ليُعلَم ابتداءً: أن أئمة الفتوى اتفقوا على سقوط فرض الحج عن الصبى حتى يبلغ، إلا أنه إذا حُجَّ به كان له تطوعًا عند جمهور العلماء (^١).
فالحج شأنه في حق الصبي شأن الصوم والصلاة، يُعوَّد عليه، ليتهيأ للتكليف الذي ينتظره عند بلوغه؛ فلا يجده صعبًا أو شاقًّا عليه، وإنما يجده سهلًا مألوفًا لديه.
والحج -كما هو معروف- يجمع مشقَّات العبادات كلها، بالإضافة إلى أنه يجمع لذتها جميعًا.
وهو عبادة بدنية ومالية في آن واحد، فإذا ما حجَّ الصبي؛ فهذه بشارة على سلوك الطاعة مستقبلًا إن شاء الله تعالى.
ولأن هذه العبادة تختلف عن سابقتها في الزمان، والمكان، والأعمال، والتنظير فيها لا يجدي كبير نفعٍ؛ فكان سبيل التعليم الأنجع فيها: الممارسة والتطبيق، ومن ثمَّ اصطحب الصحب والآل صغارهم معهم ليعوِّدوهم، ويعلِّموهم.
وقد بوَّب البخاريُّ في «صحيحه» لمثل هذا بقوله: "باب حجِّ الصبيان" (^٢).
_________________
(١) ابن بطال، «شرح صحيح البخارى» (٤/ ٥٢٨).
(٢) «صحيح البخاري» (٤/ ٧١ - مع الفتح).
[ ١٠٥ ]
يقول الشافعيُّ: "إن الله - ﷿ - بفضل نعمته أثاب الناس على الأعمال أضعافها، ومَنَّ على المؤمنين بأن ألحق بهم ذرياتهم، ووفر عليهم أعمالهم فقال: ﴿ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾، فلما مَنَّ على الذراري بإدخالهم جنته بلا عمل؛ كان أن مَنَّ عليهم بأن يكتب لهم عمل البر في الحج، وإن لم يجب عليهم من ذلك المعنى" (^١).
في طريقها للحج: اصطحبت المرأة صغيرها معها، لعلها أرادت أن تُعلِّمه المناسك، وأن تريه المشاهد في سنٍّ مبكرة، بيد أن سؤالًا كان في ذهنها لم تجد من يجيبها عنه، إذ لم يبلغها فيه خبر، وبينما هي مع قومها إذ وصلوا مكانًا يُقال له الرَّوْحاء، قابلوا رجلًا مع أصحاب له، فبادرهم بالسؤال: «من القوم؟» قالوا: المسلمون، ثم بادلوه السؤال بسؤال: من أنت؟ قال: «رسول الله».
عند ذلك فزعت المرأة، ورفعت صبيَّها ليراه رسول الله - ﷺ -، ولا ندري أيهما كان أسبق، رؤية النبي - ﷺ - لصغيرها؟ أم سماعه لسؤالها الذي شقَّ جمع القوم: ألهذا حَجٌّ؟
فأجابها - ﷺ - بما أثلج صدرها، وطمأن قلبها، وشجَّعها على المضيِّ قُدُمًا فيما لأجله تحمَّلت عناء الصبر على صبيِّها: «نعم، ولكِ أجر» (^٢).
فيا لسعادتها بإجابة جاءت فوق ما كانت ترجو وتتمنَّى.
_________________
(١) البيهقي، «الاعتقاد» (ص/ ١٦٨).
(٢) «صحيح مسلم» (١٣٣٦).
[ ١٠٦ ]
إذا كان هذا شأنَ امرأة لم تكن من سكَّان المدينة، ولا أكثرت من صحبة النبي - ﷺ -، فكيف سيكون حال أصحابه وآله، ممن شاهدوه وصحبوه وتعلموا منه؟!
هذا أحد صغار آل بيته في زمانه، خرج به أهله في حجة النبي - ﷺ - ليشهدها معهم، يقول عن نفسه، واصفًا بعض مشاهده مع ابن عمِّه رسول الله - ﷺ -:
«أقبلت راكبًا على حمار أتان وقد ناهزت الاحتلام -أي: قاربت البلوغ-، ورسول الله - ﷺ - يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي» (^١).
ويقول أيضًا عن حكمٍ خاصِّ تعرَّض له مع أهله، وصار عامَّا في شأن من شابههم:
«بعثني -أو: قدمني- النبي - ﷺ - في الثَّقَل (^٢) -أو: في الضَّعَفَةِ- من جَمْعٍ بليل» (^٣).
إنه الغلام الفقيه: عبدالله بن عباس - ﵁ -.
ومن أصحابه - ﷺ - من حرص على صغاره كحرص آل العباس على
_________________
(١) متَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاري (٧٦)، ومسلم (٥٠٤).
(٢) الثَّقَل: أتباع المسافر، وحشمه، وآلات السفر، وأمتعة المسافرين.
(٣) متَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاري (١٨٥٦)، ومسلم (١٢٩٣).
[ ١٠٧ ]
ابن عباس، وإن لم يذكروا هم فعلهم ويحدثوا به؛ إلا أن الصغير افتخر به لما كبر، وصار يحكيه؛ فقال عن نفسه:
«حُجَّ (^١) بي مع رسول الله - ﷺ - وأنا ابن سبع سنين» (^٢).
إنه: السائب بن يزيد - ﵁ -.
ولم يكن حفاظهم على هذا لأجل وجود رسول الله - ﷺ - فقط بينهم، بدليل أنهم واظبوا عليه بعد رحيله ﵊، كما وقع مع عبدالله بن عمر - ﵁ -.
يصحبه نافع مولاه في مشهد حجه مع صبيانه وصغاره؛ فيرى مشهدًا ينقله عنه، يقول: "كان ابن عمر يحج بصبيانه، فمن استطاع منهم أن يرمي رمى، ومن لم يستطع رمى عنه" (^٣).
فما أحسن تعليمهم لصبيانهم، وما أجمل شفقتهم ورحمتهم بصغارهم!
_________________
(١) قال الحافظ في «فتح الباري» (٤/ ٧٢): "قوله: «حُجَّ بي» بضم أوله على البناء لما لم يسم فاعله، وقال ابن سعد، عن الواقدي، عن حاتم بن إسماعيل: «حَجَّت بي أمي»، وللفاكهي من وجه آخر عن محمد بن يوسف، عن السائب: «حَجَّ بي أبي»، ويجمع بينهما بأنه كان مع أبويه".
(٢) «صحيح البخاري» (١٨٥٨).
(٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٨٤٣).
[ ١٠٨ ]