في أخذ الصغار واصطحابهم إلى مجالس الكبار تظهر نواقصهم، واحتياجاتهم التربوية، فيستطيع الوالد والمربي عند ذلك توجيه صغيره نحو الكمال، وتشجيعه على الجواب، خاصَّةً عندما يُطرحُ سؤال، فيتكلم بعد استئذان، وبأدب ووقار، فينمو عقله، وتتهذَّب نفسه، وينطلق لسانه، ويتعرَّف إلى أحاديث الكبار شيئًا فشيئًا، فيتهيأ لدخول المجتمع،
[ ١٥٠ ]
ويتدرج رويدًا رويدًا، بتدريب والده له. وما يُذكَر عن الصبي مع والده؛ يُذكَر عن البنت مع أمها (^١).
هذا أحد الصحب الكرام، كانت له عادة في شهود مجلس رسول الله - ﷺ -، وهي: أن يصحب ابنه الصغير معه، وكان هذا الابن يأتيه من خلف ظهره، فيقعده بين يديه، والنبي - ﷺ - لا ينهاه عن إحضار صغيره، ولا ينهى الصغير عن لعبه.
ومرت الأيام، وهلك الصبي، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه، فحزن عليه!
فقده النبي - ﷺ - فقال: «مالي لا أرى فلانا؟» قالوا: يا رسول الله، بنيه الذي رأيته هلك، فلم يعلِّق النبي - ﷺ - بشيء، وإنما انتظر حتى لقيه، فسأله عن بنيه، فأخبره أنه هلك، فعزَّاه عليه، ثم قال: «يا فلان! أيما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك؟ أو لا تأتي غدا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟» قال: يا نبي الله، بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي لهو أحب إلي، قال: «فذاك لك» (^٢).
ولم يكن هذا الصحابي الذي لم تذكر الرواية اسمه فريدًا بين إخوانه
_________________
(١) محمد نور بن عبدالحفيظ سويد، «منهج التربية النبوية للطفل» (ص/ ٢٧٢).
(٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (١٥٥٩٥)، والنسائي (٢٠٨٨)، وابن حبان (٢٩٤٧)، من حديث قرة بن إياس - ﵁ -. وصحَّحه الألباني في «صحيح الترغيب» (٢٠٠٧).
[ ١٥١ ]
في إحضار ولده معه لهذه المجالس النبوية الشريفة، بل كان هناك من هو أظهر اسمًا، وأرفع ذكرًا، يفعل فعله، لنعلم أنه أمرٌ لم يكن بعيدًا عن تربيتهم لصغارهم، هذا الرجل هو: عمر بن الخطاب - ﵁ -.
اصطحب ولده الصغير عبدالله معه ذات يوم إلى المجلس النبوي، وبينما هم عند النبي - ﷺ - إذ أُتي بجُمَّار (^١)، فقال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، مثلها كمثل المسلم، فحدثوني ماهي؟» فوقع الناس في شجر البوادي، قال ابن عمر: فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم، فَسَكَتُّ، قال النبي - ﷺ -: «هي النخلة».
في طريق العودة: تحدث عبدالله الصغير مع والده عمر؛ فقصَّ عليه ما وقع في نفسه، فقال: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تكلم؟ قال: لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما، ولم أركم تكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا، قال عمر: لأن تكون قلتها؛ أحب إلي من كذا وكذا (^٢).
إن هذا المشهد ليعكس بوضوح أثر هذه المجالس على التربية
_________________
(١) جمع جمارة، وهي قلب النخلة وشحمتها.
(٢) متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاري (٦١، ٤٦٩٨، ٦١٤٤)، ومسلم (٢٨١١). قال ابن القيم في «الطب النبوي» (ص/ ٣٠٢) مُعلِّقًا على هذا الحديث: "وفيه فرح الرجل بإصابة ولده، وتوفيقه للصواب. وفيه أنه لا يكره للولد أن يجيب بما يعرف بحضرة أبيه، وإن لم يعرفه الأب، وليس في ذلك إساءة أدب عليه".
[ ١٥٢ ]
الاجتماعية للصغير، أبوه يُشهده مشاهد الخير والبركة مع الكبار، الصغير يتأدَّب في وجود الكبير فلا يتكلَّم، والوالد يشجِّع ولده على الجواب والكلام بأدب، طالما أنه يعرف الجواب الذي يظنه صحيحًا. فأنعم بها من تربية!
ويعظم الأثر والفائدة من حضور الصغير مثل هذه المجالس، إن كانت تلوح عليه مخايل النجابة، وآثار الفطنة، كما وقع مع عبدالله بن عباس - ﵁ -.
يحكي عن نفسه فيقول: كان عمر بن الخطاب - ﵁ - يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال (^١): لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟! فقال عمر: إنه من قد علمتم.
فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، قال ابن عباس: فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال عمر: «ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾»؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا، وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: «أكذاك تقول يا ابن عباس»؟ فقلت: «لا»، قال: «فما تقول»؟ قلت: «هو أجل رسول الله - ﷺ - أعلمه له»، قال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ «وذلك علامة أجلك»، ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾، فقال عمر: «ما أعلم منها إلا ما تقول» (^٢).
_________________
(١) في رواية البخاري (٣٦٢٧) أن القائل هو عبدالرحمن بن عوف - ﵁ -.
(٢) «صحيح البخاري» (٤٩٧٠).
[ ١٥٣ ]
وثمَّ نفعٌ آخر خاصٌّ بالفتيات، أشار إليه بعض الصحابة، من وراء هذه الاجتماعيات للصغار، وهو في قول عمر بن الخطَّاب - ﵁ -: ««أبرزوا الجارية التي لم تبلغ؛ لعل بني عمها أن يرغبوا فيها» (^١).
وبوَّب عبدالرزاق في «مصنَّفه» على هذا بقوله: "باب إبراز الجواري، والنظر عند النكاح" (^٢).
ومن هذا الباب أيضًا: أن أبا ظبيان حصين بن جندب أرسل ذات يوم امرأة إلى أمِّ المؤمنين عائشة ﵂، واصطحبت المرأة معها جاريةً لها جُمَّة، فلما رأتها عائشة قالت:
«لو استترت هذه كان أخير».
فقالت المرأة لها: إنها لم تحض، ولا بدا بعد الحيض (^٣).
فنفت المرأة عن الجارية ما كانت تظنه فيها أمُّ المؤمنين من البلوغ، وإلا فعائشة لا تلزمها بشيء قبل ذلك، ويدل على هذا قولها: «إذا احتلمت الجارية وجب عليها ما وجب على أمها» يعني من التستر (^٤).
_________________
(١) إسناده ضعيف: أخرجه عبدالرزاق (١٠٣٣٤) عن ابن جُريج، قال: أُخبرت أن عمر قال، وهذا إسنادٌ ضعيف لجهالة الواسطة بين ابن جريج، وعمر.
(٢) «مصنَّف عبدالرزاق» (٦/ ١٥٦).
(٣) في إسناده ضعف: أخرجه ابن أبي شيبة (٦٢١٤) من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه؛ به. وقابوس هذا قال عنه الحافظ في «التقريب» (٥٤٤٥): "فيه لين".
(٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٦٢٢٢).
[ ١٥٤ ]
وما ورد في هذا الباب يدل على أن إبراز الصغيرات دون البلوغ كان شيئًا مباحًا عندهم.
وبهذه الطريقة يعرف الناس أنَّ فلانًا لديه بنت للزواج، وهم يعرفونها في صغرها، فيرغب أحدهم في تزويجها لولده، أو أن الصبي نفسه وقعت تلك الفتاة في نفسه، فيجهز نفسه في الكبر لزواجه منها، وقد يكون هذا من أبواب تقليل مفاسد الرؤية الكاسرة لقلوب الفتيات.