نِعَمٌ تتوالى علينا بحمد الله .. وقد أصيب أقوامٌ بالخوف والقلق والقتال، نِعَمٌ وأرزاقٌ تأتينا رغدًا من كل مكان وإخوانٌ لنا لا يجدون لقمة العيش إلا بتعب وعناء، وربما ماتوا من الجوع والإقلال، وإن لم يكن فالقتال وتسلط الضُّلال.
فالحمد لله على نعمة التوحيد والحمد لله على نعمة الأمن والإيمان والرزق والصحة.
كثيرًا ما يتحدث علماء التنمية البشرية عن أنّ: ممارسة عبادة الحمد والشكر لله في الحياة اليومية له تأثير عجيب يبعث طمأنينة وسعادة وسكينة وتوفيقًا (١)، والحقيقة أنّ الكتاب والسنة سبقتهم في ذلك، بل الأمر أعم وأشمل من هذا، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٢).
_________________
(١) راجع في ذلك: أسرار "قوة الشكر" ل عبد الدائم الكحيل.
(٢) [إبراهيم: ٧].
[ ٤٢٢ ]
فالشكر يزيد النعم .. كما أن الكفر يذهبها، هكذا كانت نصوص المفسرين إنها صريحة الدلالة إنها عامة .. إن الزيادة في كل شيء .. في الصحة في المال .. في الجاه .. في النصر .. في العز والرفعة .. في كل شيء.
قال ابن القيم:
"قرن سبحانه الشكر بالإيمان وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا به فقال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (١) ..
إلى أن قال: وعلق سبحانه المزيد بالشكر، والمزيد منه لا نهاية له كما لا نهاية لشكره"
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٢) (٣) انتهى كلامه.
كثيرةٌ هي آيات الشكر في القرآن تزيد على الخمسين آية، ويكفي أن الله تعالى وصف العظماء من خلقه بأنهم من الشاكرين، فنوح -﵇-: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (٤).
_________________
(١) [النساء: ١٤٧].
(٢) [إبراهيم: ٧].
(٣) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص ٩٨) وما بعدها.
(٤) [الإسراء: ٣].
[ ٤٢٣ ]
وإبراهيم -﵇-: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).
وأوصى الله موسى -﵇- بقوله: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢).
ومحمد -ﷺ- كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه قالت عَائِشَةَ -﵂-: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» (٣).
أيها الأخ المبارك:
بعد المحافظة على الفرائض والواجبات تكون ممارسة الشكر اليومية بما يلي::
أولًا: أذكار الصباح والمساء، وأدبار الصلوات، وأذكار النوم:
والتي منها التسبيح بحمد الله، كما جاء في حديث جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ أم المؤمنين -﵂-، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ،
_________________
(١) [النحل: ١٢١].
(٢) [الأعراف: ١٤٤].
(٣) متفق عليه؛ البخاري (٤٨٣٧)، ومسلم (٢٨٢٠).
[ ٤٢٤ ]
لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (١).
ومنها ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» (٢).
ومنها كذلك ما روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنَّامٍ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ، وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ» (٣).
ثالثًا: الصدقة اليومية ولو بشكل يسير:
والأصل في ذلك ما رواه أَبو هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (٤).
ثالثًا: صلاة الضحى:
_________________
(١) مسلم (٢٧٢٦).
(٢) متفق عليه؛ البخاري (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩٢).
(٣) إسناده ضعيف؛ في سنده عبدالله بن عنبسة وهو ضعيف، أخرجه أبو داود (٥٠٧٣)، والنسائي (٩٧٥٠)، وغيرهما.
(٤) متفق عليه؛ البخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠).
[ ٤٢٥ ]
عَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، أَنَّهُ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» متفق عليه (١).
رابعًا: الشكر عند ممارسة النعم:
كالأكل والشرب واللبس ونحو ذلك .. فعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
قَالَ: وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا الثَّوْبَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي، وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» (٢).
وأما سجود الشكر: فيكون عند تجدد نعمة أو حدوثها كان النَّبِيِّ -ﷺ- «كَانَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْ بُشِّرَ بِهِ، خَرَّ سَاجِدًا، شُكْرًا لِلَّهِ ﵎» (٣).
يقول الإمام البهوتي الحنبلي:
"وَتُسْتَحَبُّ سَجْدَةُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ ظَاهِرَةٍ عَامَّتَيْنِ لَهُ وَلِلنَّاسِ أَوْ فِي أَمْرٍ يَخُصُّهُ نَصًّا كَتَجَدُّدِ وَلَدٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ نُصْرَةٍ عَلَى عَدُوٍّ ..
_________________
(١) صحيح مسلم (٧٢٠).
(٢) حسن؛ حسنه الألباني في الإرواء (١٩٨٩)، أخرجه الترمذي (٣٤٥٨)، وأبو داود (٤٠٢٣)، وغيرهما.
(٣) حسن؛ حسنه الألباني في صحيح الجامع (٤٧٠١)، أخرجه أبو داود (٢٧٧٤)، والترمذي (١/ ٢٩٩)، وابن ماجه (١٣٩٤)، وغيرهم.
[ ٤٢٦ ]
وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ فِي النِّعْمَةِ الظُّهُورُ فَنِعَمُ اللَّهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَا تُحْصَى وَالْعُقَلَاءُ يُهَنِّئُونَ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْعَارِضِ وَلَا يَفْعَلُونَهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ " (١) انتهى كلامه.
خامسًا: الشكر المطلق في أي وقت:
إذ كما أنّ الشكر يكون عند تناول النعم، فيكون أيضًا في أي حال وأي وقت قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٢).
سادسًا: شكر من أسدى لك خدمةً أو معروفًا من الناس:
فقد روى الترمذي عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» (٣).
وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ، لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ، وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ» (٤).
سابعًا: المحافظة على النعم:
بعدم كفرها ومن كفرها عدم شكرها ضد الاسراف ..
_________________
(١) كشاف القناع (١/ ٤٤٩ - ٤٥٠).
(٢) [البقرة: ١٧٢].
(٣) صحيح؛ صححه الألباني في "صحيح الجامع" (٦٣٦٨)، أخرجه أبو داود (٢٠٣٥)، والنسائي (٩٩٣٧)، وغيرهما.
(٤) حسن؛ حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٢٧٢)، أخرجه أحمد (٣٠/ ٣٩٠)، وغيره.
[ ٤٢٧ ]
قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١)، فلا تأخذ ما هو زائد عن حاجتك، وإن فضل شيء فأعطه من هو محتاج وإياك ورميها فقد تضيع منك وقت ماتكون أشد حاجةً إليها، ومن أخطر كفران النعم ارتكاب ما يغضب الله تعالى إذ كيف ينعم عليك وأنت تعصيه! ! وهذا مؤذن بزوال النعمة، كما قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٢).
وأخيرًا تذكر أن الشكر كما يقول ابن القيم:
"أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالْقَلْبِ خُضُوعًا وَاسْتِكَانَةً، وَبِاللِّسَانِ ثَنَاءً وَاعْتِرَافًا، وَبِالْجَوَارِحِ طَاعَةً وَانْقِيَادًا" (٣) انتهى كلامه.
هذه النقاط إذا مارستها بشكلٍ يومي أخي الكريم وحافظت عليها، فستجد أن حياتك الدنيوية تغيّرت تغيّرًا جذريًا نحو الأفضل وكنت من الله أقرب وفزت برضوانه، ولقد قام بعض الأطباء بتجارب كثيرة لدراسة تأثير الشكر على الدماغ ونظام المناعة والعمليات الدقيقة في العقل الباطن، ووجدوا أن للشكر تأثيرًا محفزًا لطاقة الدماغ الإيجابية، مما يساعد الإنسان على مزيد من الإبداع وإنجاز الأعمال الجديدة. كما تؤكد بعض الدراسات أن الامتنان للآخرين وممارسة الشكر والإحساس الدائم بفضل الله تعالى يزيد من قدرة النظام المناعي للجسم!
_________________
(١) [الأعراف: ٣١].
(٢) [النحل: ١١٢].
(٣) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٢٣٧).
[ ٤٢٨ ]
يقوم الدكتور Robert Emmon وفريق البحث في جامعة كاليفورنيا بدراسة الفوائد الصحية للشكر، وقد وجد بنتيجة تجاربه على الطلاب أن الشكر يؤدي إلى السعادة، وإلى استقرار الحالة العاطفية وإلى صحة نفسية وجسدية أفضل. فالطلاب الذين يمارسون الشكر كانوا أكثر تفاؤلًا وأكثر تمتعًا بالحياة ومناعتهم أفضل ضد الأمراض، وحتى إن مستوى النوم لديهم أفضل (١)، أسعدك الله وجعلك من أوليائه، والحمد لله أولًا وآخرا.
* * *
_________________
(١) من مقال أسرار "قوة الشكر" لـ عبد الدائم الكحيل منشور عبر الشبكة.
[ ٤٢٩ ]