عناية مبكِّرة
لما كانت تربية الأطفال والصغار بهذه المنزلة الهامة، والمكانة السامقة التي تمَّت الإشارة إليها في المقدِّمة؛ فقد أولاها الشرع عناية خاصَّة، بل ومبكِّرة، لا نعني من حين ولادتهن وخروجهن إلى الحياة؛ بل من قبل ذلك، من وقت البحث عن شريكة الحياة، التي ستقاسم الرجل المسؤولية والتربية، إذ هو مسؤول عنها وعن بيته، وهي مسؤولة عن بيته وأولاده (^١)، "ومما صدر من الخواطر: أن الرجل والمرأة كالبيت من الشِّعْر، ولا يحسن في البيت من الشِّعْر أن يكون شطره محكمًا، والشطر الآخر متخاذلًا" (^٢).
بل إن الشواهد تدل على أن ملكة التقوى كثيرًا ما تظهر في الولد تبعًا لأبويه، أو لأحدهما، أو للعمِّ، أو للخال.
_________________
(١) أخرج البخاري (٨٩٣) ومسلم (١٨٢٩) -واللفظ له- من حديث عبدالله بن عمر، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعيةٌ على بيت بعلها وولده، وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته».
(٢) محمد الخضر حسين، «الأعمال الكاملة- جمع علي الرضا الحسيني» (٢/ ١١١).
[ ٤٧ ]
لهذا كله: جاء الإرشاد النبوي الموجِّه للآباء، المُلفت النظرَ لهذا الجانب المبكِّر الهام في قوله - ﷺ -: «تخيَّروا لِنُطَفِكم» (^١)،
أي: اطلبوا لها ما هو خير المناكح وأزكاها (^٢).
وبوَّب البخاري في «صحيحه» بهذا المعنى؛ فقال: "بابٌ إلى من ينكح، وأيُّ النساء خير، وما يُستحبُّ أن يتخيَّر لنُطَفِه من غير إيجاب" (^٣).
فمن أوَّل حقِّ الوَلَد: أن ينتقي أُمَّه، ويتخيَّر قبل الاستيلاد منهن الجميلة، الشريفة، الديِّنة، العفيفة، العاقلة لأمورها، المرضيَّة في أخلاقها، المجرَّبة بحُسْنِ العقل وكماله، المواتية لزوجها في أحواله. قال الله ﵎ في جملة هذه القضايا: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (^٤).
_________________
(١) إسناده ضعيف: أخرجه ابن ماجه (١٩٦٨)، والحاكم (٢/ ١٧٦)، وغيرهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ مرفوعًا. ومع أن الحديث صحَّحه الحاكم، والألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٣/ ٥٦)، وقال الحافظ في «فتح الباري» (٩/ ١٢٥): "أخرجه بن ماجه وصحَّحه الحاكم من حديث عائشة مرفوعًا، وأخرجه أبو نعيم من حديث عمر أيضًا، وفي إسناده مقال، ويُقوَّى أحد الإسنادين بالآخر"؛ لكن أعلَّه -قبلهما- أبو حاتم الرازي كما في «العلل» لابن أبي حاتم (١٢٠٨، ١٢١٩)، والدارقطني في «العلل» (٣٨٣٣)، ورجَّح الأخير أن الصواب فيه عن عروة مرسلًا، بدون ذكر عائشة. وقولهما أرجح وأولى، والله أعلم.
(٢) نور الدين السندي، «حاشية السندي على سنن ابن ماجه» (١/ ٦٠٧).
(٣) «صحيح البخاري» (٩/ ١٢٥ - مع الفتح).
(٤) سورة التحريم (٥).
[ ٤٨ ]
وقد جَرَت العادة في أهل كل دينٍ وملَّة وجيل وأهل نحلة بطلب الكُفاة في باب النكاح والإنكاح، وجَعَل الدينُ هذا شريعةً من الشرائع؛ كلُّ ذلك: طلبًا لنجابة النَّسل، وتخيُّرًا للطروقة والفحل، وضنّا بالنجابة التي في النِّجار (^١) أن تنتقل إلى غيره، وهربًا من تدنيس النسب (^٢).
ولقد وعى الصَّحبُ الكرام هذه المسألة، فاعتنوا بها، وأعطوها حقَّها، حتى أنَّ العَيْنَ لا تخطئ ذلك النموذج الفريد لهذا الشاب الأنصاري الذي قدَّم الاختيار بعقله على مشاعره وعواطفه، مراعاة لأمر التربية والتنشئة؛ ذلك الشاب هو: