الحمد لله المستحق للحمد والثناء، له الخلق والأمر، يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأعوذ به من حال أهل الشقاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله أفضل الرسل وخاتم الأنبياء صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه البررة الأتقياء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
فأوصيكم أخوتي ونفسي بتقوى الله ..:
﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
أَيُّهَا الأخوة: في الله: من القواعد الشرعية التي لابد أن يقر بها المؤمن المتوكل المتفائلُ قوله تعالى: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٢)، نعم قد
_________________
(١) [يوسف: ٩٠].
(٢) [النساء: ١٩].
[ ٦٧ ]
يكره الإنسان شيئًا ما، وتظلم حياته، وينغص عيشه لضجره من ذلك الشيء، سواء أكان ذلك الشيء هدفًا لم يتحقق أو أمرًا وقع وهو لا يريد وقوعه.
والإسلام - أَيُّهَا الأحبة - .. يعلم المسلم هنا درسًا مهمًا؛ وهو أن يزرع بوارق الأمل في نفسه دائمًا وأن لا يضيق ذرعًا، أو يحمل همًا لأمر كرهه وتبرم منه، فيجب أن تشيع في النفس روح التفاؤل، ثم تأمل أيها المبارك .. لم يقل الله تعالى في الآية خيرًا فقط بل قد يكون من جرّاء ذلك المكروه خيرًا كثيرًا، فقد يكون الخير في ثنايا الشر، وإن لكل شدة فرجا، ولكل ضيق مخرجا، ولكل عسر يسرا.
أَيُّهَا الأحبة في الله: طالبٌ لم يوفق، أو تاجرٌ خسر، أو صحيحٌ مرض، لا يعني ذلك أبدًا النظر إلى الحياة نظرةً سوداء، ولا يعني بتاتًا القلق والاضطراب والوساوس، وكأن الدنيا أغلقت أبوابها في وجوههم، وكأن الحياة أعلنت ساعة الصفر لرحيلهم، وكأن أبواب الأمل أوصدت، ودروب الرجاء أقفلت، ومصادر الرزق قطعت، لا، إن المسلم بعزيمته، وتوكله على الله، وتفاؤلِه يتغلب على الصعاب، ويصارع الأحداث، فإذا أقفل باب فالأبواب متعددة، وإذا تعذر مجال فالمجالات متنوعة، والفرج قريب ورُبَّ محنٍ بين طياتها منحٌ كثيرة ..
الفأل هو كما عبّر عنه النبي -ﷺ- لما سأل مَا الفَأْلُ؟ قَالَ: «الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ» (١).
_________________
(١) متفق عليه، البخاري (٥/ ٢١٧١)، ومسلم (٤/ ١٧٤٥).
[ ٦٨ ]
وفي حديث أنس -﵁- .. وفيه "ويعجبني الفأل: الكلمة الحسنة والكلمة الطيبة" (١).
إذًا هو انشراح قلب الإنسان وإحسانه الظن، وتوقع الخير بما يسمعه من الكلم الصالح، أو الحسن أو الطيَّب" (٢).
وهو ضد الطَّيرة التي هي التشاؤم ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٣)، ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٤)، يا الله بل حتى مع ظلام الدنيا بالمصائب نجد الانقلاب في حال التفاؤل، والتوكل على الله إلى صباح ونور عظيم ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٥)، وبعبارة أخرى يؤكد الله -﷿- في القرآن الكريم كن متفائلًا دائمًا .. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٦).
_________________
(١) صحيح مسلم (٤/ ١٧٤٦).
(٢) موسوعة نظرة النعيم (٣/ ١٠٤٦)، وقد جمعت د. فضليه عرفات ببحث لها منشور عبر الشبكة تعريفات عدة كلها تدور حول هذه المعاني.
(٣) [يونس: ٥٨].
(٤) [آل عمران: ١٣٩]
(٥) [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤].
(٦) [الشرح: ٥ - ٦].
[ ٦٩ ]
وفي دراسة منشورة بإحدى الجامعات الغربية، درس الباحثون فيها معدلات الوفاة والظروف الصحيّة المزمنة بين المشاركات في دراسة (مبادرة الصحة للنساء) والتي تتبعت أكثر من مائة ألف امرأة تترواح أعمارهن بين ٥٠ عام وأكثر، منذ عام ١٩٩٤ م وكانت النساء اللاتي يتسمن بالتفاؤل أقل احتمالًا بواقع ١٤% للوفاة لأي سبب مقارنةً بالمتشائمات .. وأقل احتمالا بنسبة ٣٠% للوفاة من أمراض القلب، بعد ثماني سنوات من المتابعة في هذه الدراسة وكانت المتفائلات كذلك أقل احتمالًا للإصابة بارتفاع ضغط الدم والبول السكري، أو الإقبال على تدخين السجائر (١).
وما أجمل المسلم المتفائلُ حينما يتّوج تفاؤله بالتوكل على الله تعالى، وها هي الآيات تؤكد هذا المعنى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢)، وهل تعلم أنّ آيات التوكل، وأنه سبحانه هو الوكيل، وهو نعم الوكيل سبحانه، قد بلغت حوالي اثنتين وخمسين آية (٣)، منها قوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٤) ومنها قوله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (٥)، ومنها قوله ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ
_________________
(١) دراسة منشورة عبر الشبكة.
(٢) [الطلاق: ٣].
(٣) موسوعة نظرة النعيم (٤/ ١٣٨٨).
(٤) [آل عمران: ١٥٩].
(٥) [الأحزاب: ٣].
[ ٧٠ ]
عَلَى اللهِ﴾ (١)، والتوكل هو: صدق الاعتماد على الله في استجلاب المصالح، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة، وكِلَةُ الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه (٢).
ولقد نص العلماء -﵏- على أن للتوكل مواطن، وهو مطلوب في كل شؤون الحياة، ومن ضمن تلك المواطن في القرآن الكريم ما يلي:
إذا طلبتم النصر والفرج فتوكلوا عليه .. ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣).
إذا أعرضت عن أعدائك فليكن رفيقك التوكل .. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ (٤).
إذا أعرض عنك الخلق فاعتمد على التوكل على الله .. ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٥).
_________________
(١) [آل عمران: ١٥٩].
(٢) جامع العلوم والحكم لابن رجب (٤٠٩).
(٣) [آل عمران: ١٦٠].
(٤) [النساء: ٨١].
(٥) [التوبة: ١٢٩].
[ ٧١ ]
إذا تُلي عليك القرآن أو تلوته وأردت الانتفاع به في خضم الحياة وزيادة إيمانك فاستند إلى التوكل ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١).
إذا طلبت الصلح والإصلاح بين قومٍ، لا تتوصل إلى ذلك إلا بالتوكل .. ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢).
إذا وصلت قوافل القضاء فاستقبلها بالتوكل .. ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣).
إذا نصبت الأعداء حبالات المكر فادخل أنت في أرض التوكل .. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنظِرُونِ﴾ (٤).
إذا عرفت أن مرجع الكل إلى الله، وتقدير الكُلّ فيها لله فوّطن نفسك على فرش التوكل .. ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٥).
_________________
(١) [الأنفال: ٢].
(٢) [الأنفال: ٦١].
(٣) [التوبة: ٥١].
(٤) [يونس: ٧١].
(٥) [هود: ١٢٣].
[ ٧٢ ]
إذا علمت أن الله هو الواحد على الحقيقة، وهو المالك لهذا الكون فلا يكن اتكالك إلا عليه ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (١).
إذا كانت الهداية والسعادة من الله فاستقبلها بالشكر والتوكل ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٢).
إذا داهمك الخوف، وخشيت بأس أعداء الله والشيطان والغدّار، فلا تلجأ إلاّ إلى باب الله وعليه توكل ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣).
إذا أردت أن يكون وكيلك الله في كل حال فتمسك بالتوكل في كل حال .. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (٤).
إذا أردت يكون الفردوس الأعلى منزلك فانزل في مقام التوكل .. ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٥).
_________________
(١) [الرعد: ٣٠].
(٢) [إبراهيم: ١٢].
(٣) [النحل: ٩٩].
(٤) [الأحزاب: ٣].
(٥) [النحل: ٤٢].
[ ٧٣ ]
إن شئت أن تنال محبة الله فانزل أولًا في مقام التوكل .. ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١).
إذا أردت أن يكفيك الله كل شيء، وتحصل على كل شيء من خالق السماء والأرض، ومالك الملك فعليك بالتوكل .. ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢) (٣) أي كافيه.
حقًا ما أحوج الأمة اليوم إلى هذه المعاني، وترسيخها في النفوس، فلنبدأ بأنفسنا وأسرنا ومجتمعاتنا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله ..
الخطبة الثانية:
الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: لقد استعاذ النبي -ﷺ- من الهم والحزن، فالحزن على الأمور الماضية التي لا يمكن ردها ولا استدراكها، والهم الذي يحدث بسبب الخوف من المستقبل، فيكون العبد ابن يومه، يجمع جِدَّه واجتهاده في إصلاح يومه ووقته الحاضر، فإن جمع القلب على ذلك يُوجب تكميل الأعمال، ويتسلى به العبد عن
_________________
(١) [آل عمران: ١٥٩].
(٢) [الطلاق: ٣].
(٣) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز للفيروز آبادي (٢/ ٣١٣ - ٣١٥)، وموسوعة نظرة النعيم (٤/ ١٣٨٠)، بتصرف.
[ ٧٤ ]
الهم والحزن، والنبي -ﷺ- إذا دعا بدعاء أو أرشد أمته إلى دعاء، فهو يحث مع الاستعانة بالله، والطمع في فضله على الجد والاجتهاد في التحقق لحصول ما يدعو بحصوله، والتخلي عما كان يدعو لدفعه؛ لأن الدعاء مقارنٌ للعمل، فالعبد يجتهد فيما ينفعه في الدين والدنيا، ويسأل ربه نجاح مقصده، ويستعينه على ذلك (١)، كما قال -ﷺ-: «.. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (٢).
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣).
* * *
_________________
(١) من فتاوى موقع الإسلام سؤال وجواب.
(٢) صحيح مسلم (٢٦٦٤).
(٣) [الأحزاب: ٥٦].
[ ٧٥ ]