في مثل هذا الزمن العجيب لا يعلم المرء من أين يبدأ ولا كيف يبدأ؟ وهو يسمع بعض الجهلة المتعالمين يقذف بالكفريات، ويتطاول بالاعتداء على الشريعة المحمدية، وعلى جنابه -ﷺ-، إي والله يردّ أحاديث في الصحاح بحجة أوهى من بيت العنكبوت زاعمًا أنّ عقله لم يقبلها! !
وهذا أصلٌ عند كل مبتدع في العقائد أو ملوثٍ في الفكر .. فتجد المفتون بمثل هذا يقدّس عقله بجرأة بالغة .. ويضرب بنصوص الكتاب أو السنّة عرض الحائط .. ونسي هذا المخلوق الضعيف أنّ النصوص (منزلة) من خالق العقل فيا لِسخف عقول بعض بني آدم! !
ولعلّ من أوضح الأمثلة في العصور الماضية على ذلك ما رواه عبيد الله بن معاذ عن أبيه أنّه سمع عمرو بن عبيد - إمام المعتزلة- يقول وذكر حديث الصادق المصدوق: إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك إلخ الحديث (١).
_________________
(١) متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣).
[ ٤٣٠ ]
قال المعتزلي: لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته! ! ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته! ! ولو سمعت ابن مسعود يقول هذا لما قبلته! ! ولو سمعت رسول الله -ﷺ- يقول هذا لرددته! ! ولو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا! ! (١) ..
فانظر - رعاك الله - كيف قاده عقله إلى فكر الزندقة لمجرد رد عقله لنصوص غيبية من الوحي! !؟ .. وانظر كيف دار الزمان وأثبت الطب مصداق حديث الصادق المصدوق -ﷺ- وبقيت الحسرة على من كذب الوحي وردّه لمجرد مخالفة العقل! !؟
وأمّا الأمثلة في عصرنا فحدّث ولا حرج من أقوامٍ لا يأتون قيد أنملة من علم المعتزلي أبي عبيد! !
فيا هذا إن كنت تؤمن فعلًا بربوبية الله تعالى وألولهيته وأسمائه وصفاته، وأنّه قد بعث محمد بن عبدالله -ﷺ- رسولًا ونبيًا، فاعلم إذًا أنّ الله تعالى قد أوجب عليك التسليم التام لكلام النبي -ﷺ- وحديثه وحكمه وطاعته، ألم يقل الله تعالى في كتابه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢)، وقال في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣)، وقال جل
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٦/ ١٠٤)، ومنهج التلقي والاستدلال بين أهل السنة والمبتدعة لـ د. أحمد الصويان (ص ٨٥). وعمرو بن عبيد يعدد هنا رواة الحديث فكذبه وكذب الرواة لمجرد أنه تعارض مع عقله! !
(٢) [آل عمران: ١٣٢].
(٣) [النساء: ٥٩].
[ ٤٣١ ]
ثناؤه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (١)، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣)، فهذه الآيات وغيرها جعلت طاعة الرسول -ﷺ- طاعة لله ومتممة لها، وأناطت الهدى والرشاد والرحمة باتباع سنته وهديه -ﷺ-، ولا يكون ذلك مع عدم العمل بها وإنكارها والقول بعدم صحتها (٤).
حتى لقد أقسم بنفسه سبحانه أن من سمع كلام النبي -ﷺ- ثم رده ولم يقبله: أنه ليس من الإيمان في شيء، ف قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥).
قال الإمام إسحاق بن راهويه: "من بلغه عن رسول الله -ﷺ- خبرٌ يُقرُّ بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر"، وقال السيوطي: "اعلموا رحمكم الله أنَّ مَن أنكر كون حديث النبي -ﷺ- قولاُ كان أو فعلاُ بشرطه المعروف في الأصول حجة
_________________
(١) [النساء: ٨٠].
(٢) [النور: ٥٤].
(٣) [النور: ٥٦].
(٤) مجموع فتاوى ابن باز (٢/ ٤٠٢).
(٥) [النساء: ٦٥].
[ ٤٣٢ ]
كفر، وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى أو من شاء من فرق الكفرة "ـ (١).
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة": "السنة هي المصدر الثاني للشريعة الإسلامية بعد القرآن، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣)، وقد أجمع المسلمون على وجوب العمل بالسنة، أما الذي ينكر العمل بالسنة فيكون كافرًا، لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين" (٤).
هذا وإن بعض من فُتِن بمثل هذا البلاء - نسأل الله العافية - يشكك بنقل الأحاديث الصحاح وكيف وصلت إلينا؟
فأقول اعلم أن الله تعالى كما تكفل بحفظ القران الكريم فقد تكفل بحفظ السنة النبوية فكلاهما دين وشرع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٥)، قال الإمام ابن حزم الظاهري: "فأخبر تعالى أن كلام نبيه -ﷺ- كله وحي، والوحي بلا خلاف ذكر، والذكرُ محفوظ بنص القرآن، فصح بذلك أن كلامَه -ﷺ- كلُّه محفوظ بحفظ الله -﷿-، مضمونٌ لنا أنه لا يضيع منه شيء، إذ ما
_________________
(١) مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة (ص/ ١٤).
(٢) [الحشر: ٧].
(٣) [النساء: ٨٠].
(٤) فتاوى اللجنة (٣/ ١٩٥).
(٥) [النجم: ٣، ٤].
[ ٤٣٣ ]
حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء، فهو منقول إلينا كله" (١).
قال ابن القَيِّم: "فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الدِّينِ كُلِّهِ وَحْيٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكُلُّ وَحْيٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ ذِكْرٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ، وَقَدْ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٢) فَالْكِتَابُ: الْقُرْآنُ، وَالْحِكْمَةُ: السُّنَّةُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (٣)، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أُوتِيَ السُّنَّةَ كَمَا أُوتِيَ الْكِتَابَ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ ضَمِنَ حِفْظَ مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ؛ لِيُقِيمَ بِهِ حُجَّتَهُ عَلَى الْعِبَادِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ" (٤).
ولذا فقد بدأ تدوين الأحاديث وكتابتها بمرحلة مبكرة منذ عصر النبي -ﷺ-، فبعد ما منع النبي -ﷺ- كتابة الأحاديث خشية أن تلتبس مع القران الكريم، أمر بتدوينها لمّا أُمن ذلك اللبس فعن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ، وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ،
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٩٥).
(٢) [النساء: ١١٣].
(٣) صحيح؛ صححه الألباني في "صحيح الجامع" (٣٦٤١)، أخرجه أبو داود (١٦٠٤).
(٤) مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٣٧١.
[ ٤٣٤ ]
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ» (١).
وفي حجَّة الوداع عندما خطب رسول الله -ﷺ- خطبته الجامعة قال أبو شاه - رجل من اليمن - اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ» (٢)، وهكذا كان العلماء يكتبون الأحاديث ويحفظونها في صدورهم وكتبهم إلى أن انتشرت بحمد الله، وقد سخر الله تعالى مناهج في الكتابة والحفظ حتى لا تختلط الأمور.
قال الحافظ ابن رجب: "فأقامَ اللهُ تعالى لحفظِ السُّنَّةِ أقوامًا ميَّزوا ما دخلَ فيها من الكذبِ والوهم والغلطِ، وضبطُوا ذلكَ غايةَ الضبطِ، وحفظوه أشدَّ الحفظِ" (٣).
فالعلماء لا يكتبون ولا ينقلون الأحاديث هكذا جزافًا أو اعتباطًا، ولا يحكمون بصحتها وضعفها بمجرد أهوائهم كما يظن أولئك المفتونون، إنّ لحكم صحة الحديث عندهم شروطًا وضوابط لا توجد عند أي مذهب أو ملة أو نحلة، ولا يتقنها إلا خبير بارع بها أمضى عمره في دراستها، ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا -كما يقول الشافعي، منها: أن يكون من حَدَّثَ به ثقةً في دينه،
_________________
(١) صحيح؛ صححه الألباني في "الصحيحة" (١٥٣٢)، أخرجه أحمد (١١/ ٤٠٦ - ٦٨٠٢)، وأبو داود (٣/ ٣١٨ - ٣٦٤٦).
(٢) صحيح البخاري (٣/ ١٢٥ - ٢٤٣٤)، ومسلم (٢/ ٩٨٨ - ١٣٥٥).
(٣) تفسير ابن رجب الحنبلي (١/ ٦٠٥).
[ ٤٣٥ ]
معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى، لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل به معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى حرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يُخاف فيه إحالته الحديث، حافظًا إذا حدّث به من حفظه، حافظًا لكتابه إذا حدث من كتابه، إذا شرك أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم، بَرِيًّا من أن يكون مدلسًا يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي -ﷺ- ما يحدث الثقات خلافه عن النبي -ﷺ-، ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهي بالحديث موصولًا إلى النبي -ﷺ- أو إلى من انتهى به إليه دونه" (١).
وهكذا وصلت إلينا الأحاديث النبوية مُنقَّاةً محفوظة بحفظ الله لها ثم بجهود رجال مخلصين صادقين فهي ليست حوادث تاريخية نقلت برواياتٍ عابرة، ومن المفارقات العجيبة أن تجد بعضًا من أولئك المنكرين للصحاح عندما يمر بصنم أو معلم تاريخي في بعض البلدان كُتب عليه أنه من عهد كذا وكذا يقف مستلمًا مصدقًا مشدوهًا من غير أي إثبات صحة وضعف، أمّا إذا تعلق الأمر بالحديث النبوي الصحيح من محمد -ﷺ- وبدينه أنكره لمجرد أنه خالف هواه وعقله! .
فاللهم إنا نعوذ بك أن نفتن في ديننا.
* * *
_________________
(١) الرسالة (٣٧٠ - ٣٧١)، وانظر: موقع الإسلام سؤال وجواب للشيخ المنجد.
[ ٤٣٦ ]