الحمد لله:
أَيُّهَا الأخوة: المتأمل في القرآن الكريم يجد كثرة ذكر اليهود فيه، وذكر صفاتهم، وقصصهم، فيا ترى ما السر في ذلك؟
لما قدم الرسول -ﷺ- المدينة كان بها ثلاث قبائل من اليهود هم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، ولعلمه -﵊- بطباعهم وصفاتهم، وغدرهم وخيانتهم، واحتقارهم لأي جنس بشري غيرهم، أراد أن يعقد -﵊- معهم معاهدة أمان، وفعلًا حصل العهد، ولكن سرعان ما خانوا العهد وتطاولوا على نبي الله -ﷺ-، فكيف تعامل النبي -ﷺ- مع خيانتهم؟
فأمّا بنو قينقاع فهم أول من خان العهد من اليهود، وذلك بسبب إخلالهم بالأمن ومجاهرتهم بالعدوان بعد انتصار المسلمين في غزوة بدر، فجمعهم الرسول -ﷺ- في سوقهم وقال لهم: "يا يهود أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشًا في بدر فقالوا له إنك قابلت أناسًا لا يعرفون القتال، ولو قاتلتنا لعرفت إنا نحن الرجال".
فأظهروا العداء للمسلمين، فسار إليهم الرسول -ﷺ- في السنة الثانية من الهجرة، وحاصرهم خمسة عشر يومًا حتى قذف الله الرعب في قلوبهم، فنزلوا على حكم النبي -ﷺ- فأمر بإخراجهم من المدينة، فخرجوا إلى بلاد الشام.
[ ١٩٧ ]
وأمّا بنو النضير فقد ذهب الرسول -ﷺ- إليهم يطلب مساعدتهم في دفع دية قتيلين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ، فقالوا: نعينك يا أبا القاسم، ثم تآمروا على قتله بإلقاء حجر عليه من على سقف منزل كان يجلس إلى جنب جداره، فأخبره الله بذلك، فرجع إلى المدينة وجمع المسلمين ثم سار إليهم، وكان ذلك في السنة الرابعة من الهجرة وحاصرهم فامتنعوا بحصونهم، ولكن الله قذف في قلوبهم الرعب، فوافقوا على حكم الرسول -ﷺ-، وسألوه أن يسمح لهم بالخروج ويترك لهم أموالهم ودماءهم وما حملت الإبل، ففعل الرسول -ﷺ- فخرجوا من المدينة بعد أن خرّبوا بيوتهم بأيديهم، إلى خيبر وبلاد الشام، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَار﴾ (١).
وأمّا بنو قريضة فقد اتفقوا مع الأحزاب على مهاجمة المسلمين من الخلف، وبعد نهاية غزوة الأحزاب أمر الله -﷾- الرسول -ﷺ- بالمسير إلى بني قريظة، فقال الرسول -ﷺ- للذين معه "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فساروا إليهم وحاصروهم خمسًا وعشرين ليلة حتى أتعبهم الحصار وشق عليهم، ثم نزلوا على حكم الرسول -ﷺ-، وكان ذلك في شهر ذي القعدة من السنة الخامسة للهجرة فشفعت لهم الأوس، فقال -ﷺ-: يا معشر الأوس "ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم"
_________________
(١) [الحشر: ٢].
[ ١٩٨ ]
قالوا: بلى، فقال الرسول -ﷺ- "فذلك إلى سعد بن معاذ"، فجيء بسعد -﵁-، وقد أصيب بسهم في غزوة الأحزاب، فقال: إني أحكم فيهم: أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتُسْبي الذراري والنساء، فقال الرسول -ﷺ-: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات" وبذلك انتهى وجود اليهود في المدينة.
لقد كان -ﷺ- يُدرك خيانتهم للعهود، فهم أصحاب عبارة: "لا يوجد وعود مقدَّسة" قال الله تعالى: ﴿أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُون﴾ (١)، وقد كان -ﷺ- يدرك تحريفهم للكلام سواءً كان مكتوبًا أو مسموعًا أو مقروءًا، قال الله تعالى: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلا﴾ (٢)، وقد كان -ﷺ- يدرك إفسادهم في الأرض، ولهذا فهم في جميع استطلاعات الرأي أكثر الشعوب في العالم إثارةً للمشاكل .. قال الله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (٣).
_________________
(١) [البقرة: ١٠٠].
(٢) [النساء: ٤٦].
(٣) [الإسراء: ٤].
[ ١٩٩ ]
أَيُّهَا الأخوة: لهذه الصفات التي قلّ أن توجد في غيرهم، ولمكرهم وعدم أمن جانبهم وخطرهم، وخيانتهم وقتلهم الأنبياء والصالحين، والعلماء والدعاة: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ (١).
لهذا كله أكثر الله تعالى من ذكرهم في القرآن، وحتى لا ينخدع بهم أي مسلم، صدَّق ذلك التاريخ والواقع، فلقد أكثروا من العصيان والتمرد حتى غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، ووصفهم فِي الْقُرْآنِ بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٥) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٢).
وَضَرَبَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ عِصْيَانِهِمُ الذُّلَّ وَالْهَوَانَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ تَمَامَ الظُّهُورِ فِي تَارِيخِهِمُ الطَّوِيلِ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا حِمَايَةَ أَنْفُسِهِمْ فِي أَيِّ حِقْبَةٍ تَارِيخِيَّةٍ، بَلْ كَانُوا يَحْتَمُونَ بِغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَقْوُوا وَيَسْتَأْسِدُوا إِلَّا بِسِوَاهُمْ، وَفِي هَذِهِ السُّنَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٣)، وَلِذَا جَاءَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ تَحْذِيرُنَا مِنْ فعل ما فعلوا؛ حتى لا يُصِيبنَا مَا أَصَابَهُمْ؛ فَإِنَّ سُنَنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُحَابِي أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ
_________________
(١) [آل عمران: ٢١].
(٢) [الفاتحة: ٦ - ٧].
(٣) [البقرة: ٦١].
[ ٢٠٠ ]
مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١)، وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ.
ولقد كانوا يعرفون الحق ويكتمونه ويتواصون فيما بينهم على ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُون﴾ (٢).
وهم من أبخل خلق الله فلا يغرنكم تظاهرهم لدعم المحتاجين أو غيرهم، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ (٣) بل هم سُرّاق ويأكلون أموال الناس بغير حق، ويتعاملون بالربا والغش والرشوة .. قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ (٤)، وقال تعال: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٥).
ومع جمعهم للمال وخداعهم ومكرهم إلا أنّ الله تعالى وصفهم بالجبن الشديد والخوف: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا
_________________
(١) [الحديد: ١٦].
(٢) [البقرة: ٧٦].
(٣) [النساء: ٥٣].
(٤) [المائدة: ٦٢].
(٥) [النساء: ١٦١].
[ ٢٠١ ]
يَعْمَلُون﴾ (١)، ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُون﴾ (٢).
نسأل الله أن يكفينا والمسلمين شرهم وكيدهم .. أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ..
ومع ذكر الله تعالى لصفاتهم والتحذير منها ومنهم في القرآن، فإنّه جل وعلا سيصدق وعده حيث قال: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون﴾ (٣) (٤).
_________________
(١) [البقرة: ٩٦].
(٢) [الحشر: ١٤].
(٣) [التوبة: ٣٢].
(٤) مراجع ومصادر الخطبة:
(٥) القرآن الكريم.
(٦) فتح الباري للحافظ ابن حجر.
(٧) البداية والنهاية للإمام ابن كثير.
(٨) تفسير ابن كثير.
(٩) مختارات من السيرة النبوية من إصدارات الجامعة الإسلامية
(١٠) اليهود في القرآن د ابراهيم الحقيل.
(١١) صفات اليهود في القرآن عبدالرحيم شريف.
[ ٢٠٢ ]
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).
* * *
_________________
(١) [الأحزاب: ٥٦].
[ ٢٠٣ ]