حول القرطبي وقرطبة والكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، رب يسِّر وأعن وبارك يا كريم، اللهم صل وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعه ..
وبعد:
فهذه سلسلة كلمات مختصرات في تفسير آيات الأحكام وتدبر بعض الآيات مقتبسةٌ غالبًا من الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمن من السنة وأحكام الفرقان، المشهور بـ "تفسير القرطبي" للإمام أبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي.
أركز فيها على الفوائد العقدية، والأحكام الفقهية المستنبطة مع اللفتات التدبرية، نسأل الله الإخلاص والتوفيق.
أولًا: حول المؤلف (القرطبي):
هو الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي، فقيه مفسر عالم باللغة وُلد في مدينة قرطبة بالأندلس، وقد رحل بعد سقوطها إلى الإسكندرية، ثم إلى صعيد مصر حيث استقر فيه، كان القرطبي عالمًا كبيرًا منقطعًا إلى العلم منصرفًا عن الدنيا، فترك ثروة
[ ٤٤١ ]
علمية تقدر بثلاثة عشر كتابًا ما بين مطبوع ومخطوط، أبرزها تفسيره الكبير الجامع لأحكام القرآن الكريم الذي بين أيدينا نقتبس منه، والتذكرة بأحوال الموتى، أحوال الآخرة، التذكار في أفضل الأذكار، التقريب لكتاب التمهيد.
توفي القرطبي ودفن في صعيد مصر ليلة الإثنين التاسع من شهر شوال سنة ٦٧١ هـ. وقبره الآن بالمنيا بشرق النيل، غفر الله له، يا الله وكم من خالدٍ عبر السنين خلّد الله ذكره بسبب علمه الذي يُنتفع به لمّا كان خالصًا.
ثانيًا: حول قرطبة:
قرطبة: قال عنها ياقوت الحموي: قُرطبة - بضم أوله، وسكون ثانيه، وضم الطاء المهملة، وباء موحدة -: مدينة عظيمة بالأندلس، وكانت سريرًا لملكها وقصبتها، وبها كانت ملوك أمية، وبينها وبين البحر خمسة أيام (١)، وهي الآن: مدينة كوردو، واقعة على نهر الوادي الكبير، وتقع على بُعد ١٣٨ كلم شمالي شرق (٢).
وقرطبة أيام حكم المسلمين لأسبانيا من أشهر حواضر المسلمين ومدنهم، ذكرها الكثير من المؤرخين العرب في كتاباتهم ومنهم ياقوت الحموي، حيث كانت قرطبة في عهد عبد الرحمن الثالث الأموي عاصمة لدولة الأندلس، ويستضيء الماشي
_________________
(١) معجم البلدان (٤/ ٣٢٤).
(٢) دائرة معارف القرن العشرين محمد فريد وجدي (٧/ ٧٥١)، الموسوعة العربية العالمية (١٨/ ١٦٣). للمزيد فيما سبق: انظر: الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب؛ لابن فرحون (ص: ٤٠٧)، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقري (٢/ ٢١٠)، شذرات الذهب، لابن العماد (٥/ ٣٣٥)، ترجمة الإمام القرطبي محمد حسوني.
[ ٤٤٢ ]
بسراجها من على بعد عشرة أميال، وبلغ عدد سكانها حوالي المليون نسمة بينما كانت أكبر مدينة في أوروبا لا يزيد سكانها عن ربع مليون نسمة، وبلغ عدد قصورها ثمانون ألفا، غير البيوت والمنازل الأخرى، وكان فيها مائة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي، وتحتوي المدينة على خمسين مستشفى، وفيها ستمائة مسجد ومن أهم مساجدها مسجد قرطبة، والذي لم يوجد له مثيل أو نظير في الفخامة والزخرفة وروعة البنيان! !
وأمّا جامعها المشهور بجامع قرطبة ففي عهد عبد الرحمن الداخل بدأ العمل عليه ولا زال قائمًا في المدينة اليوم، واستمر الحكم بيد الأمويين من سلالة عبد الرحمن الداخل في تلك الفترة (١).
قال الحموي: إلى حدود سنة ٤٤٠ هـ فإنه انقضت مدة الأمويين وابن أبي عامر وظهر المتغلبون بالأندلس وقويت شوكة بني عبّاد وغيرهم، واستولى كلّ أمير على ناحية، وخلت قرطبة من سلطان يرجع إلى أمره وصار كل من قويت يده عمرت مدينته، وخربت قرطبة بالجور عليها، فعمّرت إشبيلية ببني عباد عمارة صارت بها سرير ملك الأندلس، فهي إلى الآن على ذلك من العمارة، وخربت قرطبة وصارت كإحدى المدن المتوسطة، وقد رثوها فأكثروا فيها، وممن تشوّق إليها القاضي محمد بن أبي عيسى بن يحيى الليثي قاضي الجماعة بقرطبة فقال فيها:
_________________
(١) انظر للتفصيل بحث عن قرطبة منشور في مجلة التربية الإسلامية /جمعية التربية الإسلامية في بغداد شعبان ١٣٩٥ هـ نقلا عن الموسوعة الحرة.
[ ٤٤٣ ]
ويلُ امِّ ذكراي من ورق مغرّدة على قضيب بذات الجزع ميّاس
رددن شجوا شجا قلبي الخلّي فقل في شجو ذي غربة ناء عن الناس
ذكّرنه الزمن الماضي بقرطبة بين الأحبّة في لهو وإيناس
هجن الصبابة لولا همّة شرفت فصيّرت قلبه كالجندل القاسي (١)
يا ترى هل ستعود قرطبة؟ الأمل بالله كبير .. اللهم عودةً صادقة لأمةِ محمد -ﷺ-.
ثالثًا: حول الكتاب (تفسير القرطبي):
قال: "فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجمع علوم الشرع الذى استقل بالسُّنَّة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري، وأستفرغ فيه منتي، بأن أكتب فيه تعليقًا وجيزًا يتضمن نكتًا من التفسير، واللُّغات، والإِعراب، والقراءات، والرد على أهل الزيغ والضلالات، وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات، جامعًا بين معانيها، ومبينًا ما أشكل منها بأقاويل السَلَف ومَن تبعهم من الخَلَف .. وشرطي في هذا الكتاب: إضافة الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يُضاف الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يُضاف القول إلى قائله، وكثيرًا ما يجئ الحديث في كتاب الفقه والتفسير مبهمًا، لا يعرف من
_________________
(١) معجم البلدان (٤/ ٣٢٤).
[ ٤٤٤ ]
أخرجه إلا مَن اطلع على كتب الحديث، فيبقى مَن لا خبرة له بذلك حائرًا لا يعرف الصحيح من السقيم، ومعرفة ذلك علم جسيم، فلا يُقبل منه الاحتجاج به ولا الاستدلال حتى يضيفه إلى مَن خرَّجه من الأئمة الأعلام، والثقات المشاهير من علماء الإسلام، ونحن نشير إلى جُمَل من ذلك في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. وأُضرب عن كثير من قصص المفسِّرين، وأخبار المؤرخين، إلا ما لا بد منه، وما لا غنى عنه للتبيين، واعتضت من ذلك تبيين آي الأحكام، بمسائل تُفسِّر عن معناها، وتُرشد الطالب إلى مقتضاها، فضمنت كل آية تتضمن حكمًا أو حكمين فما زاد مسائل أُبيِّن فيها ما تحتوى عليه من أسباب النزول، والتفسير، والغريب، والحكم، فإن لم تتضمن حكمًا ذكرتُ ما فيها من التفسير والتأويل
وهكذا إلى آخر الكتاب، وسميته بـ "الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السُّنَّة وأحكام الفرقان ".
كانت تلك كلمات الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره.
ووصف العلامة ابن فرحون هذا التفسير فقال: "هو من أجَلِّ التفاسير وأعظمها نفعًا، أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن واستنباط الأدلة، وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ" (١).
والذي يقرأ في هذا التفسير يجد أن القرطبي قد وفَّى بما شرط على نفسه في هذا التفسير، فهو يعرض لذكر أسباب النزول، والقراءات، والإعراب، ويبين الغريب من ألفاظ القرآن، ويحتكم كثيرًا إلى اللُّغة، ويُكثر من الاستشهاد بأشعار
_________________
(١) التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبي (٢/ ٣٣٦).
[ ٤٤٥ ]
العرب، ويرد على المعتزلة، والقدرية، والروافض، والفلاسفة، وغلاة المتصوفة، ولم يسقط القصص بالمرة، كما تفيده عبارة ابن فرحون، بل أضرب عن كثير منها، كما ذكر في مقدمة تفسيره، ولهذا يروى أحيانًا ما جاء من غرائب القصص الإسرائيلي، هذا .. وإن المؤلف ينقل عن السَلَف كثيرًا مما أُثِر عنهم في التفسير والأحكام، مع نسبة كل قول إلى قائله وفاءً بشرطه، كما ينقل عمن تقدمه في التفسير، خصوصًا مَن أَلَّف منهم في كتب الأحكام، مع تعقيبه على ما ينقل منها. وممن ينقل عنهم كثيرًا: ابن جرير الطبري، وابن عطية، وابن العربي، والكياالهراسى، وأبو بكر الجصَّاص.
وأما من ناحية الأحكام، فهو يفيض في ذكر مسائل الخلاف ما تعلق منها بالآيات عن قُرْب، وما تعلق بها عن بُعْد، مع بيان أدلة كل قول، ومن خير ما في هذا الإمام أنه لا يتعصب لمذهبه المالكي، بل يمشي مع الدليل حتى يصل إلى ما يرى أنه الصواب أيًا كان قائله (١).
هذا ولازالت المصابيح باقية فللحديث صلة إن شاء الله .. نسأله الله الإعانة والتوفيق.
* * *
_________________
(١) للمزيد انظر: التفسير والمفسرون (٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨).
[ ٤٤٦ ]