إنَّ الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: العِرْضُ من الأشياء التي صانها الإسلام، ومنحها الحماية، لأن العِرض من الضرورات الخمس لحياة الإنسان، والضرورات الخمس هي: الدين، والعقل، والنفس، والمال، والعِرْض، وقد أجمع علماءُ أمة محمد -ﷺ- والأئمة المجتهدون في كل العصور على أن مقاصد التشريع الإسلامي تهدف جميعها إلى حفظِ هذه الضرورات الخمس ..
والمتأمل في القرآن الكريم والسنَّة النبوية المطهَّرة يرى ذلك الاهتمام الواسع الذي منحه الإسلام للعِرْض، فنجد الإسلام يمقت الزنا ويحرمه ويعتبره مِن أكبر الكبائر: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (١)، كيف لا؟ والزنا فيه هتكٌ للعِرض، وضياع للنسب، واعتداءٌ على الحُرُمات، وهدمٌ للأُسَر، وفساد للأخلاق.
_________________
(١) [الإسراء: ٣٢].
[ ٣٥١ ]
بل لقد وضع الشرع له حدًّا لا يتغير بتغير زمانٍ ولا مكان، وهو الجَلدُ لغير المحصَن: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ..﴾ (١).
ثم الرَّجم حتى الموت للمحصَن، وقد طبَّق رسولُ الله -ﷺ- حدَّ الرَّجم على المرأة الغامدية التي زنَتْ على عهده.
ولا يتوقف الأمرُ عند تحريم الزنا، بل نجد الإسلامَ يحرِّم كل مقدِّماته، مِن نظَرٍ، وخَلوة، وتبرج، وغير ذلك، فقد أمَر الحقُّ - سبحانه - المسلمين والمسلمات بغضِّ البصر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٢).
ونهى الإسلامُ عن خَلوة الرجل بالمرأة الأجنبية إلا مع ذي محرَم لها، كما نهى عن تبرُّج النساء: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٣)؛ لأن التبرُّجَ وباءٌ متى ما انتشر في مجتمع فإنه يساعد على نشرِ الفواحش، وإشاعةِ المنكَرات، وتأجُّج الشهوات، ثم نجد الإسلامَ ينهى أيضًا عن الاختلاطِ بين الجِنسين، لِما يصحَبُه من نشر المنكَرات، وإشاعة الرذائل، وضياع الأخلاق، كما ينهى عن التخنُّثِ للرجال،
_________________
(١) [النور: ٢].
(٢) [النور: ٣٠، ٣١].
(٣) [الأحزاب: ٣٣].
[ ٣٥٢ ]
والترجُّل للنساء، فعن ابن عباس -﵄- قال: «لَعَنَ النَّبِيُّ -ﷺ- المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلاتِ مِنَ النِّسَاءِ»؛ رواه البخاري (١).
ولم تتوقف حمايةُ الأعراض في الإسلام عند هذا فحسب، بل نجد الإسلامَ يحُضُّ على أدبِ الاستئذان عند دخول البيوت الخاصة، لأن لكل بيتٍ حرمةً يجب أن تصان، ولا يحقُّ اقتحامُ البيوت دون إذنِ صاحبها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢)، والاستئذان فرضٌ في الإسلام؛ من أجل النظر، وحماية العرض، وحرمة البيت؛ فعن سهل بن سعدٍ قال: قال رسولُ الله -ﷺ-: «إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ»؛ رواه البخاري ومسلم (٣).
وبعد ذلك نجد الإسلامَ يحرِّم قَذْفَ المحصَنات الغافلات المؤمنات، ويعتبره كبيرةً مِن الكبائر، ومِن السبعِ الموبِقات، ويضَع له حدًّا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤)؛ فقذفُ المحصَنات بالزنا فيه إشاعةٌ للفواحش، ونشرٌ للمنكَرات،
_________________
(١) صحيح البخاري (٥٨٨٦).
(٢) [النور: ٢٧، ٢٨].
(٣) متفق عليه؛ البخاري (٦٢٤١)، ومسلم (٢١٥٦).
(٤) [النور: ٤].
[ ٣٥٣ ]
وتفكيكٌ للأُسَرِ والمجتمعات، وقد أنذَر الحقُّ - سبحانه - المُحبِّين لإشاعةِ الفاحشة بالعذاب الأليم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) (٢).
أَيُّهَا الأخوة: والمؤمنُ الحقُ غيورٌ بلا شطط يغار على محارم الله أن تنتهك، وفي الحديث أن سعد بن عبادة -﵁- قال كلامًا بين يدي رسول الله -ﷺ- دل على غيرته الشديدة، فقال -ﷺ-: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» (٣)، ويقول -ﷺ-: «لا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» (٤) رواهما البخاري.
ويقول -ﷺ-: «الْمُؤْمِنُ يَغَارُ، وَاللهُ أَشَدُّ غَيْرًا» رواه مسلم (٥).
أَيُّهَا الأخوة: وعلى هذا فمن أهم وسائل حفظ الأعراض وحراستها: الحجاب؛ فالحجاب - عباد الله - دليل على الفضيلة وقائد إلى الحشمة، وحماية للمجتمع من الفاحشة والرذيلة، ولذلك فرض الله على المسلمات ستر مفاتنهن، وعدم إبداء زينتهن، يقول سبحانه تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا
_________________
(١) [النور: ١٩].
(٢) بتصرف من مقال أحمد أبو زيد. المصدر: مجلة التوحيد، عدد ذي القعدة ١٤٠٨ هـ، صفحة (٥٣) رابط الموضوع في الألوكة: https://www.alukah.net/sharia/0/84282/#ixzz ٥ epBneSSR.
(٣) متفق عليه؛ البخاري (٦٨٤٦)، ومسلم (١٤٩٩).
(٤) متفق عليه؛ البخاري (٤٦٣٧)، ومسلم (٢٧٦٠).
(٥) صحيح مسلم (٢٧٦١).
[ ٣٥٤ ]
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ إلى قوله: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١).
الحجاب والجلباب: دليل على توقير المرأة وهيبتها فإن المرأة المحجبة مهابة موقرة في مأمن من الإيذاء، وتطاول الفسقة، وإيذاء السفهاء، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢)، وقال -ﷺ-: «المَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ»؛ رواه الترمذي وإسناده حسن (٣).
الحجابُ حصنٌ حصينٌ للمرأة يحميها من الأعين الجائعة، والقلوب المريضة. فالمحجبة لا تتسابق النظرات الجارحة إليها، ولا تواجه أذى الفساق، لأنها حفظت أوامر الله تعالى فحفظها (٤).
قال الشيخ بكر أبوزيد في كتابه حراسة الفضيلة بعدما ساق أدلة الحجاب من القران والسنة والإجماع والقياس: "فمما تقدم يَعْلَمُ كلُّ من نوَّر الله بصيرته فرضَ الحجاب على نساء المؤمنين لجميع البدن وما عليه من زينة مكتسبة، بأدلة ظاهرة الدلالة من الوحي المعصوم من القرآن والسنة، وبدلالة القياس الصحيح، والاعتبار الرجيح للقواعد الشرعية العامة، وهذا ما جرى عليه عمل نساء المؤمنين من
_________________
(١) [النور: ٣١].
(٢) [الأحزاب: ٥٩].
(٣) صحيح؛ صححه الألباني في "صحيح الجامع" (٦٦٩)، أخرجه الترمذي (١١٧٣)، وغيره.
(٤) من خطبة للشيخ محمد السبر بعنوان حراسة الأعراض.
[ ٣٥٥ ]
عصر النبي -ﷺ- إلى يومنا هذا في جزيرة العرب وغيرها من بلاد المسلمين، وأن السفور عن الوجه الذي يشاهد اليوم في عامة أقطار العالم الإسلامي هو بداية ما حل به من الحسور عن كثير من البدن، وعن كل الزينة إلى حدِّ الخلاعة والعري والتهتك والتبرج والتفسخ، المسمى في عصرنا بِاسم: السفور، وأن هذا البلاء حادث لم يحصل إلا في بدايات القرن الرابع عشر للهجرة على يد عدد من نصارى العرب والمستغربين من المسلمين، ومن تنصر منهم بعد الإسلام ..
إلى أن قال: لهذا فيجب على المؤمنين الذي مسَّ نساءهم طائف من السفور أو الحسور أو التكشف أن يتقوا الله، فيُحجبوا نساءهم بما أمر الله به بالجلباب -العباءة- والخمار، وأن يأخذوا بالأسباب اللازمة لأطرهنَّ وتثبيتهن عليه، لما أوجبه الله على أوليائهن من القيام الذي أساسه: الغيرة الإسلامية، والحميَّة الدينية، ويجب على نساء المؤمنين الاستجابة للحجاب -العباءة- والخمار، طواعية لله ولرسوله -ﷺ- وتأسيًا بأمهات المؤمنين ونسائه، والله ولي الصالحين من عباده وإمائه، وأما التنبيه والتحذير: فيجب على كل مؤمن ومؤمنة بهذا الدين الحذر الشديد من دعوات أعدائه من داخل الصف أو خارجه الرامية إلى التغريب، وإخراج نساء المؤمنين من حجابهن تاجِ العفة والحصانة إلى السفور والتكشف والحسور، ورميهنّ في أحضان الرجال الأجانب عنهن، وأن لا يغتروا ببعض الأقاويل الشاذة، التي تخترق النصوص، وتهدم الأصول، وتنابذ المقاصد الشرعية من طلب العفة والحصانة وحفظهما، وصد عاديات التبرج والسفور والاختلاط، الذي حلَّ بديار القائلين بهذا الشذوذ" (١). انتهى كلامه.
_________________
(١) حراسة الفضيلة لأبي بكر أبو زيد (١/ ٥٣).
[ ٣٥٦ ]
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ..
فإذا كانت شريعةُ الإسلام تضع كل هذه الضمانات التي تحفظ للإنسان عِرْضَه وشرَفه، فجدير بنا أن نتمسك بالإسلام قولًا وعملًا، عبادة وخُلقًا، عقيدةً وشريعة، لأن واقعَ المجتمعاتِ غيرِ الإسلامية من حيث الأخلاق واقع سيئ تستباحُ فيه الأعراضُ، ويُنتهك فيه الشرف، وتتعدد فيه العلاقات غير المشروعة، وتَشيع فيه الفواحشُ والمنكَرات، حتى أصبحت المتعةُ الجنسية هناك مباحةً كمتعة الطعام والشراب، وكانت النتيجة لذلك هي زيادة عدد المواليد غير الشرعيين، وارتفاع نسبة الطلاق، وشيوع كل أنواع الشذوذ الجنسي، والمتاجرة في الأعراض، وانتشار الأمراض (١).
عباد الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢).
* * *
_________________
(١) من مقال أحمد أبو زيد مقال سابق.
(٢) [الأحزاب: ٥٦].
[ ٣٥٧ ]
ماذا فَهِم عُمَرُ -﵁-