يُعدُّ الصيام -بصفة خاصة من بين العبادات- عملية ضبط قوية فعَّالة، تتمثل فيها بشكل بارز إحدى وسائل الإسلام في التربية عن طريق الضبط. ففي الصيام يمتنع الإنسان -مختارًا- عن كثير من لذائذه المباحة، ويتعود -في إصرار وقوة- أن يرتفع على الرغبة، ويحقق كيانه بذلك الارتفاع.
_________________
(١) ابن حجر، «فتح الباري» (٢/ ٢٠٢).
(٢) «صحيح مسلم» (١١٣٦)، وما بين القوسين في «مستخرج أبي عوانة» (٢٩٧٠)، و«صحيح ابن حبان» (٣٦٢٠).
(٣) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (٤١٧٠)، وفي إسناده راوٍ مبهمٌ لم يُسمَّ!
[ ١٠٠ ]
كما أنَّ الصوم عبادة روحية جسدية في وقت واحد، يتعلم منها الصغير الإخلاص الحقيقي لله، ومراقبته وحده في السر، وتتربى إرادة الطفل بالبعد عن الطعام رغم الجوع، وعن الماء رغم العطش (^١).
وعبادةٌ بهذا القدر في الإسلام، مع كونها أحد أركانه؛ لم يكن الصحب والآل ليفوتهم محاولة تدريب أبنائهم وصغارهم عليها، وقد عَنْوَن البخاري في صحيحه لما ورد في هذا الباب بقوله: "باب صوم الصبيان" (^٢).
ومن أشهر ما ورد في هذا الباب: ما حكته الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ ابنِ عَفْراء ﵂ في شأن صيام عاشوراء؛ حيث قالت: "أرسل رسول الله - ﷺ - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار، التي حول المدينة: «من كان أصبح صائما، فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا، فليتم بقية يومه» فكنا بعد ذلك نصومه، ونُصوِّم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار (أي: حتى يكون عند الإفطار) " (^٣).
بل من شهرة هذا الأمر عندهم: احتجَّ به عمر بن الخطَّاب - ﵁ - على
_________________
(١) محمد قطب، «منهج التربية الإسلامية» (١/ ١٢٠)، محمد نور سويد، «منهج التربية النبوية للطفل» (ص/ ٢٦٥).
(٢) «صحيح البخاري» (٤/ ٢٠٠ - مع الفتح).
(٣) متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاري (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٦) واللفظ له، وما بين القوسين من رواية البخاري.
[ ١٠١ ]
من خالف الفريضة، وارتكب المحرَّم، وأفطر في نهار رمضان من الكبار.
يقول عبدالله بن أبي الهذيل: أُتي عمرُ بشيخ شرب الخمر في رمضان، فلما رُفع إليه عثر، فقال: «على وجهك -أو: بوجهك- (للمِنْخَرين للمِنْخَرين)، (في رمضان) وصبياننا صيام؟ فضربه الحدَّ، (ثمانين)، وكان إذا غضب على إنسان سيَّره إلى الشام، فسيَّره إلى الشام» (^١).
وقبل أن ننتقل إلى عبادة أخرى من التي ربَّى الصحب والآل صغارهم عليها؛ نؤكِّد على أنه ليست الصلاة والصيام فقط هما اللذان يضبطان سلوك المرء ورغباته، بل كل عبادة هي في الحقيقة ضبط لشهوة من الشهوات، وتعويد للنفس أن تضبط مشاعرها وتضبط سلوكها، وتختار طريقها بين مختلف الطرق، تختار طريق الحقِّ والإحسان والإخلاص.