الحمد لله الوليِّ الحميدِ .. الغَنِيِّ الكَرِيمِ .. يُنْعِمُ على عبادِه بالخيرات، وَيَفْتَحُ لهم أَبْوَابَ البَرَكَاتِ، وَيُعِينُهُمْ على فِعْلِ الحَسَنَاتِ .. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ .. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ القائل: «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ -﷿- عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» أخرجه النسائي، وصححه الألباني (١).
صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢).
_________________
(١) صحيح؛ صححه الألباني في "صحيح الجامع" (١/ ٧٢ - ٥٥)، أخرجه النسائي (٣/ ٩٦ - ٢٤٢٧)، وغيره.
(٢) [البقرة: ١٨٣].
[ ١٠٠ ]
الدنيا كالفلاةِ في الأرضِ يسير العطشانُ فيها، فإذا أبصرَ ماءً معينًا توَّقفّ عندَه وارتوى وأروى، هكذا هي المواسمُ الفاضلةٌ في سيرنا في هذه الحياة.
ها هي دورةُ الفلكِ استدارت، وها نحنُ نُبصر ونعيشُ مع رمضانَ من جديد .. فما أجملَ استقبالَه بصفاءِ النفوس، والمحافظة عَلَى الفَرَائِضِ، وإتباعها بِالنَّوَافِلِ، وملازمة المَسَاجِدَ، وإدمان القراءة في المَصَاحِف، وإطعام الطَّعَامَ، وَسقيا العَطْشَان، وَبذل الإِحْسَان والبِرِّ، وَاحْتَسِاب الأَجْر، ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١).
من معين رمضان: التقوى .. يقول ابن عاشور عن سبب خِتام آية الصيام الأولى بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: بيانٌ لحكمة الصيام وما لأجله شرع، فهو في قوَّة المفعول لأجله، والتقوى الشرعيَّة هي اتِّقاء المعاصي، وإنما كان الصيام مُوجِبًا لاتِّقاء المعاصي، لأنَّه يعدل القوى الطبيعيَّة التي هي داعية تلك المعاصي، ليَرتَقِي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادَّة إلى أوْج العالم الرُّوحاني، فهو وسيلةٌ للارتِياض بالصفات الملكيَّة، والانتِفاض من غبار الكدرات الحيوانيَّة.
وقد قال أبو هريرة -﵁-: قال رسول الله -ﷺ-: «الصيام جُنَّة» (٢).
أي: وقاية تُتَّقى به الآفات والمخاطر (٣).
_________________
(١) [البقرة: ١١٠].
(٢) صحيح مسلم (٢/ ٨٠٦ - ١١٥١).
(٣) تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير (٢/ ١٥٢).
[ ١٠١ ]
فهل من استهان بالمحرمات كالغيبة والنميمة حققّ التقوى ونهل من معين رمضان ..؟ ! كيف وقد قال -ﷺ-: كما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رواه البخاري (١).
يا الله .. «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ» رواه أحمد (٢).
قال جابر بن عبد الله الأنصاري: "إذا صمتَ فليصم سمعُك وبصرُك ولسانُك عن الكذب، والمأثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقارٌ وسكينةٌ يومَ صومك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء".
وعن حفصة بنت سيرين، وكانت عالمة من التابعين قالت: "الصيام جُنَّة، ما لم يخرقها صاحبها، وخرقها الغيبة.
وعن ميمون بن مهران: "إن أهون الصوم ترك الطعام والشراب" (٣).
وهل حققّ التقوى ونَهل من مَعينِ رمضانَ من تساهل في النظرِ إلى المحرمات؟ !
أَيُّهَا الأخوة: مَعْصِيَةُ النَّظَرِ إِلَى المُحَرَّمَاتِ تُحِيطُ بِنَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَبُيُوتُنَا مَلِيئَةٌ بِهَا، وَهِيَ فِي غُرَفِنَا، وَفِي جُيُوبِنَا لا تُفَارِقُنَا أَبَدًا، فَهَلْ نُعْلِنُ انْتِصَارَنَا عَلَى النَّظَرِ
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ٢٦ - ١٩٠٣).
(٢) صحيح؛ صححه الألباني في صحيح الترغيب (١/ ٢٦٢)، أخرجه أحمد (١٤/ ٤٤٥ - ٨٨٥٦)، وغيره.
(٣) ذكر هذه الآثار: ابن حزم في "المحلى" (٤/ ٣٠٨).
[ ١٠٢ ]
إِلَى المُحَرَّمَاتِ، وَنُوجِدُ الوَسَائِلَ الحَافِظَةَ لِأَبْصَارِنَا، لِتَصِحَّ قُلُوبُنَا، وَتَسْتَقِيمَ أَحْوَالُنَا، وَنَجِدَ لَذَّةً فِي عِبَادَتِنَا، وَحَلاوَةً فِي مُنَاجَاةِ رَبِّنَا؟ !
إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا بِغَضِّ الأَبْصَارِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (١)، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (٢)، وَإِنَّ الاسْتِهَانَةَ بِالنَّظَرِ إِلَى امْرَأَةٍ سَافِرَةٍ فِي نَشْرَةٍ إِخْبَارِيَّةٍ، أَوْ مَقْطَعٍ فُكَاهِيٍّ، فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْأَمْرِ الرَّبَّانِيِّ بِغَضِّ الأَبْصَارِ، فَكَيْفَ بِمَا هُوَ شَرٌّ مِنْ ذَلِكَ فِي أَغَانٍ مُصَوَّرَةٍ خَلِيعَةٍ، وَأَفْلامٍ وَمُسَلْسَلاتٍ رَقِيعَةٍ؟ ! وَفِي رَمَضَانَ يَنْشَطُ أَهْلُ الشَّرِّ وَالحَرَامِ لِيُوقِعُوا النَّاسَ فِي مَعَاصِي النَّظَرِ، لِيَصِلَ أَثَرُهَا لِلْقُلُوبِ فَتَقْسُو، فَيَتَثَاقَلُ أَصْحَابُهَا عَنِ الطَّاعَات (٣).
يَقُولُ أَبُو الحُسَيْنِ الوَرَّاقُ: "مَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ مُحَرَّمٍ أَوْرَثَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ حِكْمَةً عَلَى لِسَانِهِ يَهْدِي بِهَا سَامِعُوهُ وَمَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ شُبْهَةٍ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِنُورٍ يَهْتَدِي بِهِ إِلَى طَرِيقِ مَرْضَاتِهِ.
عَلَّقَ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَقَالَ: "وَهَذَا لِأَنَّ الجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ، فَإِذَا كَانَ النَّظَرُ إِلَى مَحْبُوبٍ فَتَرَكَهُ للهِ عَوَّضَهُ اللهُ مَا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ النَّظَرُ بِنُورِ العَيْنِ مَكْرُوهًا أَوْ إِلَى مَكْرُوهٍ فَتَرَكَهُ للهِ أَعْطَاهُ اللهُ نُورًا فِي قَلْبِهِ وَبَصَرًا يُبْصِرُ بِهِ الحَقَّ" (٤).
_________________
(١) [النور: ٣٠].
(٢) [النور: ٣١].
(٣) من خطبة للدكتور ابراهيم الحقيل بعنوان رمضان وغض البصر.
(٤) الفتاوى (١٥/ ٣٩٦).
[ ١٠٣ ]
ومن معين رمضان: تربيةُ النفس على الإيمانِ، والاحتسابِ، والإخلاصِ: إذ قال النبي -ﷺ- كما في الصحيح من حديث أبي هريرة -﵁-: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١)، قال الإمام النووي: معنى إيمانًا: تصديقًا بأنه حق مقتصد فضيلته، ومعنى احتسابًا، أنه يريد الله تعالى لا يقصد رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص. (٢).
ومن معين رمضان: الارتباطُ بالله وكثرةُ الذكرِ والدعاءِ وقراءةِ القران .. ولا أدَلَّ من ذلك أن اللهَ تعالى ذكر في آياتِ الصيام قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٣)، فالجُملة معطوفةٌ على الجملِ السابقة المتعاطفةِ أي ﴿لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا .. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ثم التَفَت إلى خطاب النبي -ﷺ- وحدَه لأنه في مقام تبليغ فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾، أي العبادُ الذين كان الحديثُ معهم، ومقتضى الظاهر أن يقال ولعلكم تشكرون، وتدعون فأستجيب لكم إلاّ أنه عدل عنه ليحصل في خلال ذلك تعظيمُ شأن النبي -ﷺ- بأنه يسأله المسلمون عن أمر الله تعالى، والإشارةُ إلى جواب من عسى أن يكونوا سألوا النبي -ﷺ- عن كيفية الدعاء هل يكون جهرًا أو سرًا؟
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ١٦ - ٣٨).
(٢) شرح النوي على مسلم (٢/ ٣٧٨).
(٣) [البقرة: ١٨٦].
[ ١٠٤ ]
وليكون نظم الآية مؤذنًا بأن الله تعالى بعدَ أن أمرَهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم عليَّ فإني قريب منهم أجيب دعوتهم (١).
وأمّا القران في رمضان فذاك شأنٌ لعباد اختارهم الله تعالى ليرفعهم بهذا القران العظيم .. بعض الصالحين -﵏- يختمُ كل ثلاث في رمضان، وبعضهم كل يومين، بل نُقل عن الشافعي ستون ختمة في رمضان واحدة في الليل وواحدة في النهار، وقيل كان الإمام ابن عساكر يحاول اللحاق بالشافعي -رحمهما الله- فاعتكف بالمنارة البيضاء فلم يستطع أن يختم إلا تسعًا خمسين ختمة! !
القران يسير على من يسرّه الله عليه، من المعاصرين من أصحاب الهمم العالية من يختم حدرًا في حوالي ست ساعات في الأوقات الفاضلة.
وورود النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث (ليال) المقصود به المداومة على ذلك، فأما في الأوقات والأزمان الفاضلة فيستحب الإكثار وهذا قول أحمد وإسحاق (٢).
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادك .. أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ..
_________________
(١) التحرير والتنوير (٢/ ١٥٣ - ١٥٢).
(٢) فضائل القرآن لابن كثير (ص ٢٥٦).
[ ١٠٥ ]
ومن معين رمضان: التربيةُ على سخاءِ النفسِ بالإحسانِ والصدقاتِ وتفطيرِ الصوّام .. كان النبيُّ -ﷺ- أجودَ الناس، وأجودُ ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريلُ -﵇- يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله -ﷺ- أجود بالخير من الريح المرسلة (١).
يقول ابن القيم: كان رسولُ الله -ﷺ- أعظمَ الناس صدقة بما ملكت يده، وكان لا يستكثر شيئًا أعطاه ولا يستقله، وكان عطاؤه عطاء من لا يخشى الفقر، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظمَ من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بلباسه، وكان يُنوّعُ في أصنافِ عطائه فتارة بالهبة، وتارة بالصدقة، وتارة بالهدية، وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعًا، وكان يأمر بالصدقة ويحض عليها ويدعو إليها بفعله وقوله، فإذا رآه البخيل والشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء .. إلى أن قال: إذا فهمت ما تقدَّم من أخلاقه فينبغي على الأمةِ التأسيَّ والاقتداءَّ به في السخاءِ والكرمِ والجود، والإكثارُ من ذلك في شهر رمضان لحاجة الناس فيه إلى البر والإحسان، ولشرف الزمان ومضاعفة أجر العامل فيه (٢).
اللهم اجعلنا من المتبعين المتأسين بسنة رسولك -ﷺ-.
* * *
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ٨ - ٦).
(٢) زاد المعاد ٢/ ٢١.
[ ١٠٦ ]