إنَّ الحمد لله ..
أما بعد:
فيا عباد الله: ربط الله تعالى تحقيق التقوى بأولي الألباب، فقال جل ذكره: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢) .. وفي آية أخرى جعلها وصية للأولين والآخرين .. ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٣).
١ - بل أوضحَ سبحانه أن كُلَّ هذا لأجلنا - والله تعالى غني عنّا - ولذا قال في تتمة الآية ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ .. فليسأل كُلٌّ منَّا نفسَه هل حقق التقوى .. ! !؟ التقوى التي تجمعُ محبةَ الله والخوفَ منه ورجاءَه! !
_________________
(١) مستفادة من عدة كتب وخطب ومواعظ.
(٢) [البقرة: ١٩٧].
(٣) [النساء: ١٣١].
[ ١٨٨ ]
والأيامُ تسرعُ بنا إلى لقاءِ ربِّنا، فتُقَرِّبُ كلَّ بعيد، وتُفني كلَّ جديد، ولا يبتدئُ عامٌ إلا وينتهي، وها هو ذا رمضان مرَّ في لمح البصر، وأعقبه الحج ثم مضى سريعًا وينتهي به العام الهجري؛ فيخلفه عام جديد، وبالأمس أُغلقت المدارسُ وغدًا تُفتحُ، وهكذا تمضي الأيامُ بالعمر، حتى يبلُغَ الأجلُ، والحازمُ من استودع في أيامه ولياليه عملًا صالحًا ينفعُه، وادخرَّ في عمره ما تكون به نجاته، والمخذول من يأكلُ ويشربُ ويلهو، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ يَوْمِهِ وَأَمْسِهِ، ولا يعتبرُ بما مضى من عمرِهِ؛ ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (١).
أَيُّهَا الأخوة: حالةٌ تصيبُ كثيرينَ منّا بعد مواسمِ الطاعاتِ فبَعدَ الهمةِ العاليةِ، والإقبالِ على الله يبدأ بضعفٍ وقصورٍ، فيتعثرُ ممشاه ويبدأ ضوؤه بالانحسار ربما يكون طبعيًا في بدايته لكن المصيبةَ إذا استَمَّر هذا الضعفُ والتكاسلُ
الفتورُ عن الطاعة لم يسلم منه حتى بعضُ الصالحين .. بل هو مدخلٌ من مداخلِ الشيطانِ إليهم، بل إن نَفَس الشيطانِ فيه طويلٌ، وكيدَه في الإصابةِ به متنوع، حتى يقتنعَ صاحبُه أنه فيه على حق، وأنه كان على خطأ أو تطرف.
وهذا الداءُ قد يَتقَمَّصُ في نفس المصاب به شخصيةً أخرى، وهي الكآبةُ أحيانًا أو الحيرةُ، أو الخوفُ، أو الانطواءُ أو نحو ذلك .. وما ذاك إلا لأن العبد
_________________
(١) [الشعراء: ٢٠٥، ٢٠٦].
[ ١٨٩ ]
الصالح المداوم على الطاعة غرضٌ كم تمنى الشيطان أن يصيبَه بسهمه المسموم؟ ! !، ليرديه قتيلَ الضعفِ الممقوت، والانتكاسةِ المهينة.
ولكن ما أهونَ هذا الشيطان، وما أقلَّ حيلته، وما أضعفَ كيده إذا واجهه المؤمن بسلاحِ الإيمان المضَّاء! !، ونورهِ الوضَّاء! ! فراجع أسبابَ ضعفَ إيمانه، ونظرَ في عللَ فتورِه وتقصيرِه، واتخذَّ من أسبابِ الثبات على دينه ما ينصرُه على الشيطان في هذا الصراع العنيف .. فمن فقهِ العبد كما قال أبو الدرداء: أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم: أيزداد هو أم ينتقِص؟ اهـ ..
فضعف الإيمان في القلب من أخطر أسباب الفتور: لأنه وَرَدَ عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: "القلبُ مَلِكُ الأعضاء، والجوارحُ جنودُه ورعاياه، فإن طابَ الملك طابت الجنودُ والرعايا، وإن خَبُثَ الملك خبثت الجنودُ والرعايا".
قال عبد الله بن مسعود -﵁-: "اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر - أي العلم - وفي أوقات الخلوة".اهـ
ويقول شيخ الإسلام: "إِذَا لَمْ تَجِدْ لِلْعَمَلِ حَلَاوَةً فِي قَلْبِكَ وَانْشِرَاحًا، فَاتَّهِمُهُ، فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى شَكُورٌ. يَعْنِي أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُثِيبَ الْعَامِلَ عَلَى عَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ حَلَاوَةٍ يَجِدُهَا فِي قَلْبِهِ، وَقُوَّةِ انْشِرَاحٍ وَقُرَّةِ عَيْنٍ. فَحَيْثُ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ فَعَمَلُهُ مَدْخُولٌ" (١). اهـ
_________________
(١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٦٨).
[ ١٩٠ ]
وانتبه من ضعفِ الإرادة والهمةِ، وإن ضعفت فتعاهدها بالتدريب ولو بشيءٍ يسير يوميًا يكبر شيئًا فشيئًا ..
قال ابن القيم: "اعلم أن العبدَ إنما يقطع منازلَ السيرِ إلى الله تعالى بقلبه وهمتِه لا ببدنه، فالتقوى في الحقيقة تقوى القلب لا تقوى الجوارح .. قال - جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (١)، فهداية القلب ثمرةٌ للإيمان، ولو هدى الله قلبك استقامت جوارحك كلها على الطاعة ..
ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
ولم أر في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام
وقال جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (٢).
قال ابن القيم: "فالسابقون في الآخرة إلى الرضوان والجنات هم السابقون في الدنيا إلى الخيرات والطاعات، فعلى قدر السبق هنا يكون السبق هناك "اهـ
أَيُّهَا الأخوة: ومن أخطرِ ما يديمُ الفتورَ: الاستهانةُ بصغائرِ الذنوب، والنبي -ﷺ- يقول: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ» (٣)،
_________________
(١) [التغابن: ١١].
(٢) [الواقعة: ١٠ - ١٤].
(٣) حسن؛ حسنه الألباني في "صحيح الجامع" (٢٦٨٧)، أخرجه أحمد (٦/ ٣٦٧ - ٣٨١٨).
[ ١٩١ ]
بل وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود -﵁- قال: «إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ» فَقَالَ بِهِ هَكَذَا (١).
قال ابن عباس -﵄-: "إن للحسنة نورًا في القلب، وزينًا في الوجه، وقوةً في البدن، وسعةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة ظلمةً في القلب، وشينًا في الوجه، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق" (٢).
قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٣)، أي: محبةً ومكانةً في قلوبِ عباده المؤمنين.
يتشعب الفتور بالنفس عندما تصاحب ذوي الهم الضعيفة والإرادات الدنيئة الدنية، فمن الناسِ مَنْ تُذَكِّرُكَ وجوهُهُم بالمعاصي، وتستثيرُ كلماتهُم شهواتُك الكامنة، وتحرِّكُ كلماتُهم ووجوههُم وكلماتُهم غرائِزُك الهاجعة، فإياك أن تصحبَ هؤلاء فهم والله الداءُ بعينه .. ! !
وكما قيل: انْجُ بنفسك واضربْ مع أهلِ كل عبوديةٍ بسهم، بمعنى: اصحب أهل الصلاح، واضرب معهم بسيف واصحب أهل الإنفاق، واضرب معهم بسهم، واصحب أهل القيام واضرب معهم بسهم، واصحب أهل الذكر واضرب معهم بسهم.
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٣٠٨).
(٢) ذكره ابن القيم في روضة المحبين (ص ٤٤١ (.
(٣) [مريم: ٩٦].
[ ١٩٢ ]
وفي الحديث: «لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» (١)
نعم لأنك إذا رأيت الموفقين سبقوك احتقرت نفسك وسارعت الخطى لتلحق بالركب .. وإن من أعظم البيئاتِ التي يتجدد فيها إيمانُك مجالس العلم، قال جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٢)، وقال جل وعلا: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، ومثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، وأولو الألباب هم من يعون هذا .. !
إن القصدَ والاعتدالَ في الطاعات بلا إفراطٍ أو تفريط من خيرِ ما يُعين على دفعِ الفتورِ بل والمسارعة في الخيرات ألم يقل النبي -ﷺ- للثلاثةِ الذين قَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ-؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ،
_________________
(١) حسن؛ حسنه الألباني في "صحيح الجامع" (٧٣٤١)، أخرجه أبو داود (٤٨٣٢)، والترمذي (٢٣٩٥)، وغيرهما.
(٢) [المجادلة: ١١].
(٣) [الزمر: ٩].
[ ١٩٣ ]
وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (١)، وقال أيضًا -ﷺ-: «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» (٢)، وفي رواية: «فَلْيَرْقُدْ» (٣).
ابدأ بالأسهل فالأسهل حتى يفتح الله لك أبوابًا من الطاعة
قالت عائشة -﵄- في الصحيح: إن أول ما أُنزل من القرآن سورة فيها ذكر للجنة والنار، حتى إذا تاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، لا تزنوا لا تشربوا الخمر، تقول: ولو نزل أول ما نزل: لا تشربوا الخمر ولا تزنوا لقالوا لا ندع الخمر ولا الزنا أبدا .. (٤).
واجعل لنفسك وردًا من القران والأذكار الواردة والنوافل: فإن لها تأثيرا عجيبًا في الثباتِ مع المحافظة على الصلوات في جماعة، ولنتأمل هذه الآية التي وردت في قصة شعيب مع قومه الذين قالوا له: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (٥)؟ ! .
فهم مع كفرهم يدركون أن للصلاة تأثيرًا على استقامة سلوك الإنسان وتوحيده بل حتى في معاملاته المالية!
_________________
(١) متفق عليه؛ البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١).
(٢) متفق عليه؛ البخاري (١١٥٠)، ومسلم (٢١٩).
(٣) المعجم الأوسط للطبراني (٨٨٩٠).
(٤) جزء من حديث في صحيح البخاري (٤٩٩٣).
(٥) [هود: ٨٧].
[ ١٩٤ ]
ويقول الله جل شأنه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ (١).
عليك بالمداومة على الاستغفار في السحر ولو شيئًا يسيرًا حتى تكتب عند الله من المستغفرين بالأسحار، مع التذلل والتضرع والدعاءِ لربِ الأرض والسماء، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» رواه البخاري (٢).
جعلنا الله وإياكم من أوليائه .. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه ..
الخطبة الثانية:
الحمد لله:
أيها الأخوة: سُرْعَانَ ما يَبْطُلُ العملُ إذا كان لغيرِ الله .. فآآهٍ ثم آآآهٍ على أعمالٍ ضاعت قُصد بها غيرُ وجهِ الله .. والله يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ (٣) بل وقال لنبيه -ﷺ-:
_________________
(١) [العنكبوت: ٤٥].
(٢) صحيح البخاري (٦٥٠٢).
(٣) [آل عمران: ١٤٥].
[ ١٩٥ ]
﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (١)،
بل الأمرُ أعظم من ذلك فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال -ﷺ- «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» رواه مسلم (٢).
رزقنا الله الإخلاص في القول والعمل، وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته ..
* * *
_________________
(١) [النجم: ٢٩] ..
(٢) صحيح مسلم (١٩٠٥).
[ ١٩٦ ]