الخطبة الأولى:
(الاستبشار بالرحمة والرزق والخير مع المطر)
الحمد لله ..
من فضل الله علينا وعلى الناس هذه الأجواء التي نعيشها، ونعمة الأمطار العامة على عموم الجزيرة والخليج، فالحمد لله أن استجاب دعاء المسلمين بالغيث، وهلّ عليهم المطر ..
أَيُّهَا الأخوة: ثمة ارتباط عجيب بين الرزق والرحمة والمطر، ففي مسألة الرزق يقول الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (١).
قال الطبري: "وفي السماء: المطر والثلج اللذان بهما تخرج الأرض رزقكم، وقوتكم من الطعام والثمار وغير ذلك" (٢).
_________________
(١) [الذاريات: ٢٢].
(٢) تفسير الطبري (٢٢/ ٤٢٠).
[ ٢٧٦ ]
وقال السعدي: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ أي مادة رزقكم، من الأمطار، وصنوف الأقدار، الرزق الديني والدنيوي، ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ من الجزاء في الدنيا والآخرة، فإنه ينزل من عند الله، كسائر الأقدار (١).
فإذا حصل وجب على المسلم أن يستبشر بالرزق والخير العميم عليه وعلى إخوانه المسلمين، ومن هنا جاء ت لفظة "يستبشرون" في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٢) وقبلها لفظ: "مبشرات"
قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣).
والاستبشار يكون بالأشياء الحسيّة والمعنوية، فالخير إذا نزل وعم هدأت النفوس واطمأنت، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٤)، ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (٥)، فينزل عليكم من رحمته مطرًا تحيا به البلاد والعباد، وتذوقون من رحمته ما تعرفون أن رحمته هي المنقذة
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٨٠٩)
(٢) [الروم: ٤٨].
(٣) [الروم: ٤٦].
(٤) [الشورى: ٢٨].
(٥) [الروم: ٤٦].
[ ٢٧٧ ]
للعباد، والجالبة لأرزاقهم، فتشتاقون إلى الإكثار من الأعمال الصالحة الفاتحة لخزائن الرحمة.
جاء في حديث أبي رزين العقيلي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ، وَقُرْبِ غِيَرِهِ» (١)، وفي لفظ آخر أن النبي -ﷺ- قال: «وَعَلِمَ يَوْمَ الْغَيْثَ، يُشْرِفُ عَلَيْكُمْ آزِلِينَ آزِلِينَ مُشْفِقِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ غَيْرَكُمْ إِلَى قُرْبٍ» قَالَ لَقِيطٌ قُلْتُ: لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا» (٢).
قال الحافظ ابن رجب: "والمعنى أنه سبحانه يعجب من قنوط عباده عند احتباس القطر عنهم، وقنوطهم ويأسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت فرجه ورحمته لعباده بإنزال الغيث عليهم، وتغيره لحالهم وهم لا يشعرون" (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا استقر في عقول الناس أنه عند الجدب يكون نزول المطر لهم رحمة" (٤).
وقال رجل لعمر -﵁-: يا أمير المؤمنين، قحط المطر، وقنط الناس، فقال عمر -﵁-: مطرتم، ثم قرأ ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ (٥) (٦).
_________________
(١) صحيح؛ صححه الألباني في "السلسلة" (٢٨١٠)، أخرجه ابن ماجه (١٨١)، وأحمد (٢٦/ ١٠٦)، وغيرهما.
(٢) أحمد (١٦١٨٧)، والحاكم في "المستدرك" (٨/ ٣٨٠).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٩١).
(٤) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٥٤).
(٥) [الشورى: ٢٨].
(٦) تفسير الطبري (٢١/ ٥٣٧).
[ ٢٧٨ ]
بل سمّى النبي -ﷺ- الغيث رحمة، كما روى مسلم من حديث عائشة -﵂- قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ، عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرَّ بِهِ، وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ عَلَى أُمَّتِي»، وَيَقُولُ، إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: «رَحْمَةٌ» (١) أي: هذا رحمة.
ولأن الغيث رحمة من الله تعالى شرع للمسلم التعرض له ليصيبه شيء من تلك الرحمة، كما روى قَالَ أَنَسٌ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى» (٢).
كما شرع الدعاء حال نزوله؛ لأن وقت تنزله وقت رحمة، وأوقات الرحمة مرجوة الإجابة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والدعاء مستجاب عند نزول المطر" (٣).
ومن الأدعية الواردة في ذلك: الدعاء ببركة الغيث، وانتفاع الناس به؛ ولذلك كان النبي -ﷺ- إذا رأى المطر قال: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا» (٤) وفي رواية: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ صَيِّبًا نَافِعًا» (٥).
_________________
(١) صحيح مسلم (٨٩٩).
(٢) صحيح مسلم (٨٩٨).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٢٩).
(٤) صحيح البخاري (١٠٣٢).
(٥) النسائي (١٥٢٣).
[ ٢٧٩ ]
كما يشرع للمسلم أن يقر بافتقاره إلى الله تعالى، وحاجته إلى رحمته وغوثه، فينسب الفضل إليه سبحانه، لا إلى غيره؛ ولذلك أثنى الله تعالى في الحديث القدسي (١) على من قال «مطرنا برحمة الله، وبرزق الله، وبفضل الله» وعد من قال ذلك مؤمنًا به، كافرًا بالكوكب، وذم من نسب المطر إلى النوء، وعده كافرًا به، مؤمنًا بالكوكب.
ومن الرحمة في الغيث: أنه سبب لتخفيف التكاليف الشرعية، لأن وقت نزوله مظنة مشقة على الناس، فإن كان يشق على الناس بلوغ المساجد جاز لهم الصلاة في بيوتهم، وشرع للمؤذنين أن يؤذنوا فيهم بالصلاة في بيوتهم، كما روى ابن عمر -﵄-: "أن رسول الله -ﷺ- كان يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ، يَقُولُ: «أَلا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ» (٢).
فإن كان الناس في المسجد أثناء المطر فقد خفف عنهم بالجمع بين الصلاتين.
وكل هذا التخفيف من رحمة الله تعالى بعباده؛ فهو سبحانه رحم عباده بالغيث المبارك، ثم رحمهم برفع ما قد يسببه المطر من حرج ومشقة عليهم. (٣)
_________________
(١) صحيح البخاري (٨٤٦).
(٢) متفق عليه؛ البخاري (٦٣٢)، ومسلم (٦٩٧).
(٣) مختصر من خطبة للدكتور إبراهيم الحقيل بعنوان: وينزل الغيث.
[ ٢٨٠ ]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ..
الخطبة الثانية:
(الأصل التاريخي لبدعيّة الاحتفال بالمولد)
الحمد لله ..
أَيُّهَا الأحبة: كلنا يُدرك حقيقة محبته -ﷺ- وأنها: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَر، واجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَر، وأَلا يُعْبَدَ اللهُ إِلا بِمَا شَرَعَ، وليست محبته باحتفالات وموالد بدعيّة ما أنزل الله بها من سلطان .. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١).
وفي مثل هذه الأيام من كل عام تعرض الفضائيات المشاهد البدعية للاحتفال بمولد النبي -ﷺ-، ومع خطورة ذلك وأثره على جهلة المسلمين المقلدين، فإن كثيرًا من مناصري هذه البدعة عبر الإعلام اخترعوا مسوغاتٍ لفعلها، وأضفَوْا عليها شيئًا من الشرعية، التي تخدع المتلقي الجاهل، وحجبوا الرأي الآخر في القضية، وهاجموا كل من ينكر هذه البدعة.
إنهم أخفوا عن المشاهد أصل هذه البدعة، وتاريخها، وحقيقة مَن أحدثها في الإسلام، والظروف التاريخية التي أحدثت فيها، وما هو قصد مَن أحدثها مِن هذا الابتداع!
_________________
(١) [آل عمران: ٣١].
[ ٢٨١ ]
إن أمة الإسلام مضت قرونها الثلاثة الأولى لم تعرف هذه البدعة، ولا احتُفل فيها بها، وهي القرون التي زكاها النبي -ﷺ-، وأخبر أن الخلاف والبدع تكون بعدها.
وهذا من علاماتِ نبوته، إذ وقع ذلك كما أخبر به -﵊- ففي القرن الرابع الهجري ظهر بنو عبيد، المتسمَّوْن زورًا بالفاطميين، انتسابًا إلى فاطمة بنت محمد -﵊- و-﵂- وأرضاها.
ومن ثم خرجوا على الخلافة العباسية، وأقاموا الدولة الفاطمية في مصر والشام.
ولم يرتضِ المسلمون في مصر والشام سيرتهم في الحكم، وطريقتهم في إدارة شؤون الناس، فخاف بنو عبيد من ثورة الناس عليهم، فحاولوا استمالة قلوبهم، وكسب عواطفهم بإحداث الاحتفالات البدعية، فاخترع حاكمهم آنذاك الملقب: المعز لدين الله العبيدي: مولد النبي -ﷺ- وموالد لفاطمة وعلي والحسن والحسين ولجماعة من سلالة آل البيت -﵃- وأرضاهم ..
وتتابعت في دولتهم احتفالات أخرى اخترعوها، لم تكن من قبلُ في الإسلام، كالاحتفال بالهجرة، ورأس السنة الهجرية، وليلة الإسراء والمعراج، وغيرها كثير.
وظلّت هذه الموالد عند بني عبيد في مصر وبعض الشام، إلى أن انتهت دولتهم، وورثها مَن كانوا بعدهم، ولا يعرفها بقية المسلمين في شتى البقاع، بل أنكروها ولم يقبلوها تكملة القرن الرابع، وطيلة القرن الخامس والسادس، إذ انتقلت عدوى هذه الاحتفالات في أوائل القرن السابع من مصر إلى أهل إربل في العراق،
[ ٢٨٢ ]
نقلها شيخ صوفي يدعى الملا عمر، وأقنع بها ملك إربل في العراق أبا سعيد كوكبري، ثم انتشرت بعد ذلك في سائر بلدان المسلمين، بسبب الجهل والتقليد الأعمى، حتى وصلت إلى ما تشاهدونه في العصر الحاضر.
إذًا كان الهدف الرئيس من إحداث الموالد هدفًا سياسيًّا لتثبيت حكم بني عبيد، ولم يكن لمحبة النبي -ﷺ- ولا لمحبة آل بيته فيه أي نصيب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيهم: "وهؤلاء القوم - يقصد بني عبيد (الفاطميين) - تشهد عليهم الأمة وأئمتها أنهم كانوا ملحدين زنادقة، يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وجمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد اليهود أو المجوس، وهم يدّعون علم الباطن، الذي مضمونه الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعندهم: لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور .. ويستهينون باسم الله ورسوله، حتى يكتب أحدهم الله في أسفلِ نعله -﷾- عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا" (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٢) (٣).
_________________
(١) مختصر الفتاوى للبعلي (٤٨٨).
(٢) [فاطر: ٨].
(٣) مختصر من خطبة سابقة انظرها بتفصيلها ومراجعها على الرابط: https://www.alukah.net/spotlight/0/123035/
[ ٢٨٣ ]
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).
* * *
_________________
(١) [الأحزاب: ٥٦].
[ ٢٨٤ ]