الحمد لله ..
أما بعد: فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله -﷿-، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١).
أَيُّهَا الأخوة: وهكذا تمضي الأيام ولم يتبقَ إلا بقيّة من هذه العشر المباركة، تتقلص الأيام والليالي، وتنقضي شاهدة بما عملنا، وحافظة لما أودعنا: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ (٢)، ينادي ربنا: «يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» (٣).
أَيُّهَا الأخوة: لقد بقيت بقية كان يحتفي بها نبينا محمد -ﷺ- أيما احتفاء، في العشرين قبلها كان يخلطها بصلاة ونوم، فإذا دخلت العشر شمر وجد وشد المئزر (٤)،
_________________
(١) [الحشر: ١٨].
(٢) [آل عمران: ٣٠].
(٣) جزء من حديث في صحيح مسلم (٤/ ١٩٩٤ - ٢٥٧٧).
(٤) صحيح مسلم (٢/ ٨٣٢ - ١١٧٤).
[ ١٣٨ ]
نعم كان النبي -ﷺ- إذا بقي من رمضان عشرة أيام لا يدع أحدًا من أهله يطيق القيام إلا أقامه (١)!
إي والله إذا لم تكن هذه الليالي الفاضلة وقت انكسار وتضرع ولجوء إلى الله، فمتى يكون ذلك! ! تقول عائشة أم المؤمنين -﵂-: يا رسول الله: أرأيت إن علمت ليلة القدر ماذا أقول فيها؟ ! قال: "قولي: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (٢).
الدعاء الدعاء، لنَعُجُّ فيما تبقى من عشرنا هذه بالدعاء لنلِظُّ على الحي القيوم، فقد قال ربنا - عز شأنه -: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٣).
إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فيعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الصبح (٤).
_________________
(١) ذكره الحافظ في الفتح كتاب فضل ليلة القدر، باب العمل في العشر الأواخر من رمضان (٣١٧). ونسبه للترمذي ولم أجده عنده.
(٢) صحيح؛ صححه الألباني في "الصحيحة" (٣٣٣٧)، أخرجه الإمام أحمد (٤٢/ ٢٣٦ - ٢٥٣٨٤)، والترمذي (٥/ ٥٣٤ - ٣٥١٣).
(٣) [البقرة: ١٨٦].
(٤) صحيح مسلم (١/ ٥٢٢ - ٧٥٨).
[ ١٣٩ ]
رياح هذه الأسحار تحمل أنين المذنبين، وأنفاس المحبين، وقصص التائبين .. يلجأ الصادق: بقلب خاشع قائلًا: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه فيغفر له وإن كان فر من الزحف، كما عند أبي داود والترمذي (١).
لقد كان العبّادُ على شدة حذرهم وقلة وقوعهم في الأخطاء والذنوب يكثرون من الاستغفار .. الاستغفار وما أدراك ما الاستغفار؟ ! عن ابن عمر -﵁- قال: إن كنا لنعد لرسول الله -ﷺ- فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (٢).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ-، قال: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (٣).
وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني عن النبي -ﷺ-، قال: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (٤).
وفي المسند عن حذيفة -﵁- قال: قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذَرِبُ اللِّسَانِ، وَإِنَّ عَامَّةَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِي، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ؟»، فَقَالَ: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَوْ فِي الْيَوْمِ، مِائَةَ مَرَّةٍ» (٥).
_________________
(١) صحيح؛ صححه الألباني في صحيح "الترغيب" (١٦٢٢)، أخرجه أبو داود (٢/ ٨٥ - ١٥١٧)، والترمذي (٥/ ٥٦٨ - ٣٥٧٧).
(٢) صحيح؛ صححه الألباني في صحيح أبي داود (٥/ ٢٤٨)، أخرجه أبوداود (١٥١٦).
(٣) صحيح البخاري ٨/ ٦٨ - ٦٣٠٧).
(٤) صحيح مسلم (٤/ ٢٠٧٥ - ٢٧٠٢).
(٥) ضعيف؛ ضعفه الألباني في "الروض النضير" (٢٨٠)، أخرجه أحمد (٣٨/ ٣٨٤ - ٢٣٣٦٢).
[ ١٤٠ ]
وعن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ-، قال: «مَنِ أكْثَرَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» رواه الإمام أحمد والنسائي (١).
قال أبو هريرة: إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم ألف مرة، وذلك على قدر ديتي.
وقالت عائشة: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا.
قال أبو المنهال: ما جاور عبد في قبره من جار أحبّ إليه من استغفار كثير (٢).
قال الحافظ ابن رجب: وبالجملة، فدواء الذنوب الاستغفار، وروينا من حديث أبي ذر مرفوعًا: إن لكل داء دواء، وإن دواء الذنوب الاستغفار.
قال قتادة: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم: فالذنوب، وأما دواؤكم: فالاستغفار.
وقال بعضهم: إنما معول المذنبين البكاءُ والاستغفار، فمن أهمتّه ذنوبه، أكثر لها من الاستغفار.
_________________
(١) ضعيف؛ صعفه الألباني في "الضعيفة" (٧٠٥)، أخرجه أحمد (٤/ ١٠٤ - ٢٢٣٤) النسائي (٩/ ١٧١ - ١٠٢١٧).
(٢) جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ٤١٥).
[ ١٤١ ]
قال رباح القيسي: لي نيف وأربعون ذنبًا، قد استغفرت الله لكل ذنب مائة ألف مرة، وحاسب بعضهم نفسه من وقت بلوغه، فإذا زلاته لا تجاوز ستًا وثلاثين زلة، فاستغفر الله لكل زلة مائة ألف مرة، وصلى لكل زلة ألف ركعة، وختم في كل ركعة منها ختمة، قال: ومع ذلك فإني غير آمن سطوة ربي أن يأخذني بها وأنا على خطر من قبول التوبة، ومن زاد اهتمامه بذنوبه فربما تعلق بأذيال من قلَّت ذنوبه فالتمس منه الاستغفار.
وكان عمر يطلب من الصبيان الاستغفار ويقول: إنكم لم تذنبوا، وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكتّاب: قولوا: اللهم اغفر لأبي هريرة، فيؤمن على دعائهم (١).
أَيُّهَا الأخوة: ومن نزعت منه حلاوة المناجاة، ولذة طلب مغفرة الله، واللجوء إليه من القلب عايش أشد ألوان العقوبات والحرمان، ألم يستعذ النبي -ﷺ- من قلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ودعاء لا يسمع؟ ! ما أجمل هذه الأيام! ! .. يجتمع فيها أوقات فاضلة وأحوال شريفة، العشر الأخيرة، جوف الليل من رمضان، والأسحار من رمضان، دبر الأذان والمكتوبات، أحوال السجود، وتلاوة القرآن، مجامع المسلمين في مجالس الخير والذكر، كلها تجتمع في هذه الليالي والأيام، فأين المتنافسون؟ ! (٢) و"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي" (٣)
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤١٦).
(٢) مختصر من خطبة للشيخ صالح بن حميد.
(٣) جزء من حديث في صحيح البخاري (٨/ ٧٤ - ٦٣٤٠).
[ ١٤٢ ]
أَيُّهَا الأخوة: اعتكف رسول الله -ﷺ- هذه الأيام العشر حتى توفاه الله عجيب هذا الاعتكاف في أسراره ودروسه، فالمعتكف ذِكْرُ الله أنيسه، والقرآن جليسه، والصلاة راحته، ومناجاة الحبيب متعته، والدعاء والتضرع لذته.
قال الزهري: عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف والنبي -﵇- لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه الله .. (١).
أَيُّهَا الأخوة: ولازال الرجاء باقٍ في تحري ليلة القدر: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ (٢)، من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ليلةٌ خير من ألف شهر، إنها ليلة تجري فيها أقلام القضاء بإسعاد السعداء وشقاء الأشقياء: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٣)، ولا يهلك على الله إلا هالك (٤).
قال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر، وكان النخعي يغتسل في العشر كل ليلة، وكان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم، وكان يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر (٥).
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٦).
_________________
(١) فتح الباري (٤/ ٢٨٥).
(٢) [القدر: ٢].
(٣) [الدخان: ٤].
(٤) من خطبة للشيخ صالح بن حميد.
(٥) المرجع السابق.
(٦) [الأعراف: ٢٦].
[ ١٤٣ ]
فلا يصلح لمناجاة الملك في الخلوات إلا من زين ظاهره وباطنه، وطهَّرهما خصوصًا لملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى .. وقد ذهب بعض السلف كالشعبي والشافعي إلى اعتبار ليلة القدر كنهارها في لزوم الاجتهاد في العمل الصالح (١).
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ..
الخطبة الثانية:
الحمد لله أما بعد:
فأيها الناس: أوصيكم بتقوى الله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٢).
المغبون من انصرف عن طاعة الله، والمحروم من حرم رحمة الله، والمأسوف عليه من فاتته فرص الشهر، وفرط في فضل العشر، وخاب رجاؤه في ليلة القدر، مغبون من لم يرفع يديه بدعوة، ولم تذرف عينه بدمعة، ولم يخشع قلبه لله لحظة ..
أَيُّهَا الأخوة: شَرَعَ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ فِي خِتَامِ صَوْمِنا إِخْرَاجَ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ أَبْدَانِنا «طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ والرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ
_________________
(١) حسن؛ حسنّه الألباني في "صحيح أبي داود" (٥/ ٣١٧)، أخرجه أبو داود (٢/ ١١١ - ١٦٠٩).
(٢) [النحل: ١٢٨].
[ ١٤٤ ]
فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١).
وَهِيَ فَرِيضَةٌ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» متفق عليه (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ نَافِعٌ: «فَكَانَ ابْنُ عَمَرَ يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّى إِنْ كَانَ يُعْطِي عَنْ بَنِيَّ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ -﵄- يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطَوْنَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ» (٣).
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤).
* * *
_________________
(١) حسنه؛ حسنّه الألباني في "صحيح أبي داود" (٥/ ٣١٧)، أخرجه أبو داود (٢/ ١١١ - ١٦٠٩)
(٢) صحيح البخاري (٢/ ١٣٠ - ١٥٠٣)، ومسلم (٢/ ٦٧٧ - ٩٨٤).
(٣) صحيح البخاري (٢/ ١٣١ - ١٥١١).
(٤) [الأحزاب: ٥٦].
[ ١٤٥ ]