صلح الحديبية
الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: وهذا لقاء ثالث عن معالم تلك السورة العظيمة سورة الفتح .. ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ويكفي أنها تحدثت عن قصة صلح الحديبية الذي سمّاه الله تعالى فتحًا مبينًا؛ لما تضمن بعده من اتساع دائرة الدعوة لدين الله تعالى، ودخول الناس أفواجًا، ومما جاء في قصة هذا الصلح العظيم، وأصحاب بيعة الشجرة بيعة الرضوان ..
كان النبي -ﷺ- قد رأى في المنام أنه دخل مكة مع المسلمين محرمًا معتمرًا، فبشَّر بها أصحابه، وفرحوا بها فرحًا شديدًا، وقد اشتاقت نفوسهم إلى زيارة البيت العتيق والطواف به، فخرج -ﷺ- سنة ست من الهجرة في ذي القعدة، وكان معه -ﷺ- ألف وخمسمائة على الصحيح، ولما كانوا بذي الحليفة قلّد رسول الله -ﷺ- الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة، حتى إذا كان قريبًا من عُسفان أتاه خبرٌ أنّ المشركين قد جمعوا له الأحابيش، والجموع ليصدوه عن البيت، فاستشار النبي -ﷺ- أصحابه فيهم؟ فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي -ﷺ-: فروحوا إذًا، فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي -ﷺ-: إنّ خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا
[ ٢٢١ ]
ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقتَرة الجيش، وانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي -ﷺ- حتى إذا كان بالثنيّة التي يُهبط عليهم منها بركت به راحلتُه، فقال الناس: حَلْ حَلْ فألحّت فقالوا: خلأت القصواء! خلأت القصواء!، فقال النبي -ﷺ-: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطَّة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت به فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبّرضُه الناس تبرُّضًا، فلم يُلْبِثُه الناسُ أن نَزحوه، فشكوا إلى رسول الله -ﷺ- العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالرِّي حتى صدروا عنه ..
وفزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب رسول الله -ﷺ- أن يبعث إليه رجلًا من أصحابه، فدعا رسول الله -ﷺ- عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش وقال: أخبرهم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عُمَّارًا وادعهم إلى الإسلام، وأمره أن يأتي رجالًا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله -﷿- مظهر دينه بمكة حتى لا يُستخفى فيها بالإيمان، فانطلق عثمان فمر على قريش ببلدح فقالوا: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله -ﷺ- أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام وأخبركم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارًا فقالوا: قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك، وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأسرج فرسه، فحمل عثمان على الفرس وأجاره وأردفه أبان حتى جاء مكة ..
واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح فرمى رجل من أحد الفريقين رجلًا من الفريق الآخر، وكانت معركة وتراموا بالنبل والحجارة وصاح الفريقان كلاهما
[ ٢٢٢ ]
وارتهن كل واحد من الفريقين بمن فيهم، وبلغ رسول الله -ﷺ- أن عثمان قد قتل فدعا إلى البيعة فثار المسلمون إلى رسول الله -ﷺ- وهو تحت الشجرة فبايعوه على ألا يفروا فأخذ رسول الله -ﷺ- بيد نفسه وقال: هذه عن عثمان.
ولما تمت البيعة رجع عثمان ..
فبينما هم كذلك إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العُوذُ المطافيل وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، قال رسول الله -ﷺ-: إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمّوا، وإن هم أبوا إلا القتال فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذَّنَّ اللهُ أمره.
قال بُديل: سأبلغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشًا فقال: إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وقد سمعته يقول قولًا فإن شئتم عرضته عليكم، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته، قال: سمعته يقول: كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي -ﷺ-، فقال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته، فقالوا: ائته فأتاه فجعل يكلمه، فقال له النبي -ﷺ- نحوًا من قوله لبديل، فقال له عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوهًا وأرى أو شابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه قال:
[ ٢٢٣ ]
من ذا؟ قالوا: أبو بكر قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، وجعل يكلم النبي -ﷺ- وكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة عند رأس النبي -ﷺ- ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي -ﷺ- ضرب يده بنعل السيف وقال: أخّر يدك عن لحية رسول الله -ﷺ- فرفع عروةُ رأسه وقال: من ذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة فقال: أي غُدَر أو لست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم فقال النبي -ﷺ-: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء.
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله -ﷺ- بعينيه، فوالله ما تنخم النبي -ﷺ- نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها جلده ووجهه وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك على كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيت ملكًا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا
ثم قال لهم: وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته فقالوا: ائته فما أشرف على النبي -ﷺ- وأصحابه قال رسول الله -ﷺ-: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثوها له، واستقبله القوم يلبون فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البُدن قد قُلّدت وأُشعرت وما أرى أن يصدوا عن البيت، فقام مِكرز بن حفص فقال: دعوني آته فقالوا: ائته فلما أشرف عليهم قال النبي -ﷺ-: هذا مكرز بن حفص وهو رجل فاجر، فجعل يكلم رسول الله -ﷺ- فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو فقال النبي -ﷺ-: قد سهل لكم من أمركم فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا فدعا الكاتب فقال: اكتب بسم الله الرحمن
[ ٢٢٤ ]
الرحيم فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما ندري ما هو؟ !، ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي -ﷺ-: اكتب باسمك اللهم ثم قال: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: فوالله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي -ﷺ-: إني رسول الله وإن كذبتموني اكتب: محمد بن عبد الله فقال النبي -ﷺ-: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضَغْطة، ولكن ذلك من العام المقبل فكتب فقال سهيل: على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما، وبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ فقال النبي -ﷺ-: إنا لم نقض الكتاب بعد! فقال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدًا، فقال النبي -ﷺ-: فأجزه لي قال: ما أنا بمجيزه لك قال: بلى فافعل، قال:
ما أنا بفاعل قال مِكرز: بلى قد أجزناه، فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا ألا ترون ما لقيت وكان قد عذب في الله عذابًا شديدًا، قال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي -ﷺ- فقلت يا رسول الله: ألست نبي الله حقًا؟ قال: بلى قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، فقلت: علام نعطي الدنية في ديننا إذًا ونرجع، ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا؟ فقال: إني رسول الله وهو ناصري ولست أعصيه، قلت: أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومُطوِّف به، قال: فأتيت أبا بكر فقلت له كما قلت لرسول الله -ﷺ- ورَدَّ
[ ٢٢٥ ]
علي أبو بكر كما رد علي رسول الله -ﷺ- سواء، وزاد: فاستمسك بغرزه حتى تموت فوالله إنه لعلى الحق، قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا ..
فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله -ﷺ-: قوموا فانحروا ثم احلقوا، فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله: أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ثم رجع إلى المدينة، وفي مرجعه أنزل الله عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (١) لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (٢) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ (١)، فقال عمر: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم فقال الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله فما لنا؟ فأنزل الله -﷿-: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
أقول قولي هذا وأستغفر الله ..
الخطبة الثانية:
تبيّن أنّ الفتح المذكور هو صلح الحديبية إذ اتسعت بعده دائرة الدعوة لدين الله -﷿-، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فلذا سماه الله فتحا مبينا أي: ظاهرًا جليًا،
_________________
(١) [الفتح: ١، ٣].
(٢) [الفتح: ٤].
[ ٢٢٦ ]
ولهذا عندما يقّدر الله أمرًا من الأمور الكونية أو الشرعية يجب على المؤمن أن يجزم بأن تقدير الله هو الخير بعينه! !
وفي (بيعة الرضوان) التي بايع الصحابة -﵃- فيها رسول الله -ﷺ-، تبيّن أنّ كل داعية إلى الله، ومجاهد في سبيل الله تعالى .. فالله تعالى متكفل بحفظه ونصره! !
ودلّت السورة والقصة على أنّه في حالة الاضطراب والفتن والصعوبات والابتلاءات لا يترك الله المؤمنين وحدهم، بل يثبتهم وينزل عليهم السكينة والطمأنينة والنصر والفتح حتى لو كان ظاهرُ الحال غيرَ ذلك ..
أَيُّهَا الأخوة: وأشارت السورة إلى الخير والفتح والنصر والتمكين في اتباع منهج الصحابة -﵁- وحبهم والدفاع عنهم، وأنّ الخزي والعار والذل في الانتقاص منهم، والبعد عن منهجهم وطريقتهم -﵃- (١).
وانتزع الإمام مالك، في رواية عنه - بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لقوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. ووافقه طائفة من العلماء على ذلك (٢).
ومن العبر والسنن الكونية في قوله ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ﴾ أن الله يحفظ البشرية بوجود الصالحين المؤمنين الموحدين بين أظهرهم، ويدفع البلاء عن الناس بسببهم ورحمة بهم.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٧٩١).
(٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٣٦٢).
[ ٢٢٧ ]
ثمّ البشارة العظيمة في أن الله تعالى سيعز هذا الرسول -ﷺ- وهذا الدين ويظهره وينصره على سائر ملل أهل الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١)، فالعاقبة والغلبة لهذا الدين، ولأتباعه من المتقين، والله شاهد على ذلك جلّ شأنه (٢).
أَيُّهَا الأخوة: تلك شذرات متفرقة حول تلك السورة العظيمة التي تُنْعم المؤمنين بهداياتها في كل زمان ومكان، لم نتكلم إلا عن أجزاء يسيرة منها، ولكن لعلّه يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
فاللهم اجعلنا من المتدبرين العاملين بكتابك، وسنة نبيك -ﷺ-.
* * *
_________________
(١) [الفتح: ٢٨].
(٢) للمزيد راجع المراجع السابقة.
[ ٢٢٨ ]