الحمد لله أقصى مبلغ الحمدِ والشكر لله من قبل ومن بعدِ
الحمد لله عن سمعٍ وعن بصرٍ والحمد لله عن عقل وعن جسدِ
الحمد لله في سري وفي علني والحمد لله في حزني وفي سعدي
الحمد لله عما كنت أعمله والحمد لله عما غاب عن خلدي
الحمد لله مَن عمَّت فضائله وأنعُمُ الله أعيتْ منطق العددِ
فالحمد لله ثم الشكر يتبعه والحمد لله عن شكري وعن حمدِي
وأشهد أن لا إله إلا الله، لا معبود بحقٍ إلا الله، ولا رب لنا سواه، وأشهد أن محمدًا عبده ومصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم نلقاه (١).
ثم أمَّا بعد:
_________________
(١) المقدمة مستفادة من: موقع ملتقى الخطباء، ومن الموسوعة الإسلامية على الشبكة ولم أجد صاحبها.
[ ١٣٢ ]
فاتقوا الله عباد الله، فإن الأيام قد أسرعت بنا إلى قبورنا، وأنقصت شهورنا وأعوامنا، وما ذاك إلا من أعمارنا، ولن نجد أمامنا إلا أعمالنا، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ (١).
أَيُّهَا الأخوة: ها نحن نعيش في خضّم الأشهر الحرم التي يضاعف فيها الثواب والعقاب، بل في أوجِ خير أيام الدنيا أيامِ عشر ذي الحجة، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ» (٢) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» (٣).
قال ابن رجب: "وهذا الحديث نص في أن العمل المفضول يصير فاضلًا إذا وقع في زمان فاضل، حتى يصير أفضل من غيره من الأعمال الفاضلة؛ لفضل زمانه .. وفي أن العمل في عشر ذي الحجة أفضل من جميع الأعمال الفاضلة في غيره، ولا يستثنى من ذلك سوى أفضل أنواع الجهاد، وهو أن يخرج الرجل بنفسه وماله، ثم لا يرجع منهما بشيء" (٤).
_________________
(١) [الأنبياء: ٢١].
(٢) أيام عشر ذي الحجة.
(٣) صحيح البخاري (٩٦٩)، والترمذي (٧٥٧)، واللفظ له.
(٤) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب (٦/ ١١٥).
[ ١٣٣ ]
وقال أيضًا: "دلَّ هذا الحديث على أن العمل في أيامه أحبُّ إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده" (١).
أَيُّهَا الأخوة: تجتمع في هذه الأيام أمهات العبادة حيث يقول الحافظ ابن حجر: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك في غيره" (٢).
ومن أجلّ العبادات في هذه العشر المباركة التي نغفل عنها كثيرًا كثرة الدعاء والذكر والتكبير والتحميد والتهليل.
قال ابن القيم: "وكان -ﷺ- يكثر الدعاء في عشر ذي الحجة، ويأمر فيه بالإكثار من التهليل والتكبير والتحميد، ويُذكر عنه أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق فيقول: "الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد"، وهذا وإن كان لا يصح إسناده فالعمل عليه، ولفظه هكذا يشفع التكبير، وأما كونه ثلاثًا، فإنما روي عن جابر وابن عباس من فعلهما ثلاثا فقط، وكلاهما حسن. قال الشافعي: إن زاد فقال الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين
_________________
(١) لطائف المعارف (٤٥٨).
(٢) فتح الباري (٢/ ٢٦٠)
[ ١٣٤ ]
ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر، كان حسنًا" (١).
أيها الأخ المبارك: وأمّا يوم عرفة وما أدراك ما يوم عرفة؟ يوم التاسع من ذي الحجة، فهو يومٌ شريفٌ كريم، يومٌ تُعتَقُ فيه الرِّقابُ، ويُسمَعُ فيه الدعاءُ ويُجابُ، وما من يومٍ أكثر من أن يُعتِقَ الله -﷿- فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنُو ثم يُباهِي بهم الملائكةَ، فيقول: ما أراد هؤلاء؟
نعم أيها المبارك: عتق الرقاب وإجابة الدعاء وغفران الذنوب والأوزار هو عام للواقفين بعرفة وغيرهم من أهل الأمصار.
وخيرُ الدعاء دعاءُ يوم عرفة، فلنظهر في ذلك اليوم التوبةَ والاستغفار، والتذلُّل والانكِسار، والندامةَ والافتقار، والحاجةَ والاضطرار، ولو بقيت يا موفق في مسجدك ذلك اليوم حتى غروب الشمس لم يكن هذا كثيرًا ففي هذا اليوم من الفضائل والرحمات والخيرات والبركات ما تستحق لأجلها أن تبذل الأوقات (٢).
قال -ﷺ-: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (٣).
_________________
(١) زاد المعاد (٢/ ٣٦٠).
(٢) مستفاد من ملتقى الخطباء: خطبة لعبد الرحمن اللهيبي.
(٣) حسن؛ حسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٥٠٣)، أخرجه الترمذي (٣٥٨٥)، وغيره.
[ ١٣٥ ]
إذا لم تكن حاجًا فكن صائمًا في ذلك اليوم العظيم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» (١)، واحذر أن تكون في هذا اليوم عن الله منشغلًا أو لغيره راجيًا ومؤملًا .. عن سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب أنه رأى سائلًا يسأل الناس يوم عرفة، فقال: يا عاجزًا في هذا اليوم تسأل غير الله تعالى! .
نظر الفضيل بن عياض إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجلٍ فسألوه دانقًا - وهو مبلغ ضئيل من المال - فهل كان يردهم؟ قالوا: لا، فقال: واللهِ لَلمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق! (٢).
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ..
أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: صلاة العيد، والأضحية، من أعظم ما يتقرب به المؤمن في ذلك اليوم العظيم يوم النحر الذي هو أفضل أيام العام؛ كما في حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطٍ
_________________
(١) صحيح مسلم (٢/ ٨١٨).
(٢) من متن الإيضاح في المناسك للنووي (ص ٩٩).
[ ١٣٦ ]
-﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» رواه أحمد (١).
ومن قدر على الأضحية فلا يتركها، وذبحها أفضل من التصدق بثمنها، والأضحية الواحدة تكفي أهل البيت الواحد، ويجب الحذر من المباهاة بتكثيرها، فإن النبي -ﷺ- ضحى بكبش عنه وعن آل محمد، وضحى بكبش عن أمته، وفضل الله تعالى واسع (٢).
وجاء عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قال: سَأَلْتُ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ: «كَيْفَ كَانَتِ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَتْ كَمَا تَرَى»: رواه الترمذي وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ (٣).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (٤)، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٥).
* * *
_________________
(١) صحيح؛ صححه الألباني في "الإرواء" (١٩٥٨)، أخرجه أحمد (٣١/ ٤٢٧ - ١٩٠٧٥) وغيره.
(٢) من خطبة بتصرف للدكتور إبراهيم الحقيل بعنوان: الحج المبرور.
(٣) صحيح؛ صححه الألباني في "صحيح ابن ماجة" (١٥٠٥)، أخرجه الترمذي (٤/ ٩١ - ١٥٠٥) وابن ماجة (٣١٤٧)، وغيرهما.
(٤) [الحج: ٣٠].
(٥) [الحج: ٣٢].
[ ١٣٧ ]