تفعل العبادة لله في نفس الصغير فعلًا عجيبًا، فهي تُشعره بالاتصال بالله جلَّ وعلا، وتهدئ من ثوراته النفسية، وتلجم انفعالاته الغضبية، فتجعله سويًا مستقيمًا، إذ كثافة الشهوات ضعيفة في تلك الفترة، مما يجعل روحه تتجاوب أكثر فأكثر بمناجاة الله، ويأخذ الخشوع المساحة الكبرى من جسده، وهو يرتل آية أو يسمعها، أو هو واقف في الصلاة أو ساجد فيها، وهو يسمع أذان الإفطار ليبدأ الطعام والشراب، بعد أن صام يومه، وهناك أسرار كثيرة للعبادة لا تُعدُّ ولا تُحصى، تؤثِّر في الطفل مما يزيد في قوته ونشاطه. وبذلك تفضل التربية الإسلامية عن أي تربية كانت (^١).
وليس ثمَّ خلافٌ على أنَّ الطفولة والصغر ليست مرحلةَ تكليف، وإنما هي مرحلة إعداد وتدريب وتعويد؛ للوصول إلى مرحلة التكليف عند البلوغ، ليسهل على المسلم أداء الواجبات والفرائض، وليكون على أتم الاستعداد لخوض غمار الحياة بكل ثقة وانطلاق. كما قال أبو العلاء المعرّي:
_________________
(١) محمد نور بن عبدالحفيظ سويد، «منهج التربية النبوية للطفل» (ص/ ٢٥٢).
[ ٨٢ ]
ويَنشأُ ناشئُ الفتيانِ، مِنّا على ما كانَ عَوّدَهُ أبُوه
وما دانَ الفتى بحِجًا (^١)، ولكن يُعَلّمُهُ التّدَيّنَ أقرَبُوه
يقول البيهقي: "وهذا شعار الصالحين ومن سلف من المسلمين، يعودون صبيانهم الصوم والصلاة والخير، حتى يتعوَّدوا ذلك" (^٢).
وقال المهلَّب: "فى هذا الباب وضوء الصبيان وصلاتهم، وشهودهم الجماعات فى النوافل والفرائض، وتدريبهم عليها قبل وجوبها عليهم؛ ليبلغوا إليها وقد اعتادوها وتمرنوا فيها" (^٣).
وإلى هذا المعنى أشار عبدالله بن مسعود في نصيحته الثمينة للآباء والمربين: «حافظوا على أولادكم في الصلاة، وعلموهم الخير، فإنما الخير عادة» (^٤).
_________________
(١) الحِجا: العقل والفطنة. والمراد: أن تدين الطفل والتزامه بالعبادة وأداءه لها ليس عن ذكائه واختياره، وإنما بتربية آبائه له.
(٢) البيهقي، «معرفة السنن والآثار» (٦/ ٣٥٩).
(٣) ابن بطال، «شرح صحيح البخاري» (٢/ ٤٦٩).
(٤) إسناده صحيح: أخرجه عبدالرزاق (٧٢٩٩)، وابن أبي شيبة (٣٤٩٧)، والبيهقي (٣/ ١٢٠)؛ من طريق عمارة بن عمير، والطبراني في «المعجم الكبير» (٩/ رقم ٩١٥٥)، والبيهقي (٣/ ١١٩): من طريق علي بن الأقمر. كلاهما (عمارة، والأقمر) عن أبي الأحوص عوف بن مالك، عن ابن مسعود؛ به. ورواية عمارة بذكر الشطر الأول فقط من الأثر. وثمَّ خلافٌ يسير على طريق الأقمر عند البيهقي أشار هو إليه في الموطن المذكور، لكنه لا يضر إن شاء الله.
[ ٨٣ ]
فتعويد الأطفال على العبادة من الصغر، وتدريبهم عليها؛ طريقٌ مجرَّب منصوحٌ به من الصحب والسلف.
بل فوق ذلك: كان عمر بن الخطاب - ﵁ - يرى أن الصغير الذي لم يجرِ عليه القلم تُكتَبُ حسناته، ولا تُكتب عليه سيئاته (^١).
وهذا دافعٌ آخر للآباء والمربين للإقدام على تعويد الصغير على العبادة وممارستها قبل البلوغ.
وسيرًا من الصحب والآل الكرام، على منهاج خير الأنام، ﵊، فقد عنوا بتنشئة صغارهم على العبادة، تدريبًا وتعليمًا، أمرًا ونهيًا، إشهادًا وتلقينًا، كما يتضح من هذه النماذج التي بين أيدينا في أصناف العبادة المختلفة؛ ومنها: