الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
أَمَّا بَعْدُ:
_________________
(١) [آل عمران: ١٠٢].
(٢) [النساء: ١].
(٣) [الأحزاب: ٧١، ٧٠].
[ ٣٥٨ ]
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -ﷺ- وَشَّرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا الأخوة: إنّ على المؤمن أن يقرأ الأحداث الكونية من زاويةٍ أخرى، كالكسوف والخسوف والزلازل والبراكين والفياضات، وجميع ما يُقدِّره الخالق -﷾- من أحداثٍ كونيةٍ جسام عظام! !
إنّ ما وقع من زلازل ما بين العراق وإيران خلال الأيام الماضية، والذي مات فيه خلقٌ يُقَدّر عددهم بالمئات والجرحى بالآلاف، وأحسّ به أهل الخليج وشعروا به، ليستدعي وقفة تأمل واعتبار من المؤمن الموحد، وأن لا يمرَّ دون محاسبة ومراجعة، وما هو المنهج الشرعي إذا وقعت مثل هذه الأحداث الكونية؟، وكيف كان تعامل السلف -﵏- معها؟
ورد عن عبيد الله بن عمر عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ ابْنَةِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَتْ: "زُلْزِلَتِ الْمَدِينَةُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ -﵁- فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، مَا هَذَا؟ مَا أَسْرَعَ مَا أَحْدَثْتُمْ، لَئِنْ عَادَتْ لَا أُسَاكِنُكُمْ فِيهَا» (١).
فمن الأمور التي ينبغي الوقوف عندها في هذه الحادثة الكونية العظيمة ما يلي:
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢١) والعقوبات لابن أبي الدنيا (ص: ٣١)، واللفظ لابن أبي الدنيا. وصحح سنده بعض أهل العلم.
[ ٣٥٩ ]
أولًا: هذه الأرض التي نعيش عليها من نعم الله الكبرى علينا، فإن الله -﷾- قد مكننا منها، نعيش على ظهرها، وندفن موتانا في باطنها، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاء وَأَمْواتًا﴾ (١).
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ في الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَاايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ (٢).
نعمةٌ كبرى من الله، ورحمةٌ عظيمة، أن تستيقظ صباحًا وترى الأرض مستقرَّة، لا تعرف هذه النعمة إلا إذا شاهدت زلزالًا أو انفجر بركان، فلولا أنها مستقرة، لم يبقَ بناءٌ على وجهها.
قال ابن القيم: "ثمَّ تَأمل خلق الأرض على مَا هِيَ عَلَيْهِ حِين خلقهَا واقفة سَاكِنة؛ لتَكون مهادًا ومستقرًا للحيوان والنبات والأمتعة، ويتمكن الْحَيَوَان وَالنَّاس من السَّعْي عَلَيْهَا فِي مآربهم وَالْجُلُوس لراحاتهم، وَالنَّوْم لهدوئهم، والتمكن من أعمالهم، وَلَو كَانَ رجراجة متكفئة لم يستطيعوا على ظهرهَا قرارًا وَلَا هُدُوا وَلَا ثَبت لَهُم عَلَيْهَا بِنَاء، وَلَا أمكنهم عَلَيْهَا صناعَة، لَا تِجَارَة وَلَا حراثة وَلَا مصلحَة، وَكَيف كَانُوا يتهنون بالعيش والأرض ترتج من تَحْتهم؟ وَاعْتبر ذَلِك بِمَا يصيبهم من الزلازل على قلَّة مكثها، كَيفَ تُصيرّهم إلى ترك مَنَازِلهمْ والهرب عَنْهَا، وَقد نبه الله تَعَالَى على ذَلِك بقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٣).
_________________
(١) [المرسلات: ٢٥].
(٢) [الأعراف: ١٠].
(٣) [النحل: ١٥].
[ ٣٦٠ ]
وَقَوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ (١) (٢).
أَيُّهَا الأخوة: هذه النعمة تجب المحافظة عليها بشتى الوسائل، والتي من أهمها: شكرها، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٣).
ثانيًا: قولُه -﵁- عندما أحسّ بالزلزلة «مَا أَسْرَعَ مَا أَحْدَثْتُمْ»، ليعطي دلالةً واضحةً أنّه مَا كَثُرَتِ المَعَاصِي وَارتُكِبَتِ الكَبَائِرُ وَالمُوبِقَاتُ، وَلا شَاعَتِ الفَوَاحِشُ وَاستُسِيغَتِ المُخَالَفَاتُ وَالمُنكَرَاتُ، وَلا انتَشَرَ الظُّلمُ وَالقَتلُ وَعَمَّ الطُّغيَانُ، إِلاَّ نَزَلَتِ العُقُوبَاتُ وَكَثُرَتِ المَصَائِبُ العَامَّةُ، مِنَ الأَعَاصِيرِ المُهلِكَةِ وَالفَيَضَانَاتِ المُغرِقَةِ، وَالزَّلازِلِ المُدَمِّرَةِ وَالبَرَاكِينِ المُحرِقَةِ، وَالحُرُوبِ الطَّاحِنَةِ وَالأَمرَاضِ الفَتَّاكَةِ، وَالطَّوَاعِينِ العَامَّةِ وَالآفَاتِ القَاضِيَةِ، وَالنَّقصِ في النُّفُوسِ وَفَسَادِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، مِمَّا يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ العِبَادَ وَيُذَكِّرُهُم بِقُوَّتِهِ وَسَطوَتِهِ: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ في البَرِّ وَالبَحرِ بما كَسَبَت أَيدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ﴾ (٤).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنيُّ الحَمِيدُ (١٥) إِن يَشَأْ يُذهِبْكُم وَيَأتِ بِخَلقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَىَ وَإِنْ تَدعُ مُثقَلَةٌ إِلىَ حِملِهَا لا يُحمَلْ مِنهُ شَيءٌ وَلَو كَانَ ذَا قُربىَ إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ
_________________
(١) [غافر: ٦٤].
(٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٢١٧، ٢١٨).
(٣) [إبراهيم: ٧].
(٤) [الروم: ٤١].
[ ٣٦١ ]
يَخشَونَ رَبَّهُم بِالغَيبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفسِهِ وَإِلى اللهِ المَصِيرُ﴾ (١).
إنَّ الله سبحانه توعد الذين لا يتعظون بالمصائب، ولا تؤثر فيهم النوازل فيتوبون من ذنوبهم، توعدهم بعاجل العقوبة في الدنيا، وهذه الزلازل والفيضانات والأوبئة المنتشرة لا شك أنها عقوبات على ما يرتكبه العباد من الكفر والمعاصي والمخالفات: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢).
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وَلا في السَّمَاء وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِىّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٣).
وكما أنها عقوبات للكفار والعصاة والظلمة والفساق فهي ابتلاءٌ ورفعةُ درجاتٍ للمؤمنين: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ (٤).
﴿مَا يَفعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (٥).
_________________
(١) [فاطر: ١٦ - ١٨].
(٢) [النحل: ٤٥ - ٤٧].
(٣) [العنكبوت: ٢٢].
(٤) [الشورى: ١٩].
(٥) [النساء: ١٤٧].
[ ٣٦٢ ]
ثالثًا: إِنَّ المُؤمِنَ وَقَد أُوتيَ قَلبًا حَيًّا وَحِسًّا مُرهَفًا لِيَتَأَثَّرُ بمِثلِ هَذِهِ الأَحوَالِ المُخِيفَةِ مُقتَدِيًا بِنَبِيِّهِ -ﷺ- الَّذِي كَانَ إِذَا رَأَىَ رِيحًا أَو غَيمًا عُرِفَ ذَلِكَ في وَجهِهِ فَأَقبَلَ وَأَدبَرَ، وَدَخَلَ وَخَرَجَ خَوفًا مِن نُزُولِ عَذَابٍ، وَيَخرُجُ في الكُسُوفِ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ مُستَعجِلًا، يَخشَى أَن تَكُونَ السَّاعَةُ، يَفعَلُ ذَلِكَ لِرُؤيَةِ غَيمٍ غَالِبُ مَا يَأتي فِيهِ المَطَرُ وَالغَيثُ، أَو لِكُسُوفِ الشَّمسِ وَذَهَابِ بَعضِ ضَوئِهَا، فَكَيفَ لَو أحسَّ بزلزلة أو ارتجت الأرض به، أو رأى تساقط البنيان وتشقق الأرض من حوله؟ إِنَّهَا لَمِن قَسوَةِ القُلُوبِ وَعَمَى البَصَائِرِ، أَن يَسمَعَ النَّاسُ وَيَرَونَ القَوَارِعَ الَّتي تَشِيبُ لها مَفَارِقُ الوِلدَانِ، وَتَتَوَالى عَلَيهِمُ الزَّوَاجِرُ الَّتي تَخشَعُ لها صُمُّ الجِبَالِ، ثُمَّ يَستَمِرُّوا عَلَىَ تَمَرُّدِهِم وَطُغيَانِهِم وَيَتَمَادَوا في غَيِّهِم وَعِصيَانِهِم، ويَظَلُّوا عَاكِفِينَ عَلَىَ شَهَوَاتِهِم مُتَّبِعِينَ أَهوَاءَهُم، غَيرَ عَابِئِينَ بِوَعِيدٍ وَلا مُنَصَاعِينَ لِتَهدِيدٍ، مُقتَصِرِينَ في تَفسِيرِ مَا حَدَثَ عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ أَمَرٍ طَبَعِيٍّ وَحَدَثٍ اعتِيَادِيٍّ: ﴿مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١).
رابعًا: إِذَا كَانَ زلزالٌ وَاحِدٌ أحدث في دُنيَا النَّاسِ مِنَ الفَزَعِ مَا أحدِثُ، فَكَيفَ بِزَلزَلَةِ الأَرضِ كُلِّهَا يوم لا ينفع مال ولا بنون ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٢).
_________________
(١) [غافر: ٧٤].
(٢) [الحج: ١، ٢].
[ ٣٦٣ ]
إِنَّهُ لَيُذَكِّرُنَا بِعَجزِ الإِنسَانِ عِندَ قِيَامِ السَّاعَةِ: ﴿إِذَا زُلزِلَتِ الأَرضُ زِلزَالَهَا (١) وَأَخرَجَتِ الأَرضُ أَثقَالَهَا (٢) وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ (١).
والزلزلةُ - أَيُّهَا الأخوة - من علامات الساعة وقد أخرج البخاري في "صحيحه" أن رسولَ الله -ﷺ- قال: «لا تقومُ الساعةُ حتى يُقبَضَ العلمُ، وتكثُر الزلازِلُ، ويتقارَبُ الزمانُ ..» الحديث (٢).
ولم تقَع الزلزلة في عهد النبي -ﷺ-، وإنما سمِعوا بها في كتاب الله وسُنَّة نبيِّه -ﷺ-، فآمَنوا بها، وصدَّقوا أنها آيةٌ من آيات الله، يُرسِلُها الله على من يشاءُ من عباده، وإنما وقعت في عهد عمر -﵁-.
وكثرتُها في زماننا هذا هو من الإعجاز الغيبيِّ والعلميِّ في سُنَّة النبي -ﷺ- حيث ذكرَ كثرتَها في آخر الزمان.
وقد أقسم الله سبحانه بالأرض ذات الصَّدع، ولم يكُ هذا الصَّدعُ معلومًا أربعة عشر قرنًا من الزمان، حتى اكتُشِفَ جيولوجيًّا في القرن الماضي، فوجدَ العلماءُ صدعًا ضخمًا في باطنِ الأرض في قاع المُحيط، وأن مُعظمَ الزلازِلِ في العالمِ تتركَّزُ في هذا الصَّدع.
فدلَّ قسمُ الباري بالأرض ذات الصَّدع على الإعجاز؛ ليستَبينَ المُلحِدون سبيلَهم المُنحرِف، وأن ما اكتشَفُوه قد ذكرَه الله قبلَهم بأربعة عشر قرنًا من الزمن،
_________________
(١) [الزلزلة: ١ - ٣].
(٢) صحيح البخاري (٩/ ٥٩ - ٧١٢١).
[ ٣٦٤ ]
وأن ما يأتي به النبي الأُمِّي إنما هو وحيٌ يُوحَى، لا ينطقٌ عن الهوَى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١).
خامسًا: في قوله -﵁-: «مَا أَسْرَعَ مَا أَحْدَثْتُمْ، لَئِنْ عَادَتْ لَا أُسَاكِنُكُمْ فِيهَا» إشعارٌ بأهمية ترك المنكر بل وإنكاره، وأمرٍ بالمعروف وإعذارٍ إلى الله تعالى، وفي الحديث: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ» (٢) رواه أبو داود وصححه الألباني.
وعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ -﵄-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» (٣) رواه البخاري.
أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
أَمَّا بَعدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالى.
_________________
(١) [الأعراف: ١٥٨].
(٢) صحيح؛ صححه الألباني في "صحيح الجامع" (١٩٧٣)، أخرجه أبو داود (٤٣٣٨).
(٣) صحيح البخاري (٢٤٩٣).
[ ٣٦٥ ]
أَيُّهَا الأخوة: لنحذر المعاصي، والتساهل فيها، والترف والفسق، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (١).
فاتقوا الله ولنبادر للتوبة والاستغفار، فإنّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢).
وفي الصحيحين: أنه لما خسفت الشمس زمن النبي -ﷺ- قام فصلى طويلًا، ثم خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا»، ثُمَّ قَالَ: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ» (٣).
قال ابن القيم: بعدما ذكر أثر الزلزلة في عهد عمر -﵁- قال: "قال كعب إنما زلزلت الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي، فترعدُ فرقًا من الرب -﷿- أن يطلع عليها، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار أما بعد: فإنّ هذا الرجف شيء يعاتب الله -﷿- به العباد، وقد كتبت إلى سائر الأمصار يخرجوا في يوم كذا وكذا في شهر كذا وكذا، فمن كان عنده شيء فليتصدق به
_________________
(١) [الإسراء: ١٦].
(٢) [الأنفال: ٣٣].
(٣) متفق عليه؛ البخاري (٢/ ٣٤ - ١٨٧٢)، ومسلم (٢/ ٣٣٩ - ١٨٧٢).
[ ٣٦٦ ]
فإنّ الله -﷿- قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١).
وقولوا كما قال آدم: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ (٢).
وقولوا كما قال نوح ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِين﴾ (٣).
وقولوا كما قال يونس: ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين﴾ (٤) (٥) (٦).
* * *
_________________
(١) [الأعلى: ١٤، ١٥].
(٢) [الأعراف: ٢٣].
(٣) [هود: ٤٧].
(٤) [الأنبياء: ٨٧].
(٥) الجواب الكافي (٣٠).
(٦) بعض مراجع الخطبة: مقطع مختصر من: خطبة للشيخ عبدالله البصري. دروس من الزلازل والكوارث ل: محمد بديع موسى. مختصر من: خطبة للشيخ عبدالله البصري. مختصر من: خطبة للشيخ عبدالله البصري مختصر من خطبة: الزلازل .. آيات وعبر وأحكام للشيخ د سعود الشريم منشورة على الألوكة.
[ ٣٦٧ ]