إنَّ الحمد لله ..
قال ابن القيم: "القلبُ في سيره إلى الله -﷿- بمنزلة الطَّائر، فالمحبَّة رأسه، والخوف والرَّجاء جناحاه، فمتى سلِم الرَّأس والجناحان، فالطائر جيِّدُ الطيران، ومتى قطع الرأس، مات الطائر، ومتى فقد الجناحان، فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر" (١).
والكثير منّا - أَيُّهَا الأخوة - يعبد الله تعالى بعبادة الخوف والرجاء، ولكن قد يغفل أساسًا مهمًا؛ وهي عبادة المحبة لله تعالى، فلا يكمل إيمان، ولا يتم إلا بعبادة حب الله تعالى، فمحبَّةُ الله - سبحانه - شأنُها غيرُ الشأن، فإنه لا شيءَ أحبُّ إلى القلوبِ من خالقِها وفاطِرها، فهو إلهها ومعبُودُها ووليُّها ومولاها وربُّها ومُدبِّرُها ورازِقُها، ومُميتُها ومُحيِيها، فمحبَّتُه نعيمُ النفوس، وحياةُ الأرواح، وسُرورُ النفس، وقُوتُ القلوب، ونورُ العقول، وقُرَّةُ العيون، وعمارةُ الباطن (٢).
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٥١٤).
(٢) من خطبة للشيخ عبدالباري الثبيتي بعنوان محبة الله والأسباب الجالبة لها.
[ ٣٨ ]
في الصحيح عن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (١).
قال يحيى بن مُعاذ: "عفوُه يستغرِقُ الذنوبَ، فكيف رِضوانُه؟ ورِضوانُه يستغرِقُ الآمال؛ فكيف حُبُّه؟ وحبُّه يُدهِشُ العقول؛ فكيف ودُّه؟ وودُّه يُنسِي ما دُونَه؛ فكيف لُطفُه؟ " (٢).
عبادةُ الرحمن غَايَةُ حُبِّهِ مع ذُلِّ عابده هما قُطْبَانِ
وعليهما فلك العبادة دائرٌ ما دار حتى قامت القطبانِ
ومداره بالأمر أمرِ رسول لا بالهوى، والنفسِ، والشيطانِ
هذه هي العبادة، وهي الألوهية. والإله: هو الذي تألهه القلوب .. محبةً، وخوفًا، وخضوعًا.
ويفسرون العبادة بأنها: غاية الحب مع غاية الذل، أن يكون محبًا لله تعالى، ومتذللًا بين يديه، غاية الحب مع غاية الذل .. (٣).
أي والله ما أعظمَه من شرف أن تعبدَ الله بغاية حبّه سبحانه وغايةِ الذّل والخضوع والتسليم له، لكن كيف الوصول إلى ذلك؟ ! .. اسمع إلى ما يقوله جلّ وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٤).
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٦٧ - ٤٤).
(٢) أورده الغزالي في الإحياء (٤/ ٢٩٦).
(٣) شرح نونية ابن القيّم - حقيقة الألوهية للشيخ ابن جبرين من موقعه: http://ibn-jebreen.com/books/7 - ٨٠ - -٤٧٨٣ - .html
(٤) [آل عمران: ٣١]
[ ٣٩ ]
ولنطرق أسماعنا لهذا الحديث العظيم أيضًا: في الصحيح عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (١).
نعم يكمل الشعور بحلاوة الإيمان عندما يتأصل حب الله تعالى ثم حب رسوله -ﷺ- في نفسك وذلك لا يكون إلا بالاتباع والطاعة والتسليم والرضا بشريعة رب العالمين، وعدم الاعتراض عليها ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٢)، ويكون أيضًا بعدم مساواة محبة المخلوقين لحب الله تعالى. قال جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ (٣).
ما أحسنَ اتصال هذه الآية بما قبلها، فإنه تعالى لما بيَّن وحدانيته وأدلتها القاطعة، وبراهينها الساطعةَ الموصلةَ إلى علم اليقين، المزيلةَ لكلِّ شكٍ، ذكر هنا أن ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ مع هذا البيان التام من يتخذ من المخلوقين أندادًا لله أي: نظراء ومثلاء، يساويهم في الله بالعبادة والمحبة، والتعظيم والطاعة، ومن كان بهذه الحالة -
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ١٢ - ١٦).
(٢) [الأحزاب: ٣٦].
(٣) [البقرة: ١٦٥].
[ ٤٠ ]
بعد إقامة الحجة، وبيان التوحيد - عُلِمَ أنه معاند لله، مشاق له، أو معرض عن تدبر آياته والتفكر في مخلوقاته، فليس له أدنى عذر في ذلك، بل قد حقت عليه كلمة العذاب (١).
أَيُّهَا الأخوة: وثمة لفتةٌ مهمةٌ يجب أن تُذكر هنا: تؤّصل أنّ محبة الله تعالى ليست ادعاءً فقط، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢).
هذه الآية الكريمة أعظمُ دليل على وجوب محبة الله ورسوله -ﷺ-، وعلى تقديمها على محبة كل شيء، وعلى الوعيد الشديد والمقت الأكيد، على من كان شيء من هذه المذكورات أحب إليه من الله ورسوله، وجهاد في سبيله.
وعلامة ذلك: أنه إذا عُرض عليه أمران، أحدهما يحبه الله ورسوله -ﷺ-، وليس لنفسه فيها هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه، ولكنه يُفَوِّتُ عليه محبوبًا لله ورسوله -ﷺ-، أو ينقصه، فإنه إن قدم ما تهواه نفسه على ما يحبه الله، دلَّ ذلك على أنه ظالم، تارك لما يجب عليه (٣).
_________________
(١) تفسير السعدي (١/ ٧٩).
(٢) [التوبة: ٢٤].
(٣) تفسير السعدي (١/ ٣٣٢).
[ ٤١ ]
أين من يؤثرون الفرش والنوم على الصلوات؟ وأين من يؤثرون اللهو والأصدقاء على طاعة الآباء والأمهات؟ وأين من يضيّعون المواسم العظيمة بما لا يرضي الله تعالى؟ ! ! من هذا الكلام ..
أَيُّهَا الأحبة: قد أحصيتُ الآيات التي صرَّحت بصفات من يحبهم الله جلّ وعلا، وبصفات من لا يحبهم سبحانه فوجدتُها حوالي خمسين آية .. فالله تعالى يحب المتقين والمحسنين والتوابين والمتطهرين والمطهرين والصابرين والمقسطين، والذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص، ولا يحب سبحانه المعتدين والفسادَ وأهلَه، ولا يحب الكافر الأثيم، والخوانَ الكفور، والمختالَ الفخور، ولا يحب الخائنين ولا الخوان الأثيم، ولا المجاهر بالسوء، ولا يحب المسرفين والمستكبرين، والفرحين المغترين بما يملكون ..
وبعد هذا كلِّه - أيهّا المحب - فإذا أحبّك الله تعالى فاعلم أن العاقبةَ لك والنصرَ التأييدَ حليفُك، ولو اجتمع عليك الكونُ كلُّه فلن يضروك بشيء فلا تقلق ..
فأبشروا - أَيُّهَا الأخوة - سيحفظ الله بلادنا وبلاد المسلمين بحبهم لله تعالى وطاعتهم، وامتثالهم له، وتطبيقهم لشرعه .. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ
[ ٤٢ ]
حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١)، فاللهم اجعلنا ممن عبدك حق عبادتك فأحببته ونصرته .. اللهم احفظ بلادنا وأهلها، والمسلمين ودورهم وأهليهم يا رب العالمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله
الخطبة الثانية:
الحمد لله وبعد ..
فاتقوا الله عباد الله ..
أَيُّهَا الأخوة: فإننا بعد أيام بإذن الله مقبلون على موسم عظيم يزداد فيه المحبّون من إقبالهم على الله جل وعلا ..
إذَا هَبَّتْ رِياحكُ فاغتنمها فَعُقْبَى كُلّ خَافِقَةٍ سكونُ
وَلا تَغْفلْ عَنِ الإحسان فِيهَا فَلا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ
المؤمن العاقل يُدرك أن ساعاته ولحظاته لا يُمكن أن تُعَّوض، وكلما نظّم المؤمن وقته وعبادته، واستعد لمواسم الخيرات كان إنتاجه أكبر، وقَرُبَ من الله تعالى أكثر، ورمضان من أغلى الأوقات ثمنًا، نظمّ أخي وقتك ونوّع بين العبادات فلا يدري المؤمن بأيهما يرفع الله درجاته ويعلي منزلته، ذات مرة لما صلّى النبي -ﷺ- الصبح التفت على أصحابه فقال: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ
_________________
(١) [المائدة: ٥٤ - ٥٦].
[ ٤٣ ]
مَرِيضًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» أخرجه مسلم (١).
وعند الطبراني في الكبير: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى اسْتَعْلَى بِهِ الضَّحِكُ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا جَمَعَهُنَّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ إِلا مُؤْمِنٌ، وَإِلا دَخَلَ بِهِنَّ الْجَنَّةَ» (٢).
فلننظر - أَيُّهَا الأخوة - كيف وفقّ الله أبا بكر -﵁- للجمع بين عدّة عباداتٍ في زمن قصير جدًا فبركة الاستعداد، وتنظيم الوقت للطاعة من أهم ما ينبغي للمؤمن الانتباه له، لاستغلال أوقات المواسم والطاعات ..
فاللهم بلغنا رمضان وبارك لنا فيه
* * *
_________________
(١) صحيح مسلم (٢/ ٧١٣ - ١٠٢٨).
(٢) المعجم الكبير للطبراني (٨/ ٢٠٤ - ٧٨٢٦)، قال الهيثمي: وفيه عبيد الله بن زخر وفيه كلام وقد وثِّق. مجمع الزوائد (ص.١٣٦).
[ ٤٤ ]