح؛ فالنظام أو القانون يكاد يتَّفِق الشُّرَّاحُ بوجهٍ عامٍّ على أنَّه مجموعة القواعد الملزمة، المنظمة لسلوك الأفراد في المجتمع (١)، وحتى يكون النظام موافِقًا للشريعة الإسلامية فيُصبِح مفهومه: "مجموعة القواعد العامة والمجرَّدة التي تُنظِّم سلوك الأفراد والجماعات، ويُلزَمُون بها ولو بالقوة عند الاقتضاء في مجالات مُحدَّدة يضعُها وليُّ الأمر بالدولة المسلمة بما لا يُخالِف الشريعة في شيء".
أمَّا الإجراء فهو وسيلة لتحقيق تلك الأنظمة والقوانين - إن صحَّ التعبيرُ - تُوضَع من صاحب السُّلْطة حسب المصلحة العامة، وأمَّا اللوائح فهي لا تعدو كونها شرحًا أو تفسيرًا لتلك الأنظمة.
وما يُقصَد هنا هو ذات الأنظمة والقواعد التي تشتمل على أحكام مُقرَّرة، وخُصَّت الجنائية لكونها تختصُّ بالعقوبات التي تضبط مسيرة الناس في مجتمعاتهم.
وفي مجال تلك الأحكام قرَّر ابن القيم أنَّ: "الأحكام نوعان: نوع لا يتغيَّر عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة، ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة؛
_________________
(١) المدخل لدراسة القانون؛ د. محمد حسام، ومحمود لطفي، (ص ١٢).
[ ٤٨٨ ]
كوجوب الواجبات، وتحريم المحرَّمات، والحدود المقدَّرة بالشَّرْع على الجرائم، ونحو ذلك، فهذا لا يتطرَّقُ إليه تغييرٌ ولا اجتهاد يخالف ما وُضِعَ عليه، والنوع الثاني: ما يتغيَّر بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالًا، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها؛ فإن الشارع يُنوِّع فيها بحسب المصلحة" (١).
فكثيرٌ من الجرائم والمخالفات والجُنَح دون الحُدُود، تدخُل تحت النوع الثاني، فيُرجَع فيها إلى المصلحة والعُرْف؛ فلذلك كان فقه الشريعة صالحًا لكل زمان ومكان، بل قبل ذلك لربانيَّة مصدره، وعندما يحاول المسؤول سَنَّ نظامٍ مُعيَّنٍ من النوع الثاني أيًّا كان فيُحدِّده، عندها سيجد صعوبةً في ذلك؛ حيث إن الوقائع والأزمنة والأمكنة تختلف! فيكثُر الانتقاد وتوجد الثغرات فيه! ولربما صار هدفُه عكسَ ما وُضِع لأجله، فيعالج أمرًا ويظهر آخر.
صحيحٌ أنَّ هناك ضوابطَ يعرفُها المختصُّون ربما تُخفِّف هذه القضية؛ لكن كُلَّما جُعِلت الواقعة للحاكم أو القاضي نفسه يَحكُم فيها بما يتناسب مع المكان والزمان، كان ذلك أدعى للعدل وأضبط للمجتمع، ولو حصل خلَلٌ أو تبايُنٌ في الأحكام، فالخَلَلُ في تقدير القاضي نفسه، وليس الحل بإنشاء نظامٍ جديد؛ بل الحل في تدقيق الجهة القضائية الاستئنافية للحكم وتقدير العقوبة، وهنا تنتهي القضية، أمَّا لو أُنشئ نظامٌ جديدٌ، فسيحصُل نفس الخَلَل وتكثُر وتترهَّل الأنظمة، بخلاف الآخر، فحتمًا سيجد الجاني عقوبته، ولن يجد ثغراتٍ تُخفِّفُها أو تزيلها عنه.
_________________
(١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (ص ٣٣٠، ٣٣١).
[ ٤٨٩ ]
إذًا فليس من السليم من وجهة نظري كثرة المناداة بسنِّ أنظمة جنائية جديدة، فكُلُّها موجودة في الفقه الإسلامي، ويبقى جهد القاضي - أعانه الله - وما فُتِح له بتقدير العقوبات التي تتناسب مع مكانه وزمانه، وحال القضية ذاتها عكس الإجراءات، فهي التي تتطوَّر مع الوسائل الحديثة، وتُسهِّل للوصول للحُكْم.
* * *
[ ٤٩٠ ]