إنَّ الحمد لله ..
أما بعد:
فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله -﷿-.
أَيُّهَا الأخوة: ها هو شهر رمضان قد انتصف، بل وزاد.
فهل فينا من قهر نفسه وانتصف؟
وهل فينا من قام فيه بما عرف؟
وهل تشوقت أنفسنا لنيل الشرف؟ !
ما أَسرعَ مُرُورَ اللَّيَالي وَمُضِيَّ الأَيَّامِ! وَمَا أَعجَلَ انقِضَاءَ الأَوقَاتِ وَذَهَابَ السَّاعَاتِ! بِالأَمسِ القَرِيبِ دَخَلَ شَهرُ رَمَضَانَ المُبَارَكُ، وَكَانَ المُسلِمُونَ في شَوقٍ عَظِيمٍ لِبُلُوغِهِ، وَكَانَت نُفُوسُهُم في لَهفَةٍ شَدِيدَةٍ لإِدرَاكِهِ، ثُمَّ هَا هُوَ اليَومَ قَد مَضَى نِصفه عَلَى عَجَلٍ (١).
_________________
(١) من خطبة للشيخ عبدالله البصري.
[ ١٠٧ ]
«اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» (١).
ولربما منا من يكون هذا الشهر آخرَ رمضانَ يعيشه، فيكون ممّن أُعتق فيه من النار إذا أتى بأسباب توجب له الرحمة والمغفرة والعتق من النار، من الصيام والقيام، وقراءة القرآن والذكر، ومساعدة الفقراء والمحتاجين وإطعامهم، والصدقة والاستغفار، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.
وقد روى الترمذي وغيره بسند صحيح «إن وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ» (٢).
أَيُّهَا الأخوة: في مثل الليلة القادمة ليلة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة، كان يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، يوم أعز الله فيه جنده، ونصر فيه عبده، يوم قال فيه -ﷺ-: «لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (٣)، خرج -ﷺ- مع ثلاثمائة وبضعة رجلًا من المهاجرين والأنصار، من أفضل الخلق يومئذ، خرجوا بعد ما أعلن رسول الله -ﷺ- في المسلمين قائلًا: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله يُنفِلكُمُوها.
_________________
(١) صحيح؛ صححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (٣٣٥٥)، أخرجه النسائي (١٠٤٠٠ - ١١٨٣٢).
(٢) صحيح؛ صححه الألباني في "مشكاة المصابيح" (١٩٦٠)، أخرجه الترمذي (٣/ ٥٧ - ٦٢٨).
(٣) أصله في البخاري (٤/ ٥٩ - ٣٠٠٧).
[ ١٠٨ ]
ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، لما أنه لم يكن يتوقع عند هذا الانتداب أنه سيصطدم بجيش مكة- بدل العير- هذا الاصطدام العنيف في بدر، ولذلك تخلف كثير من الصحابة -﵃- في المدينة، وهم يحسبون أن مضي رسول الله -ﷺ- في هذا الوجه لن يعدو ما ألفوه في السرايا الماضية، ولذلك لم يُنكر على أحد تخلفه في هذه الغزوة (١).
قسم -ﷺ- جيشه إلى كتيبتين:
١ - كتيبة المهاجرين، وأعطى علمها علي بن أبي طالب.
٢ - كتيبة الأنصار، وأعطى علمها سعد بن معاذ.
ثم سار رسول الله -ﷺ- في هذا الجيش غير المتأهب، فخرج من نقب المدينة، حتى بلغ بئر الروحاء، ولما ارتحل منها، ترك طريق مكة بيسار، وانحرف ذات اليمين على النازية (يريد بدرًا)، فسلك في ناحية منها، حتى قرب من الصفراء، وهنالك بعث بعض من يرقب عير قريش.
وفي المقابل فقد بلغ أبا سفيان خروجُ المسلمين لملاقاة القافلة، فبعث رجلًا اسمه ضَمْضَم الغفاري إلى مكة يستصرخ قريشًا أن ينفروا لحماية تجارتهم، فنهضوا مسرعين، وخرجوا من ديارهم كما قال الله تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢).
_________________
(١) الرحيق المختوم (١/ ١٤٤).
(٢) [الأنفال: ٤٧].
[ ١٠٩ ]
ثم إن أبا سفيان انحرف إلى ساحل البحر فنجت القافلة، وكتب إلى قريش أن ارجعوا فإنما خرجتم لتحرِّزوا تجارتكم، فأتاهم خبرُه فهمّوا بالرجوع، فانبعث أشقاهم أبو جهل فقال: والله لا نرجع حتى نقدَمَ بدرًا فنقيمَ فيها، نطعمُ من حضرنا، ونسقي الخمر، وتعزفُ علينا القِيَان، يعني المغنيات، وتسمعُ بنا العرب، فلا تزال تهابنا أبدًا وتخافنا.
ولما بلغ رسولَ الله -ﷺ- خبرُ خروج قريش استشار أصحابه، فتكلم أبو بكر ثم عمر ثم المقداد -﵃- فأحسنوا، ثم استشار النبي -ﷺ- الناس مرة أخرى، فعلم الأنصار أن النبيّ -ﷺ- إنما يعنيهم، فقال سعد بن معاذ: كأنك تُعرض بنا يا رسول الله، وكأنك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًا عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فامض بنا حيث شئت، وصِل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا منها ما شئت، وما أخذت منها كان أحبَ إلينا مما تركت، فوالله لئن سرت بنا حتى تبلغ البَرْك من غمدان - أقصى الجزيرة- لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ثم تكلم المقداد بمثل ذلك، فأشرق وجه الرسول بما سمع منهم وقال: «سيروا وأبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيت مصارع القوم» (١)
سار النبي -ﷺ- بأصحابه حتى نزل بأدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة، فقال الحباب بن المنذر -﵁- يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل أهو منزل أنزلكه الله فليس لنا
_________________
(١) انظر زاد المعاد (٣/ ١٥٥)، من خطبة مختصرة للشيخ سامي الحمود.
[ ١١٠ ]
أن نتقدم عنه أو نتأخر أم هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال النبي -ﷺ-: بل هو الحرب والرأي والمكيدة.
فقال الحباب: فليس هذا بمنزل فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونغور ما وراءه من الآبار، فاستحسن النبي -ﷺ- رأي الحباب ومضى بأصحابه حتى نزل بالعدوة الدنيا مما يلي المدينة وجيش قريش بالعدوة القصوى مما يلي مكة، وأنزل الله مطرًا كان شديدًا ووحلًا زلقا على المشركين، وكان طلا خفيفا على المسلمين، طهرهم به ووطأ لهم الأرض وثبت به الأقدام وبنى المسلمون لرسول الله -ﷺ- عريشًا على تل مشرف على موضع المعركة.
ونزل رسول الله -ﷺ- فسوى صفوف أصحابه ومشى في أرض المعركة يشير إلى مصارع القوم إلى المواضع التي سيقتل فيها زعماء المشركين يقول هذا مصرع فلان إن شاء الله، فو الله ما جاوز أحد منهم الموضع الذي أشار إليه النبي -ﷺ-، قتلوا في تلك المواضع التي عينها النبي -ﷺ-.
والتقى الفريقان وقام النبي -ﷺ- بين يدي ربه يدعو ويلح في الدعاء، ويتضرع بين يدي ربه ويستغيث به، يقول اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم هذه قريش قد أتت بخيلها وخيلائها تصد عن دينك وتحارب رسولك، ثم يقول عن أصحابه: اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض (١).
_________________
(١) انظر: زاد المعاد (٣/ ١٥٦)، كنوز السيرة للشيخ لعثمان الخميس (١٣٦)، خطبة للشيخ عبد العزيز قاري باختصار.
[ ١١١ ]
واستجاب الله تعالى لنبيه -ﷺ- وهزمت قريش برجالاتها وخيلها وصناديدها، وقتل من المشركين سبعون وأسر سبعون وجمع من القتلى أربعة وعشرون من صناديد المشركين فألقي بهم في قليب من قلبان بدر، منهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وغيرهم من رؤوس الكفر، وصناديد المشركين.
وبعد ثلاث ليال أقامها النبي -ﷺ- ببدر، انصرف رسول الله -ﷺ- وعند انصرافه وقف علي القليب ونادى أولئك الصناديد بأسمائهم وأسماء آبائهم، يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا.
فقال له عمر الفاروق: أتنادي أجسادًا قد بليت يا رسول الله، فقال: والله ما أنتم بأسمع لكلامي منهم، ذلك أن الله -﷿- أسمعهم نداء نبيه في تلك اللحظة (١).
من أعظم عِبر يوم بدر أن الإسلام كلمة الله الباقية، ورسالته الخالدة، باقية ما بقي الزمان وتعاقب المكان، يُرفع شعارها ويقدس منارها بعزّ عزيز وذل ذليل، هذا الإسلام الذي كتب الله العزة لمن والاه، وكتب الذلة والصغار على من عاداه، كلمة باقية ورسالة خالدة زاكية.
مِنْ عِبَر يوم بدر أخذنا أن الصبر مفتاح الفرج، فما ضاقت الأمور على من صبر، الصبر مفتاح الخير.
_________________
(١) من خطبة عزوة بدر الكبرى للشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي. بتصرف.
[ ١١٢ ]
أخذنا من غزوة بدر أن مع العسر يسرًا، وأن عاقبة الصبر خير: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ (١)، صبر رسول الله -ﷺ- وأصحابه -﵃- فظفروا: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ (٢)، فإن وجدت عبدًا من عباد الله قد صُبَّت عليه المحن والبلايا من الله، ونصب وجهه صابرًا لله، فبشره بحسن العاقبة والمآل من الله.
نعم الصبر والتقوى سبيل النصر للمؤمنين: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ (٣)، صبرًا - يا أهل الإسلام - في زمان عظمت كربه، في زمان اشتدت بلاياه ومحنه، إن وراء الليل فجرًا، إن تحت الرماد نارًا، صبر جميل، لعل الله أن يأتي بالفرج الجليل.
ومن أعظم أسباب النصر العظيمة تآلف القلوب وتراحمها، كان أصحاب النبي -ﷺ- في قلة من العدد والعدة، ولكن كانت بينهم المحبة والصفاء والمودة، كانوا متراحمين متعاطفين متآلفين متكاتفين متناصرين متآزرين، شعارهم: لا إله إلا الله، فسبحان من أعزهم وهم أذلاء، سبحان من أغناهم وهم فقراء، سبحان من رفعهم وهم وضعاء (٤).
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
_________________
(١) [النحل: ١٢٧].
(٢) [آل عمران: ١٢٥].
(٣) [آل عمران: ١٢٥].
(٤) من خطبة عزوة بدر الكبرى للشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي. بتصرف.
[ ١١٣ ]
الحمد لله الواحد القهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مقلب القلوب والأبصار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأطهار وعلى جميع أصحابه الأخيار، ومن سار على نهجهم واهتدى بهديهم ما أظلهم الليل وأضاء النهار.
أما بعد:
فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله -﷿-.
أَيُّهَا الأخوة: وها هي أيام الشهر قد تتابعت، ولياليه الغر قد تلاحقت، هذه أيام رمضان، وها نحن على أبواب العشر الأواخر، وقفنا على الليالي العشر ونحن فقراء إلى رحمة الله، وقفنا نشكو تقصيرنا إلى الله، وقفنا وكلنا أمل وطمع في رحمة الله أن لا يخيب رجاءنا، وأن يستجيب دعاءنا، وقفنا على أبواب عشر ما دخلت على رسول الله إلا شد مئزره وأيقظ أهله وأحيا ليله، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
بينها ليلة خير من ألف شهر، من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، عشر إذا دخلت على الأخيار والصالحين فروا إلى بيوت الله معتكفين ركعًا سجدًا، يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، قد فارقوا النوم والكرى والهجود، يرجون رحمة الله الحليم الودود، ويسألونه مقامًا مع الركع السجود، في نعيم الجنات جنات الخلود، مع المقربين الشهود، قد سمت أرواحهم إلى الخيرات، وتنافست أجسادهم في فعل الباقيات الصالحات، عشر وما أدراك ما هذه العشر؟ ! أقسم الله بها في كتابه المبين، وعظَّم شأنها بهدي رسول الله الأمين.
[ ١١٤ ]
فيا معاشر العُباد: وصية لكم من كتاب الله وسنة رسول الله: اعلموا أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، لا يقبل الله من العبادة إلا ما كان خالصًا لوجهه، يراد به ما عنده: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١)، أخلصوا لله النيات، وأخلصوا لله العبادات والطاعات، فلا يزال العبد بخير إذا تكلم تكلم لله، وإذا عمل عمل لله.
يا معاشر العباد: كم من قائم على أم حنون يسقيها دواءها، ويعالج جراحها وداءها، بلَّغه الله أجر المعتكفين، كم من قائم على أب ضعيف، شيخ كبير، يقضي حوائجه، ويرحم ضعفه، ويحسن إليه، ويجبر بإذن الله كسره، بلَّغه الله مقام المعتكفين، كم من قائم على زوجة سقيمة مريضة، يقوم عليها، بلَّغه الله أجر الاعتكاف بما كان من إحسانه إليها.
تخلف عثمان -﵁- وأرضاه عن غزوة بدر بسبب زوجه التي كان يمرضها، رقية - ﵂ وأرضاها -، لو كنت مريضًا لقامت على رأسك ولأحسنت إليك، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
يا معاشر العباد: إياكم وحرق أعمالكم بألسنتكم من غيبة وسب وأذية .. ألزموها البر كما عهد عنكم بالذكر والدعاء والقران والتسبيح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ترتفع درجاتكم وتعلو منازلكم (٢).
_________________
(١) [الكهف: ١١٠].
(٢) من خطبة عزوة بدر الكبرى للشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي. بتصرف.
[ ١١٥ ]
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).
* * *
_________________
(١) [الأحزاب: ٥٦].
[ ١١٦ ]