إنَّ الحمد لله ..
«اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهْوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ»؛ رواه البخاري (١).
قال ابن عبد البر:
هذه الشكوى بلسان المقال، وقال القاضي عياض: إنه الأظهر،
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا إِحَالَة فِي حمل اللَّفْظ على الْحَقِيقَة لِأَن الْمخبر الصَّادِق بِأَمْر جَائِز لَا يحْتَاج إِلَى تَأْوِيله فَحَمله على حَقِيقَته أولى، وَقَالَ النَّوَوِيّ: نَحْو ذَلِك، ثمَّ قَالَ حمله على حَقِيقَته هُوَ الصَّوَاب، وتنفسها على الحقيقة (٢).
_________________
(١) متفق عليه؛ البخاري (٥٣٧)، ومسلم (٦١٧).
(٢) عمدة القاري للعيني (٥/ ٦٩).
[ ٢٥٩ ]
والمراد "بالزَّمْهَرِيرِ": شدة البرد، ولا إشكال من وجوده في النار ففيها طبقة زمهريرية نسأل الله العافية
أَيُّهَا الأحبة: لذا كان من تمام نعيمِ أهلِ الجنة - جعلني الله وإياكم من أهلها - أنهم وُقوا أذى الحر والبر، كما قال سبحانه: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ (١)، بعكس أهل النار - أجارني الله وإياكم منها - الذين يتنوع العذاب في حقهم، حتى يجمع لهم بين الطعام الحار جدًا، والبارد جدًا، ولئن كان هذا مؤذيًا في الدنيا، فما ظنك به في الآخرة؟ ! (٢).
قال الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ (٣).
قال ابن عباس -﵄-: الغساق: الزمهرير البارد الذي يحرق من برده وقال مجاهد: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده (٤).
أَيُّهَا الأخوة: قد ينزعج بعض الناس من برودة الشتاء كما يتضايق البعض من حر الصيف، وفي كلٍ منهما وفي تقلب الأحوال عمومًا مصالح وحكم.
_________________
(١) [الإنسان: ١٣].
(٢) مختصر من عبودية الشتاء لد عمر القبل.
(٣) [النبأ: ٢٤، ٢٥].
(٤) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣٣٣).
[ ٢٦٠ ]
قال العلامة ابن القيم:
ثمَّ تَأمل بعد ذَلِك أحوال هَذِه الشَّمْس فِي انخفاضها وارتفاعها لإقامة هَذِه الأزمنة، والفصول وَمَا فِيهَا من الْمصَالح وَالْحكم إِذْ لَو كَانَ الزَّمَان كُله فصلًا وَاحِدًا لفاتت مصَالح الْفُصُول الْبَاقِيَة فِيهِ فَلَو كَانَ صيفًا كُله لفاتت مَنَافِع مصَالح الشتَاء وَلَو كَانَ شتاء لفاتت مصَالح الصَّيف وَكَذَلِكَ لَو كَانَ ربيعًا كُله اوْ خَرِيفًا كُله (١).
ثم بدأ يذكر بعض فوائد البرد ودخول فصل الشتاء فقال: فَفِي الشتَاء تغور الْحَرَارَة فِي الاجواف وبطون الارض وَالْجِبَال فتتولد مواد الثِّمَار وَغَيرهَا، وتبرد الظَّوَاهِر ويستكثف فِيهِ الْهَوَاء، فَيحصل السَّحَاب والمطر والثلج وَالْبرد الَّذِي بِهِ حَيَاة الأرض وَأَهْلهَا، واشتداد أبدان الْحَيَوَان وقوتها، وتزايد القوى الطبيعية، واستخلاف مَا حللته حرارة الصَّيف من الأبدان، وَفِي الرّبيع تتحرك الطبائع، وَتظهر الْموَاد المتولدة فِي الشتَاء، فَيظْهر النَّبَات ويتنور الشّجر بالزهر، ويتحرك الْحَيَوَان للتناسل، وَفِي الصَّيف يحتد الْهَوَاء ويسخن جدًا فتنضج الثِّمَار وتنحل فضلات الأبدان، والأخلاط الَّتِي انْعَقَدت فِي الشتَاء، وتغور الْبُرُودَة وتهرب إلى الأجواف، وَلِهَذَا تبرد الْعُيُون والآبار، وَلَا تهضم الْمعدة الطَّعَام الَّتِي كَانَت تهضمه فِي الشتَاء من الأطعمة الغليظة لأنها كَانَت تهضمها بالحرارة الَّتِي سكنت فِي الْبُطُون، فَلَمَّا جَاءَ الصَّيف خرجت الْحَرَارَة إلى ظَاهر الْجَسَد وَغَارَتْ الْبُرُودَة فِيهِ فَإِذا جَاءَ الخريف اعتدل الزَّمَان وَصفا الْهَوَاء وَبرد
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (١/ ٢٠٨).
[ ٢٦١ ]
فانكسر ذَلِك السمُوم وَجعله الله بِحِكْمَتِهِ برزخًا بَين سموم الصَّيف وَبرد الشتَاء (١) انتهى كلامه.
أَيُّهَا الأحبة: هذا الشتاء القارس، والبرد الشديد، ابتلاء من الله تعالى لفقراء المسلمين؛ إذ يعالجون الجوع والبرد مع قلة ذات اليد، وهو ابتلاء لأغنياء المسلمين أيسدون حاجة إخوانهم الفقراء، فيطعمونهم من جوع، ويدفئونهم من برد، ويكنونهم من عراء؟ !
كَانَ أُوَيْسُ بنُ عَامِرٍ: "إِذَا أَمْسَى تصدَّق بِمَا فِي بَيْتِهِ مِنَ الفَضْلِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ مَنْ مَاتَ جُوْعًا فَلا تُؤَاخِذْنِي بِهِ، وَمَنْ مَاتَ عُرْيًا فَلا تُؤَاخِذْنِي بِهِ" (٢).
وفي ليلة شاتية تصدق محمد بن عبدوس المالكي بقيمة غلة بستانه كلها-وكانت مئة دينار ذهبي- وقال: ما نمت الليلة غمًَّا لفقراء أمة محمد -ﷺ-.
والعاصفة الثلجية التي نرى شيئًا من أثرها، ونُحِسُّ بعض صقيعها وتخيّم في بلاد الشام، وضاعفت معاناة إخواننا اللاجئين في تركيا ولبنان والأردن؛ إذا فرش الجليد أرضهم، وغطت الثلوج خيامهم، والبرد يفترس أجسادهم وأجساد أطفالهم،
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (١/ ٢٠٨).
(٢) الحلية (تهذيبه) (١/ ٣٠٠).
[ ٢٦٢ ]
ولا طعام يكفي ليمنح الدفء والقوة، ولا كساء أو غطاء يخفف البرد، إلا شيئًا قليلًا يبقي على الحياة، ويجعلها عذابًا عليهم، وكم يموت من أطفالهم من شدة البرد.
يقول أحد أطفالهم مستنجدًا بالمسلمين: كنت لا أنام من صوت القصف، وأنا الآن لا أنام من شدة البرد .. هربوا من الرصاص فماتوا بالبرد، وأكثر أمراض الأطفال في الملاجئ هي أمراض البرد والجوع، وأما في داخل سوريا فخوف وجوع وبرد (١).
فمَنْ الموفق .. الذي يبدأ بتلمس حاجات المعوزين - الذين اجتمع عليهم برد الشتاء وغلاء الأسعار - ويعبر أوضح التعبير عن خيرية المجتمع الذي يتفقد أحوال الضعفاء فيه؟ !
ومن الموفق .. الذي يجتهد ألا يمضي عليه هذا الفصل إلا وقد ساهم بتدفئة مسلم، أو إطعامه من جوع .. هنا أو هناك حيث يبعثها المنادي؟ ! إن أجر ذلك عند الله لعظيم.
خرج صفوانُ بن سليم - أحد أئمة التابعين، وأحد شيوخ الإمام مالك -﵏- جميعًا خرج في ليلة باردة في المدينة من المسجد، فرأى رجلًا عاريًا، فنزع ثوبه وكساه
_________________
(١) مختصر العواصف الثلجية للدكتور: إبراهيم الحقيل.
[ ٢٦٣ ]
إياه، فرأى بعض أهل الشام في منامه أن صفوان بن سليم دخل الجنة بقميصٍ كَساه، فقدم المدينة فقال: دلوني على صفوان فأتاه فقص عليه ما رأى (١).
ويكفي المؤمن حاديًا لعملٍ كهذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
ومن مواطن الشكر في تقليب الليل والنهار، وفي فصل الشتاء بالذات: صيام ما أمكن من الأيام التي جاءت السنة ببيان فضلها، ومحاولة تخصيص جزء من الليل بالقيام ولو كان يسيرًا
عَنْ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «الغَنِيمَةُ البَارِدَةُ الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ» (٣).
وفي المسند: «الشِّتَاءُ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِ» (٤).
قال بعض أهل العلم: "إنما كان الشتاء ربيع المؤمن، لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات، وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه، كما
_________________
(١) عبودية الشتاء للدكتور عمر المقبل.
(٢) [المزمل: ٢٠].
(٣) ضعيف؛ ضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (٣٩٤٣)، أخرجه الترمذي (٧٩٧)، وأحمد (٣١/ ٢٩٠)، وغيرهما.
(٤) ضعيف؛ ضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (٣٤٢٩)، أخرجه أحمد (١٨/ ٢٤٥) من حديث أبي سعيد.
[ ٢٦٤ ]
ترتع البهائم في مرعى الربيع، فتسمن وتصلح أجسادها، فكذلك يصلح دين المؤمن في الشتاء، بما يسر الله فيه من الطاعات، فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة، ولا كلفة تحصل له من جوع ولا عطش".
وأما قيام ليل الشتاء، فلطوله يمكن أن تأخذ النفس حظها من النوم ثم تقوم بعد ذلك إلى الصلاة، فيقرأ المصلي ورده كله من القرآن، وقد أخذت نفسه حظها من النوم فيجتمع له فيه نومه المحتاج إليه، مع إدراك ورده من القرآن فيكمل له مصلحة دينه وراحة بدنه" (١).
رزقني الله وإياكم الفقه في الدين وجعني وإياكم من أهل العبادة والذكر والشكر أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله:
أَيُّهَا الأخوة: ومن الأحكام التي يحتاجها الناس والمتعلقة بالشتاء غالبًا: مسألة المسح على الجوربين، وقد تواترت السنة الصحيحة عن رسول الله -ﷺ- بالمسح على الخفين.
_________________
(١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣٢٦)
[ ٢٦٥ ]
يقول الإمام أحمد: "ليس في قلبي من المسح على الخفين شيء، فيه أربعون حديثًا عن رسول الله -ﷺ- " (١).
قال الإمام ابن القيم:
"صح عنه -ﷺ- أنه مسح في الحضر والسفر، ولم ينسخ ذلك حتى توفي، ووقّت للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن في عدة أحاديث حسان وصحاح، وكان -ﷺ- يمسح ظاهر الخفين، ولم يصح عنه مسح أسفلهما، ومسح على الجوربين والنعلين .. ثم قال: .. ولم يكن يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه بل إن كانتا في الخف مسح عليهما ولم ينزعهما، وإن كانتا مكشوفتين غسل القدمين ولم يلبس الخف ليمسح عليه" (٢) انتهى كلامه.
ولا بد للماسح على خفيه أن يكون قد أدخلهما على طهارة، وكيفية المسح أن يبل يديه بالماء، ثم يمرّهما على ظهر الخفين من أطرافهما مما يلي الأصابع إلى الساق مرة واحدة، ولو مسح اليمنى على اليمنى، واليسرى على اليسرى، فهذا حسن، ولو مسح كليهما بيده اليمنى فلا حرج في ذلك إن شاء الله.
وتبدأ مدة المسح من أول مسحة مسحها بعد لبس على الصحيح، وليس الابتداء من الحدث بعد اللبس كما قال به بعض الحنابلة، فإذا لبس الإنسان الجورب
_________________
(١) الإعلام بشرح سنته -﵇- لمغلطاي (ص: ٦٢٣)، وانظر المغني (١/ ١٦٤).
(٢) زاد المعاد (٤/ ١٩٤).
[ ٢٦٦ ]
لصلاة الفجر ولم يمسح عليهما أول مرة إلا لصلاة الظهر فابتداء المدة من الوقت الذي مسح فيه لصلاة الظهر فيمسح المقيم إلى مثل ذلك الوقت من الغد" (١).
وإذا كان إسباغ الوضوء إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد مما يرفع الله به الدرجات، ويمحو به الخطايا، فكذلك يعظم الأجر في أوقات مثل الشتاء، وبشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة.
* * *
_________________
(١) راجع الممتع ١/ ٢٢٢ وما بعدها.
[ ٢٦٧ ]