الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: ولا زال الحديث عن معالم تلك السورة العظيمة سورة الفتح .. ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (١)، ومع الأحكام والأخبار والمعاني، والسنن الكونية والشرعية التي يستضيئ بها المؤمنون في حياتهم.
وتبيّن أنّ الفتح المذكور هو صلح الحديبية، حين صدَّ المشركون رسول الله -ﷺ- لما جاء معتمرًا في قصة طويلة صار آخر أمرها أن صالحهم رسول الله -ﷺ- على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، وعلى أن يعتمر من العام المقبل، وعلى أن من أراد أن يدخل في عهد قريش وحلفهم دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد رسول الله -ﷺ- وعقده فعل.
وبسبب ذلك، اتسعت دائرة الدعوة لدين الله -﷿-، وصار كل مؤمن بأي محل كان من تلك الأقطار يتمكن من ذلك، وأمكن الحريص على الوقوف على حقيقة الإسلام، فدخل الناس في تلك المدة في دين الله أفواجا، فلذلك سماه الله فتحا، ووصفه بأنه فتح مبين أي: ظاهر جلي، ولهذا عندما يقّدر الله أمرًا من الأمور
_________________
(١) [الفتح: ١].
[ ٢١٣ ]
الكونية أو الشرعية يجب على المؤمن أن يجزم بأن تقدير الله هو الخير بعينه! ! حقًا ما أحوجنا إلى هذه المعاني في العصر! !
وتجلت لنا - أَيُّهَا الأخوة - سننٌ كونية وشرعية أخرى عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
في (بيعة الرضوان) التي بايع الصحابة -﵃- فيها رسول الله -ﷺ-، تبيّن أنّ كل داعية إلى الله، ومجاهد في سبيل الله تعالى .. فالله تعالى متكفل بحفظه ونصره! ! فهل من يتكفل الله بحفظه ونصره يُهزم أو يقهر؟ !
وثمة ارتباط - أَيُّهَا الأخوة - بين الإيمان والتوكل والسكينة، ودليل على أنّه في حالة الاضطراب والفتن والصعوبات والابتلاءات لا يترك الله المؤمنين وحدهم، بل يثبتهم، وينزل عليهم السكينة والطمأنينة والنصر والفتح، حتى لو كان ظاهرُ الحال غيرَ ذلك، وثمة ثلاث آيات في الفتح دلّت على ذلك ..
أَيُّهَا الأخوة: ومن أعظم معالم هذه السورة العظيمة؛ سورةِ الفتح أنها تحدثت عن فضلِ أفضل الخلق بعد الأنبياء -﵈- إنهم صحابةُ رسول الله -ﷺ-، وكأنها تشير إلى الخير والفتح والنصر والتمكين في اتباع منهجهم وحبهم والدفاع عنهم، وأنّ الخزي والعار والذل في الانتقاص منهم والبعد عن منهجهم وطريقتهم -﵃- ..
_________________
(١) [الفتح: ١٠].
[ ٢١٤ ]
قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١).
فأخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين صحابة رسول الله -ﷺ- الذين بايعوا رسول الله -ﷺ- تحت الشجرة ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: من الصدق والوفاء، والسمع والطاعة، ﴿فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾: وهي الطمأنينة، ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة (٢).
وقال جل وعلا في آخر السورة: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣).
فأخبر تعالى عن رسوله -ﷺ- وأصحابه من المهاجرين والأنصار، أنهم بأكمل الصفات، وأجل الأحوال، وأنهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ أي: جادون ومجتهدون في عداوتهم، وساعون في ذلك بغاية جهدهم، فلم يروا منهم إلا الغلظة والشدة، فلذلك
_________________
(١) [الفتح: ١٨].
(٢) للمزيد راجع تفسير ابن كثير (٧/ ٣٣٢).
(٣) [الفتح: ١٩].
[ ٢١٥ ]
ذل أعداؤهم لهم، وانكسروا، وقهرهم المسلمون ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: متحابون متراحمون متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، هذه معاملتهم مع الخلق، وأما معاملتهم مع الخالق فإنك ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ أي: فوصفهم بكثرة الصلاة، التي أجل أركانها الركوع والسجود.
﴿يَبْتَغُونَ﴾ بتلك العبادة ﴿فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ فهذا مقصودهم بلوغ رضا ربهم، والوصول إلى ثوابه.
﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ أي: قد أثرت العبادة - من كثرتها وحسنها - في وجوههم، حتى استنارت، لما استنارت بالصلاة بواطنهم، استنارت [بالجلال] ظواهرهم.
ثمّ أوضح الله تعالى مضرب مثلِ الصحابة -﵃- في الإنجيل، وأنهم كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسوقه، وكون الصغير والمتأخر إسلامه، قد لحق الكبير السابق ووازره وعاونه على ما هو عليه، من إقامة دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه، فآزره فاستغلظ، ولهذا قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ حين يرون اجتماعهم وشدتهم على دينهم، وحين يتصادمون هم وهم في معارك النزال، ومعامع القتال (١).
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أولئك هم أصحاب رسول الله -ﷺ- و-﵃- الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ..
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٧٩١).
[ ٢١٦ ]
ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك، في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: "لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية .. ووافقه طائفة من العلماء على ذلك (١).
وثمة سنة كونية قدرية أنّ كل من جمع الله الإيمان والعمل الصالح والإخلاص لله -﷿- والاحتساب عند الله؛ رزقه الله سعة رزق، ورضى منه سبحانه، بل ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٢) حتى ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: عن ابن عباس -﵁-: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم﴾ يعني: السمت الحسن.
وقال مجاهد وغير واحد: يعني الخشوع والتواضع.
وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار.
قال بعض السلف: إن للحسنة نورًا في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس.
وقال أمير المؤمنين عثمان -﵁-: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.
والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله أصلح الله ظاهره للناس، كما روي عن عمر بن
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٧/ ٣٦٢).
(٢) [التوبة: ٧٢].
[ ٢١٧ ]
الخطاب -﵁- أنه قال: «من أصلح سريرته أصلح الله علانيته» (١)، اللهم أصلح سرائرنا وعلانيتنا، أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ..
ومن معالم هذه السورة العظيمة في قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٢).
يقول سبحانه مخبرًا عن الكفار من مشركي العرب من قريش ومن مالأهم على نصرتهم على رسول الله - -ﷺ- -: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: هم الكفار دون غيرهم، ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: وأنتم أحق به، وأنتم أهله في نفس الأمر، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي: وصدوا الهدي أن يصل إلى محله، وهذا من بغيهم وعنادهم.
وقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ﴾ أي: بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة على أنفسهم من قومهم، لكنا سلطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) [الفتح: ٢٦].
[ ٢١٨ ]
القتل؛ ولهذا قال: ﴿لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام.
ثم قال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلًا ذريعًا (١).
فانظر يا عبدالله! ! كيف ردَّ الله إبادة كفار لوجود مؤمنين صالحين بين أظهرهم فهل يخطر ببال أحدنا أن لا يدفع الله عن المسلمين شرًا، والمؤمنون الداعون الموحدون بين أظهرهم، وقد دفعها عن الكفار لوجودهم بين أظهرهم؟؟ إنها رحمة الله تعالى بالمؤمن! ! فكن دائمًا وأبدًا مكرمًا للصالحين فإن الله يدفع البلاء عنك بسببهم ..
ثم يخبر الله تعالى في آية عظيمة من آيات الفتح، وسنة كونية جارية لامحالة فيقول عزّ من قائل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ (٢)، يا لها من بشارة أن الله تعالى سيعز هذا النبي الرسول -ﷺ- وهذا الدين ويظهره وينصره على سائر ملل أهل الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ أي: بالعلم النافع والعمل الصالح؛ فإن الشريعة تشتمل على شيئين: علم وعمل، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول،
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٧/ ٣٤٥).
(٢) [التح: ٣٣].
[ ٢١٩ ]
فإخباراتها حق وإنشاءاتها عدل، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: على أهل جميع الأديان من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم ومليين ومشركين، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، نعم العاقبة والغلبة لهذا الدين ولأتباعه من المتقين والله شاهد على ذلك جلّ شأنه (١) ..
ولا زال في الحديث بقية عن معالم هذه السورة العظيمة فاستبشروا وأملّوا ..
* * *
_________________
(١) للمزيد راجع المرجع السابق.
[ ٢٢٠ ]