الحمد لله مُبدِع البدائع، وشارِعِ الشرائِع، أحمدُه وقد أسبَغَ علينا الخير الجزيل، وأسبلَ السترَ الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ آمنَ بربِّه، ورجا العفوَ والغُفرانَ لذنبه، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه وحِزبه، صلاةً وسلامًا دائمَيْن مُمتدَّين إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون:
بالتقوى تحصُل البركة، وتندفعُ الهلَكة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٢).
أَيُّهَا الأخوة: خلق الله -﷿- الأرض ففضّل بعضها على بعض؛ كما فضل أرض الحجاز بمكة والمدينة، وفضّل مكة بحرمها ومسجدها ومشاعرها المقدسة عرفات
_________________
(١) مستفادة من بعض الخطب والمواعظ.
(٢) [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
[ ١٢٢ ]
ومزدلفة ومنى، التي هي مواضع الحج والنسك وتعظيم شعائر الله تعالى، وفضّل المدينة بحرمها ومسجدها وبمسجد قباء وجبل أحد، ووادي العقيق المبارك، وفضّل أرض الشام فباركها، وجعلها موطنا لأنبياء بني إسرائيل، وبارك مسجدها وما حوله، وجعله مسرى نبينا محمد -ﷺ-.
وخلق الله تعالى الزمان ففضّل بعضه على بعض؛ كما فضّل رمضان على سائر الشهور، وفضّل أيام الجمعة وعرفة والنحر على سائر الأيام، وفضّل ليلة القدر على سائر الليالي، وفضّل ثلث الليل الآخر على سائر أجزاء الليل، وفضل ساعة الجمعة على سائر الساعات، وفضل العمل في الليالي العشر الأخيرة من رمضان فاختصها بالاعتكاف والاجتهاد دون سائر الليالي، وهكذا بين الحين والآخر تظلل المسلمين سحابة موسمية عظيمة، تمطر عليهم خيرًا، تُمحى بها الخطايا، وتُغفر بها الزلات، وتُرفع بها الدرجات، وتمتلئ بها صحائف الحسنات، فالكيِّس من تعرَّض لسحائب الرحمة، فنال من خيرها، وأصاب من غيثها، قبل أن ينطفئ نورها، ويخبو أوارها، ومن هذه السحب والمزن الكريمة أيام عشر ذي الحجة إذ فضّل العمل فيها على العمل في غيرها، واختصها بأمهات الأعمال والعبادات والله يخلق ما يشاء ويختار.
وفضّل الذكر فيها والإكثار منه بالذات؛ فقال سبحانه ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (١).
_________________
(١) [الحج: ٢٨].
[ ١٢٣ ]
قال ابن عباس: أيَّام العشر؛ يعني: عَشر ذي الحجَّة، مع يوم عرَفَة والعيد.
وعن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسولُ الله -ﷺ-: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ التَّسْبِيحَ، وَالتَّكْبِيرَ، وَالتَّهْلِيلَ» (أخرجه الطبراني، وهو حديث حسن، وله شواهد) (١).
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مِنَ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟» قَالَ رَجُلٌ مَنِ الْقَوْمِ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ ذَلِكَ» رواه مسلم (٢).
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ»؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: «مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» رواه الترمذي (٣).
وأهل الذكر هم أهل الله، اختصهم برحمته، وامتن عليهم بمغفرته، ومن فضلهم وعلو منزلتهم عند ربهم أن جعلهم القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم حتى
_________________
(١) أخرجه أحمد (٩/ ٣٢٣ - ٥٤٤٦)، والطبراني (١١/ ٨٢)، وغيرهما.
(٢) صحيح مسلم (٦٠١).
(٣) صحيح؛ صححه الألباني في "المشكاة" (٢٢٦٩)، أخرجه الترمذي (٣٣٧٧)، وغيره.
[ ١٢٤ ]
وإن لم يفعل مثلهم، ووالله! إنها كرامة لهم ودليل قربهم من ربهم، عن أبى هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ " قَالَ: «فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» قَالَ: " فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ " قَالَ: " فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ " قَالَ: " فَيَقُولُونَ: لا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ؟ " قَالَ: " فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا " قَالَ: " يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ " قَالَ: «يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ» قَالَ: " يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا " قَالَ: " يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ " قَالَ: " يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا " قَالَ: " يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً "
قَالَ: " فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ " قَالَ: " يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ: فِيهِمْ فُلانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» رواه البخاري (١).
_________________
(١) متفق عليه؛ البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩).
[ ١٢٥ ]
ومن الذكر المستحب في هذه العشر التكبير: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ -﵄- يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا. أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا (١).
والتكبير في هذه العشر على ضربين: تكبير مطلق، وتكبير مقيد.
فالتكبير المطلق: هو أن يكون من أول العشر إلى نهاية أيام التشريق.
وأما المقيد: فيبدأ من بعد صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق على الصحيح، وهو مقيد بأدبار الصلوات المكتوبة.
قال القاضي أبو يعلى: "التكبير في الأضحى مطلق ومقيد، فالمقيد: عقيب الصلوات، والمطلق: في كل حال، في الأسواق وفي كل زمان" المغني (٢).
أما صيغ التكبير فلم يثبت عن النبي -ﷺ- صيغة معينة في التكبير، وإنما ثبت عن صحابته -﵃- في ذلك عدة صيغ منها:
منها: قول: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيرًا".
وقول: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وللَّهِ الحمدُ".
وقول: "اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ وأجَلُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وللَّهِ الحمدُ".
_________________
(١) صحيح البخاري (٢/ ٢٠).
(٢) المغني لابن قدامة (٢/ ٢٧٣).
[ ١٢٦ ]
أَيُّهَا الأخوة: وأما حال السلف في هذه العشر فهي حال عجيبة تستدعي أن نقف عندها ونحاول التأسي بهم؛ فقد كانوا يجتهدون فيها اجتهادًا عظيمًا.
فهذا سعيد بن جبير: "كان إذا دخلت أيام العشر اجتهد اجتهادًا شديدًا، حتى ما يكاد يقدر عليه" سنن الدارمي (١). وكان يقول: "لا تُطْفِئُوا سُرُجَكُم لَيَالِيَ العَشْرِ -تُعْجِبُهُ العِبَادَةُ- وَيَقُوْل: أَيْقِظُوا خَدَمَكُم يَتَسَحَّرُوْنَ لِصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ" سير أعلام النبلاء (٢).
وقال عبد الله بن عون: "كان محمد بن سيرين يصوم العشر، عشر ذي الحجة كلها" مصنف ابن أبي شيبة (٣).
وقال ليث بن أبي سليم: "كان مجاهد يصوم العشر". مصنف ابن أبي شيبة (٤)
وعن الأوزاعي قال: "بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله، يصام نهارها، ويحرس ليلها، إلا أن يختص امرؤ بشهادة" شعب الإيمان (٥).
وعن أنس بن مالك -﵁- قال: "كان يقال في أيام العشر: بكل يوم ألف يوم، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم قال - يعني في الفضل" (٦).
_________________
(١) حسن؛ حسنه الألباني في "صحيح الترغيب" (١١٤٨)، أخرجه الدامي (١٨١٥).
(٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٢٦).
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٣٠٠).
(٤) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٣٠٠).
(٥) ضعيف؛ ضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب" (٧٣٧) شعب الإيمان (٣/ ٣٥٥).
(٦) ضعيف؛ ضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب" (٧٣٦)، شعب الإيمان (٣/ ٣٥٨).
[ ١٢٧ ]
وكان محمد بن سيرين يصوم العشر عشر ذي الحجة كله فإذا مضى العشر ومضت أيام التشريق أفطر تسعة أيام مثل ما صام (١)
وكان مجاهد يصوم العشر، قال: وكان عطاء يتكلفها" مصنف ابن أبي شيبة (٢).
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
أقول قولي هذا وأستغفر الله ..
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي لا خيرَ إلا منه، ولا فضلَ إلا من لدُنه، ولا اعتمادَ إلا عليه، ولا ملجأَ ولا منجا منه إلا إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سميعٌ لراجِيه، قريبٌ ممن يُناجِيه، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبدُه ورسوله ونبيُّه، وصفيُه ونجِيُّه، ووليُّه ورضِيُّه، وأمينُه على وحيِه، وخِيرتُه من خلقِه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فيا عباد الله اتقوا الله، فإن تقواه أفضلُ مُكتسَب، وطاعتَه أعلى نسَب، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣)
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٣٠٠).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٣٠٠).
(٣) [آل عمران: ١٠٢].
[ ١٢٨ ]
ومن العشر المباركة يوم التاسع منها وهو يوم عرفه: فعن أبي قتادة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» رواه مسلم (١).
وهذا إنما يستحب لغير الحاج، أما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة؛ لأن النبي -ﷺ- ترك صومه، وروي عنه أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.
وعن عائشة -﵂- قالت: إن رسول الله -ﷺ- قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» رواه مسلم (٢).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» رواه الترمذي (٣).
نظر الفضيل بن عياض إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجلٍ فسألوه دانقًا -وهو مبلغ ضئيل من المال- فهل كان يردهم؟ قالوا: لا. فقال: واللهِ لَلمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق! .
_________________
(١) صحيح مسلم (١١٦٢).
(٢) صحيح مسلم (١٣٤٨).
(٣) حسن؛ حسنه الألباني في "المشكاة" (٢٥٩٨) أخرجه الترمذي (٣٥٨٥)، وغيره.
[ ١٢٩ ]
وقد ثبت عن بعض السلف أنهم أجازوا " التعريف " وهو الاجتماع في المساجد للدعاء وذكر الله يوم عرفة، وممن فعله ابن عباس -﵄-، وأجازه الإمام أحمد وإن لم يكن يفعله هو.
قال ابن قدامة:
"قال القاضي: ولا بأس بـ " التعريف " عشية عرفة بالأمصار (أي: بغير عرفة)، وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله - أي: الإمام أحمد - عن التعريف في الأمصار يجتمعون في المساجد يوم عرفة، قال: " أرجو أن لا يكون به بأس قد فعله غير واحد" انتهى المغني (١).
فيا من يطمع في العتق من النار، لا تحل بينك وبين رحمة ربك بالإصرار على الآثام والأوزار، في مثل هذه الأيام الفاضلة المصطفاة، تالله ما نصحتَ نفسك، أوبقت نفسك بجليل المعاصي والآثام، وأبيت التوبة والإنابة، فإذا حُرمْتَ المغفرة قلتَ أنَّى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم.
لقد لهونا كثيرًا، وعصينا عصيانًا كبيرًا.
لَهَوْنا لَعَمْرُ اللهِ! حتَّى تتابَعَتْ ذُنوبٌ على آثارِهِنَّ ذنوبُ
_________________
(١) المغني لابن قدامة (٢/ ٢٩٦).
[ ١٣٠ ]
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).
* * *
_________________
(١) [الأحزاب: ٥٦].
[ ١٣١ ]