اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، بَسَطَ يَدَيْهِ بِالْعَطَاءِ، وَتَابَعَ عَلَى عِبَادِهِ النَّعْمَاءَ، وَصَرَفَ عَنْهُمُ الضَّرَّاءَ، فَسُبْحَانَهُ مِنْ رَبٍّ كَبِيرٍ عَظِيمٍ، وَسُبْحَانَهُ مِنْ رَبٍّ عَفُوٍّ غَفُورٍ رَحِيمٍ، وَسُبْحَانَهُ مِنْ رَبٍّ جَوَادٍ كَرِيمٍ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، فَقَدْ مَنَّ عَلَيْنَا بِالْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، وَهَدَانَا بِالْقُرْآنِ، وَبَلَّغَنَا رَمَضَانَ، وَأَعَانَنَا عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، وَفَتَحَ لَنَا أَبْوَابَ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ، وَوَعَدَنَا بِالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢).
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ هِدَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ، وَحُجَّتُهُ عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، لَا خَيْرَ إِلَّا دَلَّنَا عَلَيْهِ، وَلَا شَرَّ إِلَّا حَذَّرَنَا مِنْهُ، تَرَكَنَا عَلَى بَيْضَاءَ لَيْلُهَا
_________________
(١) مستفادة من عدة خطب ومواعظ.
(٢) [يُونُسَ: ٣].
[ ١٤٦ ]
كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ خَيْرِ صَحْبٍ وَآلٍ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ.
أما بعد:
فيا أيُّهَا المُسلِمُ الموفق أيها المباركُ أيها الخيّرُ الطائعُ المتَّقِي أيها التائبُ الصادقُ، لك منا أجملُ تهنئةٍ تقبل الله منا ومنك صالح العمل .. لله الحمدُ والمنّة .. أَتمَمتَ الشَّهرَ متعبدًا ممتثلًا، ثم أشرَقت شَمسُ العيدِ وإذا بِكَ حاضرٌ لِشُهُودِ الصَّلاةِ وَالدُّعَاءِ وَالخَيرِ، في أَمنٍ وعافيةٍ، وَسَكِينَةٍ وَاطمِئنَانٍ، فَلِلهِ الحَمدُ والشكر، نسألُ اللهَ لنا ولكَ الإخلاصَ والقبول: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهتَدِيَ لَولا أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ (١)، وَنَسأَلُهُ لنا ولك المَزِيدَ مِن فَضلِهِ بِشُكرِهِ، وَنَعُوذُ بِهِ مِن جُحُودِ نِعمَتِهِ وَكُفرِهِ، ﴿وَلَو أَنَّ أَهلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحنَا عَلَيهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذنَاهُم بما كَانُوا يَكسِبُونَ﴾ (٢)، وَقَالَ جَلَّ وَعَلا -: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتُم لأَزِيدَنَّكُم وَلَئِن كَفَرتُم إِنَّ عَذَابي لَشَدِيدٌ﴾ (٣).
اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ أَجَلَّ نِعمَةٍ وَأَكبرَ مِنحَةٍ، أَن يُهدَى العَبدُ لتقوى الله ولِلتَّوحِيِدِ الخَالِصِ، وَأَن يُوَفَّقَ لاتِّبَاعِ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ .. إِنَّ سَلامَةَ الدِّينِ وَصِحَّةَ المُعتَقَدِ، وَالاهتِدَاءَ لِلسُّنَّةِ وَالتَّقَلُّبَ في نَعِيمِ الاتِّبَاعِ، لَهُوَ خَيرُ مَا اكتَسَبَهُ العَبدُ: ﴿فَمَن كَانَ
_________________
(١) [الأعراف: ٤٣].
(٢) [الأعراف: ٩٦].
(٣) [إبراهيم: ٧].
[ ١٤٧ ]
يَرجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١) .. أجل .. إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى، وهو القائل سبحانه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (٢).
اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.
العِيدُ - أَيُّهَا الأخوة - فَرحَةٌ وَبَهجَةٌ، وَبَذلٌ وَعَطَاءٌ وَسَخَاءٌ؛ فَمَن أَحَبَّ أَن يُسامَحَ فَلْيُسامِحْ، وَمَن أَحَبَّ أَن يُقبَلَ فَلْيَتَجَمَّلْ وَلْيَتَحَمَّلْ، مَن زَادَ حُبُّهُ لِنَفسِهِ ازدَادَ كُرهُ النَّاسِ لَهُ، وَمَن تَكَبَّرَ دُفِعَ، وَمَن تَوَاضَعَ رُفِعَ، وَ"المُؤمِنُ يَألَفُ وَيُؤلَفُ، وَلا خَيرَ فِيمَن لا يَألَفُ وَلا يُؤلَفُ، وَخَيرُ النَّاسِ أَنفَعُهُم لِلنَّاسِ" وَالسُّرُورَ بِالعِيدِ وَاللَّهْوَ المُبَاحَ فِيهِ مِنْ شَعَائِرِهِ الَّتِي يُؤْجَرُ المُؤْمِنُ عَلَيْهَا إِذَا اسْتَحْضَرَ النِّيَّةَ فِيهَا؛ ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٣).
اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.
لا يَسعَدُ بِالعِيدِ مَن عَقَّ وَالِدَيهِ أَو قَطَعَ رَحِمَهُ، أَو حَسَدَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضلِهِ، وَلَيسَ العِيدُ لِخَائِنٍ أَو غَشَّاشٍ، أو سَاعٍ بِالفَسَادِ بَينَ العِبَادِ.
اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.
المُؤْمِنُ فِي سَيْرِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى تُحِيطُ بِهِ فِتَنُ السَّرَّاءِ وفِتَنُ الضَّرَّاءِ، فَفِتَنُ السَّرَّاءِ قَدْ تُزَيِّنُ لَهُ المُقَامَ فِي الدُّنْيَا، وَتُلْهِيهِ عَنِ العَمَلِ لِلآخِرَةِ، وَفِتَنُ الضَّرَّاءِ قَدْ تُصِيبُهُ بِاليَأْسِ
_________________
(١) [الكهف: ١١٠].
(٢) [طه: ١٢٣، ١٢٤].
(٣) [الحج: ٣٢].
[ ١٤٨ ]
وَالإِحْبَاطِ وَالقُنُوطِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَوَاجِبٌ عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ يَشْكُرَ اللهَ تَعَالَى فِي السَّرَّاءِ، وَيَصْبِرَ فِي الضَّرَّاءِ، فَلا يَسْتَبِدَّ بِهِ الفَرَحُ إِلَى حَدِّ الغُرُورِ، وَلا يُطْبِقَ عَلَيْهِ اليَأْسُ إِلَى حَدِّ القُنُوطِ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ الأَمْرَ بِيَدِهِ لا بِيَدِ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لا يُقَدِّرُ شَرًّا مَحْضًا، وَلا يَقْضِي لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ إِلاَّ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ، ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (١)، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الحَمْدُ.
أعداء الدين مَخذُولُونَ: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ (٣)، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيرُ المَاكِرِينَ﴾ (٤).
نَعَم - أَيُّهَا المُوَحِّدُونَ - إِنَّ المَرجِعَ وَالمَصِيرَ إِلى العَزِيزِ الخَبِيرِ، وَلا يَعدُو ما يُصِيبُ المُسلِمِينَ مِن الكفار والمنافقين أَن يَكُونَ أَذًى فَحَسبُ "وَإِن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُم كَيدُهُم شَيئًا إِنَّ اللهَ بما يَعمَلُونَ مُحِيطٌ والمؤمن يعلم ويوقن أَنَّ العَاقِبَةَ لِلمُتَّقِينَ، وَأَنَّ سُنَّةَ اللهِ قَد مَضَت في ابتِلاءِ عِبَادِهِ وَامتِحَانِهِم بِالشَّرِّ وَالخَيرِ ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٥).
_________________
(١) [آل عمران: ١٥٤].
(٢) [الأعراف: ٥٤].
(٣) [محمد: ٤].
(٤) [الأنفال: ٣٠].
(٥) [العنكبوت: ٢، ٣].
[ ١٤٩ ]
والله جل شأنّه نَاصِرٌ دِينَهُ وَمُعلٍ كَلِمَتَهُ، حَافِظٌ أَولَيَاءَهُ مُهلِكٌ أَعدَاءَهُ، وَلا يَحِيقُ المَكرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهلِهِ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (١).
اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.
لنلزم الجَمَاعَةَ وَلننبذ الفُرقَةَ ولنَشكر النِّعمة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢)، ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفشَلُوا وَتَذهَبَ رِيحُكُم وَاصبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣).
قَالَ -ﷺ-: «عَلَيكُم بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُم وَالفُرقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيطَانَ مَعَ الوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الاثنَينِ أَبعَدُ، مَن أَرَادَ بُحبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلزَمِ الجَمَاعَةَ» رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ (٤).
اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الحَمْدُ.
النصرُ والأمنُ من اللهِ يأتي بتطبيقِ شرعِه وشُكرِ النعمِ ونبذِ الظلمِ ويكونُ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى الفَرَائِضِ - خاصةً الصلوات الخمس جماعةً في المسجدِ فإنّ تضييعَ الصلواتِ جماعةً في المسجدِ من الخذلانِ العظيم، ويكون النصرُ وتحقيقُ الأمنِ أيضًا: بالإِكثَارُ مِنَ النَّوَافِلِ، وصَنَائِعُ المَعرُوفِ فإنها تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، والدُّعَاءُ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ
_________________
(١) [الشعراء: ٢٢٧].
(٢) [آل عمران: ١٠٣].
(٣) [الأنفال: ٤٦].
(٤) صحيح؛ صححه الألباني في "صحيح الجامع" (٢٥٤٦)، أخرجه الترمذي (٢١٦٥)، وغيره.
[ ١٥٠ ]
القَدَرَ وَيَرفَعُ البَلاءَ، والأمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنهيُ عَنِ المُنكَرِ، فَإِنَّ ذلك سَبَبٌ فِي حِفظِ اللهِ لِلبِلادِ وَالعِبَادِ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (١).
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، وَأَقُولُ هَذَا القَولَ وَأَستَغفِرُ اللهَ.
الخطبة الثانية:
الحَمدُ للهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَالشُّكرُ لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، خَلَقَ فَسَوَّى، وَقَدَّرَ فَهَدَى، لا مَانِعَ لِمَا وَهَبَ، وَلا مُعطِيَ لِمَا سَلَبَ، طَاعَتُهُ أَفضَلُ مُكتَسَبٍ، وَتَقوَاهُ أَعلَى نَسَبٍ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً نرجُو بها النَّجَاةَ مِن عِقَابِهِ والفوز بمرضاته، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحمدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الناصح لأمته، فَرحَ بالعيدِ رغمَ المعاناة من المشركين واليهود والمنافقين .. وأذنَ للحبشةِ أن يلعبوا بالسلاحِ في مسجدِه يومَ العيد، وتركَ الجاريتينِ الصغيرتينِ تُنشِدَان لأمِّ المؤمنينَ عائشةَ -﵂- بنشيدِ الأنصَارِ، وقال: «ليعلمَ يهودُ أنَّ في دِينِنَا فسحة» صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَزوَاجِهِ وَأَصحَابِهِ ومن تبعه.
اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.
أَمَّا بَعدُ:
فتكمل فرحة العيد بالتقوى والطاعة والمسامحة ..
_________________
(١) [هود: ١١٧].
[ ١٥١ ]
وفي موجة هذا الفرح وسُنة التوسعة على العيال، يجب أن لا نَنسَى زَرعَ بهجةِ العيدِ في بيوتِ الفقراءِ والمساكينِ، وأن نُطلَّ إطلالةَ الرحماءِ على الأيتامِ والأراملِ والصغارِ، والمرضى ودورِ المسنين فكُلٌّ من هؤلاءِ له حقٌ كبيرٌ ..
ويجب أن لا نَنسى إخواننًا لنا ابتلوا بالضراء تحت القصف والتهجير في بلادٍ شتى من بلاد المسلمين فرُبَّ دعوة منك أو دعم. يُغيُّر اللهُ حالهَم ويَفتحُ عليهم من بركاتِه ..
وكذا المجاهدينَ الصادقينَ المرابطينَ على ثغورِ المسلمين، وعلى حدودِ بلادِنا، فأقلُّ حقٍّ لهم أن يكونَ لهم منكَ دعوةٌ صادقةٌ؛ بأن ينصرهم الله ويحفظهم ويثبتهم، ورَحِمَ اللهُ من افتقدناهم في هذا العيد ممن نزلوا بضيافة أكرم الأكرمين.
اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الحَمْدُ.
أيّتها الأختُ الْمُسْلِمَة: إنّ اللهَ تَعالى قدْ أنْزلَ فِيكِ سُوَرًا وآياتٍ تُتْلَى إلى يَوْمِ الْقِيامة؛ فاستَمْسِكِ بِشرعِ اللهِ، إِنَّ الْأَمَلَ مَعْقُودٌ عَلَيكِ فِي تَرْبِيَةِ جِيلٍ صَالِحٍ يَنْفَعُ نَفْسَه وَيَنْهَضُ بِأُمَّتِهِ، فَكُوْنِي أُمًّا تَصْنَعُ أُمَّةً، فَإِنَّ إمَامَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ نَشَأَ يَتِيمًَا فَصَنَعَتْهُ أُمُّهُ رحمها الله بِرِعايَةِ اللهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ، فَصَارَ أُمَّةً فِي رَجُلٍ، وَكُلُّ عِلْمِهِ وَجِهَادِهِ وَنَفْعِهِ لِلْأُمَّةِ الْمُسْلِمَةِ طُوَالَ الْقُرُونِ .. فَلِأُمِّهِ الَّتِي رَبَّتْهُ وَأَدَّبَتْهُ وَقَامَتْ عَلَيهِ مِثْلُ أَجْرِهِ .. لِأَنَّهَا صَنَعَتْهُ إِمَامًا، وَلَمْ تَتْرُكْهُ عَابِثًا.
وَكَانَتْ أُمُّ الشَّافِعِيِّ -رحمهما الله- تَلْتَقِطُ الْأَوْرَاقَ التَّالِفَةَ لَهُ لِيَكْتُبَ عَلَى قَفَاهَا دُرُوسَهُ، وَمَا رَدَّهَا الْفَقْرُ عَنْ صُنْعِ إِمَامٍ مِنْ أَكْبَرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
مؤلم أيَّتُهَا المَرْأَةُ المُسْلِمَةُ: أن تَنْتَشِرُ بينكن مَظَاهِرُ البَذَخِ وَالإِسْرَافِ وَكُفْرَانِ النِّعْمَةِ التي قَدْ تؤَدِّي إِلَى سَلْبِهَا، مؤلمٌ أيضًا والله هذا الافتنانُ بوسائلِ التواصلِ
[ ١٥٢ ]
والهواتفِ الذّكيةِ الذي أغرق بعضكَن في لجُجٍ من عدمِ الحياءِ، وقلةِ الغيرةِ إلاّ ما شاء الله! ! مؤلم جدًا استجابةُ بعضِ الغُفلِ لاِسْتِنْسَاخَ الْأُسْرَةِ الْغَرْبِيَّةِ الشَّقِيَّةِ الْمُفَكَّكَةِ وجلبها للبيوتِ والأسرِ المسلمةِ، لِنَقْلِ الْمَرْأَةِ مِنْ فَضَاءِ الْإِسْلَامِ الرَّحِيبِ إِلَى حُرِّيَّةِ الْغَرْبِ الضِّيقَةِ، عَبْرَ دعَايَاتٍ مُضَلِّلَةِ، وَأُطْرُوحَاتٍ زائِفَةِ، إي والله لَا عَاقِلَةَ تَرْضَى بِذَلِكَ فَضْلًا عَنْ مُؤْمِنَةٍ تقيّةٍ عَفيفةٍ، فَاحْذَرْنَ مَصَائِدَ الْأَعْدَاءِ، وَدَعَوَاتِهِمْ الْمُزَخْرَفَةَ بِتَحْرِيرِ الْمَرْأَةِ، فَلَيْسَتْ إِلَّا ذُلًّا وَإِهَانَةً وَاسْتِغْلالًا.
حَفِظَ اللهُ نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ بِحِفْظِهِ، وَأَسْبَغَ عَلَيهِنَّ سِتْرَهُ، وَحَمَاهُنَّ مِنْ كَيْدِ الْكَائِدِينَ، وَدَعَوَاتِ الْمُفْسِدِينَ.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد
أَيُّهَا الأحبة (١): اجتمعَ اليومَ عيدان: جمعةٌ وعيد، ولله الحمد والمنة .. وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة:
"من صلى العيد يوم الجمعة .. رُخِّص له في ترك الحضور لصلاة الجمعة ذلك اليوم إلا الإمام، فيجب عليه إقامتها بمن حَضرَ لصلاتها ممن صلى العيد، وممن لم يصل العيد، والدليل ما رواه أبو داود في سننه عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- أنه قال «قَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» (٢)، فدل ذلك على الترخيص في الجمعة لمن صلى العيد في ذلك اليوم، وعلم عدم الرخصة للإمام، لقوله في الحديث «وإنا مجَمِّعون»، وما رواه مسلم عن
_________________
(١) تُذكر إذا وافقَ العيد الجمعة مع ضرورة تنبيه المصلين ممن لن يحضر الجمعة أن يصلي الظهر.
(٢) صحيح؛ صححه الألباني في "صحيح أبي داود" (٩٨٤)، أخرجه أبو داود (١٠٧٣)، وغيره.
[ ١٥٣ ]
النعمان بن بشير -﵄- أن النبي -ﷺ- «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ»، قَالَ: «وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ» (١)، وربما اجتمعا في يوم فقرأ بهما فيهما، ومن لم يحضر الجمعة ممن شهد صلاة العيد وجب عليه أن يصلي الظهر، عملًا بعموم الأدلة الدالة على وجوب صلاة الظهر على من لم يصل الجمعة.
اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الحَمْدُ.
الموفقُ من خَتَمَ عبادَتَه باستغفار .. واستمَّر على العملِ الصالحِ، ومن العملِ الصالحِ إتباع رَمَضَانَ بِصِيَامِ سِتٍّ مِنْ شَوَّالَ، وَأَحْسِنُوا فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ..
أَعَادَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَينَا وَعَلَيكُمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وثبتا وَتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ صَالِحَ الْأَعْمَالِ.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢).
* * *
_________________
(١) صحيح مسلم (٨٧٨).
(٢) [الأحزاب: ٥٦].
[ ١٥٤ ]