لكل من أوذي من الناس دعوة للتأمل! !
الحمد لله
جاء بعضُ المشايخ التدامرة إلى شيخ الإسلام ابنِ تيمية في محبسه في القاهرة في محنته الأولى (٧٠٥ - ٧٠٧ هـ) وقالوا له - محذّرين -: هم - أي الخصوم - عاملون على قتلك، أو نفيك، أو حبسك، فقال لهم: "أنا إن قُتِلت كانت لي شهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى قبرص لدعوت أهلها إلى الله وأجابوني، وإن حبسوني كان لي معبدًا، وأنا مثل الغنمة كيفما تقلَّبَت تقلبت على صوف" (١).
وينقل تلميذه ابن القيّم عنه أنه قال له: "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنَّتِي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارِقُني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة" (٢).
_________________
(١) الجامع لسيرة ابن تيمية (ص ١٤٨).
(٢) الوابل الصيّب لابن القيم (ص ٤٨).
[ ٣٧٥ ]
ابتلي وأوذي في سبيل إظهار الحق وبيانه، ونصيحة المسلمين، فصبر، فقد وُشي به لدى السلطان، واتهم بالباطل زورًا وبهتانًا، وسُجن بسبب ذلك مرارًا، ليُثنى عن منهجه، ويُحال بينه وبين الناس، ولكنه قابل ذلك كله بالصبر على قَدَر الله، والرضا بقضائه، والحِلْم على من آذاه، والعفو عنهم، ولا أدلّ على ذلك من رسالته التي بعثها من مصر إلى أهله وأنصاره في دمشق، يدعوهم فيها إلى تأليف القلوب وجمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، ويحذرهم فيها من أذية من آذاه أو إهانتهم، يقول فيها: "تعلمون رضي الله عنكم، أني لا أحب أن يُؤذى أحدٌ من عموم المسلمين فضلًا عن أصحابنا بشيء أصلًا، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم، أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه، مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المسلمين، فنطوي بساط الكلام لهذا الأصل، كقول القائل: فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان يتكلم في كيد فلان، ونحو هذه الكلامات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله
اتصف بسلامة النفس، والبراءة من التشفي والانتقام حتى ممن كاده، ذُكر أن الناصر بن قلاوون لما رجع إلى الحكم في مصر بعد خلعه، جلس معه، "وأخرج من جيبه فتاوى لبعض المشايخ من خصومه في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم، قال: ففهمت مقصوده، وأن عنده حنقًا شديدًا عليهم لما خلعوه، وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعتُ في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حِلٍّ من حقي ومن جهتي، وسَكَّنْتُ
[ ٣٧٦ ]
ما عنده عليهم، قال: فكان قاضي المالكية زين الدين بن مخلو فيقول بعد ذلك: ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نُبق ممكنًا في السعي فيه، ولما قَدِرَ علينا عفا عنا" (١).
فيا ترى كيف صبر شيخ الإسلام على هذا الأذى وخرج بهذه النفس الزكيّة الطيبة الطاهرة وهذا الانشراح المبهر، وهي دعوة لكل من أحس بأذى من غيره من المسلمين أن يطبق هذه القواعد، فممّا قال:
يعِينُ العبدَ على هذا الصبر عدّةُ أشياءَ:
أحدها: أن يشهدَ أن الله خالقُ أفعالِ العباد، حركاتهم وسكناتهم وإراداتهم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يتحرك العالم في العلوي والسفلي ذرة إلا بإذنه ومشيئته، فالعباد آلة، فانظر إلى الذي سَلَّطَهم عليك، ولا تَنظُرْ إلى فِعلِهم بكَ، تَسْتَرِحْ من الهمّ والغَمِّ.
الثاني: أن يَشْهَد ذنوبه، وأنّ الله إنما سلطهم عليه بذنبه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٢).
فإذا شهد العبد أن جميع ما يناله من المكروه فسببه ذنوبه، اشتغلَ بالتوبة والاستغفار من الذنوب التي سلَّطهم عليه بسببها، عن ذَمِّهم ولَومِهم والوقيعةِ فيهم.
_________________
(١) أصول الحكم على المبتدعة عند شيخ الإسلام ابن تيمية مبحث ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية.
(٢) [الشورى: ٣٠].
[ ٣٧٧ ]
وإذا رأيت العبدَ يقع في الناس إذا آذوه، ولا يرجع إلى نفسه باللوم والاستغفار، فاعلم أن مصيبته مصيبة عظيمة حقيقة.
قال علي بن أبي طالب -﵁-: كلمة من جواهر الكلام: «لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن عبد إلا ذنبه».
وروي عنه وعن غيره: «ما نزلَ بلاءٌ إلاّ بذنبٍ، ولا رُفِع إلاّ بتوبة».
الثالث: أن يشهد العبدُ حُسْنَ الثواب الذي وعده الله لمن عَفَا وصَبَر، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (١).
ولمّا كان الناسُ عند مقابلة الأذى ثلاثة أقسام: ظالم يأخذ فوق حقّه، ومقتصدٌ يأخذ بقدرِ حقِّه، ومحسنٌ يعفو ويترك حقَّه، ذَكَر الأقسامَ الثلاثة في هذه الآية، فأولها للمقتصدين، ووسطها للسابقين، وآخرها للظالمين.
ويشهد نداءَ المنادي يوم القيامة: «ألا لِيَقُم مَن وَجَب أجرُه على الله»، فلا يَقُمْ إلاّ من عفا وأصلح، وإذا شهِدَ مع ذلك فوتَ الأجر بالانتقام والاستيفاء، سَهُلَ علمُه الصبر والعفو.
الرابع: أن يشهد أنه إذا عَفا وأحسنَ أورثَه ذلك من سلامةِ القلب لإخوانه، ونَقائِه من الغِشّ والغِلّ وطلبِ الانتقام وإرادةِ الشرّ، وحصَلَ له من حلاوة العفو ما يزيد لذّتَه ومنفعتَه عاجلًا وآجلًا، على المنفعة الحاصلة له بالانتقام أضعافًا مضاعفةً،
_________________
(١) [الشورى: ٤٠].
[ ٣٧٨ ]
ويدخل في قوله تعالى: ﴿والله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، فيصير محبوبًا لله، ويصير حالُه حالَ من أُخِذَ منه درهمٌ فعُوضَ عليه ألوفًا من الدنانير، فحينئذٍ يَفرحُ بما منَّ الله عليه أعظمَ فرحًا يكون.
الخامس: أن يعلم أنه ما انتقم أحد قَطُّ لنفسه إلاّ أورثَه ذلك ذُلًاّ يجده في نفسه، فإذا عَفا أعزَّه الله تعالى، وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق حيث يقول: «مَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ، إِلَّا عِزًّا» (٢) فالعز الحاصل له بالعفو أحب إليه وأنفع له من العز الحاصل له بالانتقام، فإن هذا عزُّ في الظاهر، وهو يورث في الباطن ذلًا، والعفو ذلُّ في الباطن، وهو يورث العز باطنًا وظاهرًا.
السادس: وهي من أعظم الفوائد: أن يَشهدَ أن الجزاء من جنس العمل، وأنه نفسه ظالمٌ مذنب، وأنّ من عَفا عن الناس عَفَا الله عنه، ومن غَفَر لهم غَفَر الله له. فإذا شَهِدَ أن عفوه عنهم وصفحَه وإحسانَه مع إساءتِهم إليه سببٌ لأن يجزيه الله كذلك من جنس عمله، فيعفو عنه ويصفح، ويُحسِن إليه على ذنوبه، ويَسْهُل عليه عفوُه وصبرُه، ويكفي العاقلَ هذه الفائدةُ.
السابع: أن يَعلم أنه إذا اشتغلتْ نفسُه بالانتقام وطلب المقابلة ضاعَ عليه زمانُه، وتفرَّقَ عليه قلبُه، وفاتَه من مصالحِه مالا يُمَكِن استدراكُهُ، ولعلّ هذا أعظم
_________________
(١) [آل عمران: ١٣٤].
(٢) صحيح مسلم (٢٥٨٨).
[ ٣٧٩ ]
عليه من المصيبة التي نالتْه من جهتهم، فإذا عفا وصَفحَ فَرغَ قلبُه وجسمُه لمصالحه التي هي أهمُّ عنده من الانتقام.
الثامن: أن يعلم أن رسول الله -ﷺ- ما انتقمَ لنفسِه قَطُّ، فإذا كان هذا خيرَ خلق الله وأكرمَهم على الله لم يَنتقِمْ لنفسِه، مع أن أَذَاه أَذَى الله، ويتعلّقُ به حقوق الدين، ونفسه أشرف الأنفُس فكيف يَنتقِمُ أحدنا لنفسِه التي هو أعلم بها وبما فيها من الشرور والعيوب.
التاسع: إن أُوذِيَ على ما فعلَه لله، أو على ما أُمِرَ به من طاعتِه ونُهِي عنه من معصيتِه، وجبَ عليه الصبرُ، ولم يكن له الانتقام، فإنّه قد أوذِي في الله فأجرُه على الله. ولهذا لمّا كان المجاهدون في سبيل الله ذهبتْ دماؤهم وأموالُهم في الله لم تكن مضمونةً، فإن الله اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، فالثمن على الله لا على الخلق
العاشر: أن يشهد معية الله معه إذا صبر، ومحبة الله له إذا صبر ورضاه، ومن كان الله معه دفع عنه أنواع الأذى والمضرات ما لا يدفعه عنه أحد من خلقه، قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١).
أقول قولي هذا وأستغفر الله ..
الخطبة الثانية:
الحمد لله ..
_________________
(١) مختصر من جامع المسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٦٨ - ١٧٤) ورسالة الصبر على الأذى لشيخ الإسلام مطبوعة في مطوية وما ذُكر هو جزء منها فقط
[ ٣٨٠ ]
أَيُّهَا الأخوة: العلماء هم ورثة الأنبياء، والعلماء إنما يقتدون بهم وبمنهجهم -﵈- .. فيوسف -﵇- قال لأخوته وقد أوذي وصبر حتى أظفره الله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١).
﴿قَالَ﴾ لهم يوسف -﵇-، كرمًا وجودًا: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فسمح لهم سماحًا تامًا، من غير تعيير لهم على ذكر الذنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا نهاية الإحسان، الذي لا يتأتى إلا من خواص الخلق وخيار المصطفين (٢).
ومحمد -ﷺ- وقف يوم فتح مكة، حينما دخلها منتصرًا، وجلس في المسجد والناس حوله والعيون شاخصة إليه ينتظرون ماذا سيفعل -ﷺ- بمن آذاه وحاربه وأخرجه من بلده، فيظهر تمثله بخلقه وشفقته وعدم انتصاره لنفسه؛ فيقول لهم -ﷺ-: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ» (٣).
_________________
(١) [يوسف: ٩٢].
(٢) تفسير السعدي (٤٠٥).
(٣) سيرة ابن هشام (٢/ ٤١٢)، قال ابن حجر في فتح الباري: وروى ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب مرسلا نحوه، وعند ابن إسحاق بإسناد حسن عن صفية بنت شيبة قالت: لما نزل رسول الله -ﷺ- واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتح له فدخلها، ثم وقف على باب الكعبة فخطب قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أنه -ﷺ- قام على باب الكعبة، فذكر الحديث، وفيه: ثم قال يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. ثم جلس فقام علي فقال: اجمع لنا الحجابة والسقاية، فذكره. وروى ابن عائذ من مرسل عبد الرحمن بن سابط أن النبي -ﷺ- دفع مفتاح الكعبة إلى عثمان فقال: خذها خالدة مخلدة، إني لم أدفعها إليكم ولكن الله دفعها إليكم، ولا ينزعها منكم إلا ظالم فتح الباري (٧/ ٦١٢).
[ ٣٨١ ]
أَيُّهَا الأحبة: وإذا كان هذا العفو الجميل من البشر فما ظنّكم برّب البشر .. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا ..
* * *
[ ٣٨٢ ]