بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين.
كم هم أولئك -للأسف- الذين يميلون لاسترضاء شهواتهم فحسب، وتستشرف ما عند الآخرين نفوسُهم، فيكون همّ الواحد منهم أن يكون مثل فلانٍ أو علان، ولو على حساب دينه أو أسرته أو مجتمعه! !
ويعظم ذلك حينما يريد أن يتشبه بالغرب أو الشرق في كل شيء حتى بطريقة أكله وشربه وشكله وسائر حياته، بل وصل الحال ببعضهم أن يستهتر بعرضه وشرفه أمام الملأ، ليظهرَ نفسه أنه متحضر أو متحرر!
يا الله، لربما ضعيف العقل هذا جلب لنفسه ومن يعول شركياتٍ وبدعًا ومحرمات وقلة مروءة ورجولة بسبب عقدة النقص هذه!
ولنرجع إلى الوراء قليلًا قبل ألف وأربع مائة وثلاثين سنة تقريبًا، ولنسمع ما حدث به الإمام أحمد عن أبي واقد الليثي -﵁-: «أنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى حُنَيْنٍ، قَالَ وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُم، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ خَضْرَاءَ عَظِيمَةٍ، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «قُلْتُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، كَمَا
[ ٣١ ]
قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّهَا لَسُنَنٌ لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سُنَّةً سُنَّة» (١).
وذات الأنواط كما قَالَ ابن الأثير فِي النِّهَايَةِ: هِيَ اِسْمُ شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا كَانَتْ لِلْمُشْرِكِين، يَنُوطُونَ بِهَا سِلَاحَهُمْ، أَيْ يُعَلِّقُونَهُ بِهَا، وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ مِثْلَهَا، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ.
شبَّه مقالتهم هذه بقول بني إسرائيل لما مروا على قوم عاكفين على أصنام لهم، طلبوا من موسى -﵇- أن يجعل لهم إلهًا يعكفون عليه كما لأولئك إله.
لقد بيّن -ﷺ- أنهم سيتبعون طريقة من كان قبلهم من الأمم، وَالْمُرَادُ هُنَا طَرِيقَةُ أَهْلِ الأْهَوَاءِ وَالْبِدَعِ الَّتِي اِبْتَدَعُوهَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ أَنْبِيَائِهِمْ مِنْ تَغْيِيرِ دِينِهِمْ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا، وَذِرَاعًا ذِرَاعًا، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ» قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. قَالَ «فَمَنْ»؟ (٢).
قال النووي: "وَفِي هَذَا مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَدْ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ -ﷺ- " (٣).
_________________
(١) صحيح؛ صححه الألباني في "المشكاة" (٥٤٠٨)، وأخرجه أحمد (٣٦/ ٢٢٥ - ٢١٨٩٧)، والترمذي (٤/ ٤٧٥ - ٢١٨٠) وغيرهما.
(٢) متفق عليه؛ البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩).
(٣) انظر فتح المجيد، بشرح كتاب التوحيد، (١٣٩ - ١٤٧). وموقع الإسلام سؤال وجواب.
[ ٣٢ ]
لقد نهانا الله تعالى عن اتباعِ سبيلِ الكافرين من اليهود والنصارى والمشركين وغيرِهم، وعن التشبُّهِ بهم، وعن تقليدِهم، وعن التبعيَّةِ لهم في مواضعَ كثيرةٍ من القرآن، فـ قال الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (١)، وقال: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٢)، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (٣)، وتقليدُ الكفارِ والتشبُّه بهم من أعظمِ صورِ الطاعةِ لهم.
وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، عن ابن عمرَ -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (٤).
وقد سلَّمنا اللهُ في بلداننا الإسلامية من التشبُّهِ بالكفارِ فترةً طويلةً من الزمنِ، إلى أن انفتحت علينا الدنيا، واختلطنا بالكفارِ، وانبهر بعضُنا بما عند الغرب من مظاهرِ الحضارةِ والتقدُّمِ، فبدت معالمُ التشبُّهِ والتبعيةِ لأممِ الكفرِ تظهرُ في حياةِ الناسِ وواقعِ المجتمع، فرأينا من رجالِنا ونسائِنا وصغارِنا وكبارِنا مَن جعل الغربَ وما فيه قدوةً له يتلقفُ عنهم أحدثَ الموضاتِ، وآخِرَ التقليعاتِ في اللباسِ والزِّيِّ والأكْلِ
_________________
(١) [المائدة: ٤٨].
(٢) [المائدة: ٤٩].
(٣) [الأحزاب: ١].
(٤) صحيح؛ صححه الألباني في "الإرواء" (١٢٦٩)، أخرجه أحمد (٩/ ١٢٣ - ٥١١٤)، وأبو داود (٤/ ٤٤ - ٤٠٣١)، وغيرهما.
[ ٣٣ ]
والشُّرْبِ وتصْفيفِ الشعرِ وتسريحِه، بل وفي الفكرِ والرأيِ وشيء من الاعتقاد، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ونحن ما زلنا في أوائلِ هذا الدهليزِ المظلمِ، الذي مآلُه ضياع الديانة والمروءة، ولا شك أن هذا الأمرَ خطيرٌ، يجب المسارعةُ في تلافيه وتوعيةِ الأمةِ بخطورته (١).
أَيُّهَا الأخوة: يَهْدف هؤلاء التبعيون للثقافة الغربية دومًا إلى إبْهارنا بِما حقَّق الغَرْب من إنجازات "تقنيَّة" و"علميَّة"، مُرْجِعين السبب إلى تخلِّي الغَرْب عن كهنوت الكنيسة القاصر، المعوِّق للمجتمع والحضارة، المناصر للإقطاع الاستعباديِّ الظَّالِم، واتِّخاذه سبيلَ اللاَّ دين ليتقدَّم ويتفوَّق، كما يستندون إلى تَمسُّكِنا بالمظاهر الدِّينية الرَّجعية على حد زعمهم، مركزين على أسوء ما عند الغرب والشرق لنقله للمجتمعات الإسلاميّة، متجاهلين أنَّ جحافلَهم تلك تدّمر البِنْية التحتيَّة للتقدُّم والعلم، وفعلهم هذا يُرسي مبادئ التبعيَّة الحضاريَّة في نفوس الأجيال، متناسين أنّ هذا الغرب ينام فقيرُه بلا طعام، هذا الغرب الذي لا يَمْلك معايير أخلاقيَّة للتقدُّم تحوَّلَت فيه الجريمة العشوائية والمنظَّمة إلى أرقام إحصائية مهولة، هذا الغرب الذي لم يتورَّع عن نَسْفِ وذَبْحِ المسلمين مع عملائه في الشرق وما يحصل في الشام مع طغاته خير مثال، هذا الغرب الذي استفتح تاريخه الحقيقيَّ بإبادة الهنود الحمر في أمريكا والزُّنوج في إفريقيا، هذا الغرب الذي لم يتكلَّم عندما كان يصطاد القبائل البدائيَّة في جنوب إفريقيا؛ باعتبارهم ليسوا بشرًا، هذا الغرب الذي لا يملك معايير أخلاقيَّة
_________________
(١) من خطبة أزمة التقليد للدكتور خالد المصلح، بتصرف.
[ ٣٤ ]
حقيقية ليقوِّم إنسانيَّتَه، ولا هيكلَ مجتمعٍ قويًّا متماسكًا لا يملك حضارة حقيقية، فكلُّ ما نراه الآن هو طفرة علميَّة، مصحوبة بِخَلل اجتماعي، أخلاقي، إنساني، فهؤلاء الذين يدعون إلى التَّبعية يتجاهَلون أن ينقلوا الصُّورة الكاملة لما يريدون منَّا أن نَتَّبِع، ويتغاضون عن أدَقِّ التفاصيل في العَرْض والطَّرْح، كما يلتزمون بالكذب والتدليس على عَقْل السامع والقارئ، وبالتَّشويه والتزوير؛ إن العلم وَحْدَه لا يصنع حضارة؛ فالعلم بلا إطارٍ أخلاقي، أدَبِي، إنسانِيٍّ، وبلا كيان اجتماعي، وبلا مقدَّسات عقائدية، وبلا مقوِّمات للرُّوح
والنَّفس، هو عِلْم مهمَّش، لا يُمكن التحكُّم فيه، أو السيطرة عليه لرفاهية الإنسان، وإنَّما يستغلُّ ويستخدم لقتله وتعذيبه، فهذا العلم كان مِن الضَّعف الأخلاقيِّ والأدبيِّ والإنساني بِحَيث لم يكن له صوت يُذْكَر؛ ليمنع تَجْرِبة القنبلة الذرية على مدنٍ بأكملها ك "هيروشيما" و"ناجزاكي"، ولَم يَمنع من إنتاج الآلاف المؤلَّفة من الأسلحة النووية، الجرثوميَّة، والكيمائية، والبيولوجيَّة التي لا تَهْدف إلاَّ إلى الإبادة الشاملة، غير مُمَيِّزة أو مخيِّرة بين الطِّفل والمرأة، والشيخ والرضيع والعسكر، فلا تستثني منه صغيرًا فتتركه، أو شيخًا كبيرًا فترحمه (١).
إذًا فيا أخي المؤمن المسلم كلما دُعيت إلى تبعيّه، ازدد تمسكًا بدينك وقرآنك وسنة نبيك -ﷺ- ودعوةً إليها، فهذا أنجع طريق للمحافظة على هويتك المؤمنة الحقيقة، وتأمل كيف نهى النبي -ﷺ- عن التقليد في تعليق سيف على شجرة! ! فكيف بمن أشغل المسلمين بالتقليد للغرب في كل شيء أخلاقي وسلوكي! !
_________________
(١) من مقال الاستعمار الثقافي، والغزو الفكري، والتبعية الحضارية د. حمزة عماد الدين موسى بتصرف.
[ ٣٥ ]
فاللهم إنّا نبرأ إليك مما يصنع هؤلاء .. أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله:
أَيُّهَا الأخوة: بئس أولئك الذين يدعوننا إلى تقليد الغرب بسلوكياته وأخلاقه وترك أخلاقيتنا في شريعتنا، يقول الله جل وعلا: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (١).
قال الشيخ السعدي: لما نهى الله المؤمنين عن توليهم، أخبر أن ممن يدعي الإيمان طائفةً تواليهم، فقال: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك ونفاق، وضعف إيمان، يقولون: إن تولينا إياهم للحاجة، فإننا ﴿نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أي: تكون الدائرة لليهود والنصارى، فإذا كانت الدائرة لهم، فإذا لنا معهم يد يكافئوننا عنها، وهذا سوء ظن منهم بالإسلام، قال الله تعالى رادًا لظنهم السيئ-: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ الذي يعز الله به الإسلام على اليهود والنصارى، ويقهرهم المسلمون ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ﴾ ييأس به المنافقون من ظفر الكافرين من اليهود وغيرهم ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا﴾ أي: أضمروا ﴿فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ على
_________________
(١) [المائدة: ٥٢].
[ ٣٦ ]
ما كان منهم وضرهم بلا نفع حصل لهم، فحصل الفتح الذي نصر الله به الإسلام والمسلمين، وأذل به الكفر والكافرين، فندموا وحصل لهم من الغم ما الله به عليم (١)
فأبشروا عباد الله، وأملوا فالمستقبل للإسلام وأهله بإذن الله.
فاللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين؛ من كل سوء ومكروه، اللهم صل وسلم على نبينا محمد.
* * *
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٢٣٥).
[ ٣٧ ]