ما الحكمة من خلق الإنسان والجان؟ هذا السؤال قديمًا كان لا يخلو منه درسٌ أو حلقة علمٍ، أو فصل مدرسة، ويتكرر باستمرار حتى تشرَّبت أذهانُ تلك الأجيال بالجواب العلمي والعملي الذي نصَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، إنها العبادة، نعم العبادة، أنت لم توجد على هذه البسيطة إلا لعبادة الله التي هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة (٢).
إذا تقرَّر هذا، فمتى تكون العبادة مقبولة عند الله تعالى؟ إذ العملُ غير المقبول من الهباء المنثور، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (٣).
إنها آيةٌ مخيفة حقًّا أن يعمل ويَجتهد ويكدح، ثم يكون عملُه هباءً منثورًا، أخوف منها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا
_________________
(١) [الذاريات: ٥٦].
(٢) التعريف لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ انظر: العبودية، (ص ٤٤).
(٣) [الفرقان: ٢٣].
[ ٤١٥ ]
حَامِيَةً﴾ (١)، فهي تعمَل بل تتعب وتنصب، وفي النهاية خسارةٌ، بل عقاب شديدٌ؛ لأنها افتقرت إلى شروط صحة العبادة.
يُشترط كما قرَّر أهل العلم لصحة العبادة شرطان أساسيان:
الأول: الإخلاص لله تعالى:
وهو مقتضى لا إله إلا الله، فيعمَل العمل لا يعمله إلا لله وحده: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢).
قال شيخ الإسلام: وجماع الدين "أصلان" ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرَع لا نعبده بالبدع؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ " (٣) (٤).
روى أبو سعيد -﵁- قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» (٥).
_________________
(١) [الغاشية: ٢ - ٤].
(٢) [البينة: ٥].
(٣) [الكهف: ١١٠].
(٤) مجموع الفتاوى، (١٠/ ٢٣٤).
(٥) حسن؛ حسنه الألباني في "صحيح الجامع" (١/ ٥٠٩ - ٢٦٠٧)، أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤٠٦ - ٤٢٠٤).
[ ٤١٦ ]
الثاني: المتابعة لرسول الله -ﷺ-:
وهو مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله، فيجب أن يكون العمل موافقًا لما جاء في سنة المصطفى -ﷺ- في حديث عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «مَن عمِل عملًا ليس عليه أمرُنا، فهو رَدٌّ» (١)، ومعنى رد: أي مردود عليه غير مَقبول.
قال ابن رجب: "هذا الحديث أصلٌ عظيم من أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها، كما أن حديث: «إنما الأعمال بالنيَّات» (٢) ميزان للأعمال في باطنها، فكما أن كلَّ عملٍ لا يُراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثوابٌ، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمرُ الله ورسوله، فهو مَردودٌ على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به اللهُ ورسوله، فليس من الدين في شيءٍ" (٣).
فانظُر يا رعاك إلى كل عبادةٍ تعملها هل تحقَّق هذان الشرطان فيها أم لا؟
فمتى ما تخلَّف الشرط الأول "شرط الإخلاص"، وقع المتعبد بالشرك أصغرَ كان أم أكبرَ على حسب مخالفته! ومتى ما تَخلَّف الشرط الثاني "شرط المتابعة"، وقَع المتعبد بالبدعة مُكفرة كانت أم مُفسِّقة على حسب مخالفته! .
* * *
_________________
(١) صحيح مسلم (٣/ ١٣٤٣ برقم ١٧١٨).
(٢) متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ١٧٦).
[ ٤١٧ ]