اختلف العلماء فيمن يُطلق عليه هذا اللقب "الصحابي"، واختلافهم
_________________
(١) ابن دريد، «جمهرة اللغة» (١/ ٢٨٠)، ابن منظور، «لسان العرب» (١/ ٥٢٠).
(٢) ابن منظور، «لسان العرب» (١/ ٥٢٠).
(٣) ابن منظور، «لسان العرب» (١/ ٥١٩)، الفيروز آبادي، «القاموس المحيط» (ص/ ١٠٤)
(٤) الفيومي، «المصباح المنير» (١/ ٣٣٣).
(٥) النووي، «المجموع» (١/ ٧٦)، الفيومي، «المصباح المنير» (١/ ٣٣٣). وذكر ابن الجوزي في «نزهة الأعين النواظر» (ص/ ٣٩٢) عن بعض المفسِّرين أن الصاحب في القرآن على تسعة أوجه، فلتُراجَع هناك.
[ ٤٣ ]
هنا فرعٌ عن الاختلاف اللغوي السابق، هل لفظ "الصحابي" مشتقٌّ من الصحبة مطلقًا، فيُفهم منه أنه لا يُشتَرطُ طول مجالسة ومعاشرة، أم أنه يُطلق على المعاشرة والمجالسة؛ فيُفهم منه أنه يُشتَرطُ طول مجالسة، واختصاص مصحوب، ومدة صحبة (^١)؟
ويمكن اختزال هذه المذاهب والأقوال في قولين مشهورين (^٢)، وإليهما تُرجع باقي الأقوال:
القول الأول: أن الصَّحابي هو: من لقي النبي - ﷺ - مؤمنًا به، وصحبه ولو ساعة، ومات على ذلك الإيمان، سواء روى عنه أو لم يرو عنه، وسواء اختص به اختصاص المصحوب، أو لم يختص به.
وهذا مذهب جمهور المحدِّثين، وبعض الأصوليَّين والفقهاء.
قال البخاري: "من صحب النبي - ﷺ - أو رآه من المسلمين؛ فهو من أصحابه" (^٣).
قال الحافظ ابن حجر: "والذي جزم به البخاري هو قول أحمد،
_________________
(١) د. عبدالكريم النملة، «مخالفة الصحابي للحديث النبوي» (ص/ ٣٣).
(٢) النووي، «المجموع» (١/ ٧٦). وقد أوصل د. عبدالكريم النملة هذه الأقوال إلى سبعة، وذكر أدلة كل قول، والقائلين به، والاعتراضات الواردة عليه، والإجابة عنها، ورجَّح القول الثاني المذكور هنا. انظر: «مخالفة الصحابي للحديث النبوي» (ص/ ٣٥ - ٧٤).
(٣) «صحيح البخاري» (٧/ ٣ - مع فتح الباري)
[ ٤٤ ]
والجمهور من المحدِّثين" (^١).
وقال ابنُ كثير: "والصحابي: من رأى رسول الله - ﷺ - في حال إسلام الراوي، وإن لم تطل صحبته له، وإن لم يرو عنه شيئًا، هذا قول جمهور العلماء، خلفًا وسلفًا" (^٢).
وقال ابن الهُمام: "الصحابي: ع
ند المحدثين وبعض الأصوليين من لقي النبي - ﷺ - مسلمًا، ومات على إسلامه" (^٣).
القول الثاني: الصحابي هو: من رأى النبي - ﷺ - واختصَّ به اختصاص المصحوب، متبعًا إيَّاه مدة يثبت معها إطلاق الصاحِب عليه عُرفًا، بلا تحديد لمقدار تلك الصُحبة، سواء روى عنه أو لم يروِ عنه، تعلَّم منه أو لم يتعلَّم.
وهذا مذهب جمهور الأصوليِّين، وأكثر الفقهاء (^٤).
_________________
(١) ابن حجر، «فتح الباري» (٧/ ٤). ورجَّحه أيضًا: النووي في «المجموع» (١/ ٧٦)
(٢) ابن كثير، «الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث» (ص/ ١٧٩).
(٣) الكمال ابن الهمام، «التحرير» (٢/ ٢٦١ - مع التقرير والتحبير). ممن ذهب إلى ذلك من الأصوليِّين: ابن قدامة في «روضة الناظر» (١/ ٣٤٦)، والآمدي في «الإحكام» (٢/ ٩٢)، والطوفي في «شرح مختصر الروضة» (٢/ ١٨٥)، والإسنوي في «زوائد الأصول» (ص/ ٣٢٨)، وابن النجار في «مختصر التحرير» (٢/ ٤٦٥).
(٤) من هؤلاء: إمام الحرمين في «التلخيص في أصول الفقه» (٢/ ٤١٤)، والغزالي في «المستصفى» (ص/ ١٣١)، وابن السمعاني في «قواطع الأدلة» (١/ ٣٩٢)، والصيمري في «مسائل الخلاف» (ص/ ١٨٢)، والقرافي في «شرح تنقيح الفصول» (ص/ ٣٦٠).
[ ٤٥ ]
قال أبو الخطَّاب الحنبلي: "وقال أكثر العلماء: لا يقع هذا الاسم إلا على من أطال المكث معه على وجه التتبع له، وشرط الجاحظ وغيره مع ذلك أن يأخذ عنه العلم أيضًا" (^١).
والخلاف في هذه المسألة وإن كان آيلا إلى النزاع في الإطلاق اللفظي؛ فالأرجح القول الأول، والله أعلم (^٢).
_________________
(١) أبو الخطاب الكَلْوَذاني الحنبلي، «التمهيد في أصول الفقه» (٣/ ١٧٣).
(٢) قال الآمدي في «الإحكام في أصول الأحكام» (٢/ ٩٢): "ويدل على ذلك ثلاثة أمور: الأول: أن الصاحب اسم مشتق من الصحبة، والصحبة تعم القليل والكثير، ومنه يقال صحبته ساعة، وصحبته يومًا وشهرًا، وأكثر من ذلك. الثاني: أنه لو حلف أنه لا يصحب فلانًا في السفر، أو ليصحبنَّه، فإنه يبرُّ ويحنث بصحبته ساعة. الثالث: أنه لو قال قائل: صحبت فلانا، فيصح أن يقال: صحبته ساعة أو يومًا أو أكثر من ذلك، وهل أخذت عنه العلم ورويت عنه، أو لا، ولولا أن الصحبة شاملة لجميع هذه الصور، ولم تكن مختصة بحالة منها، لما احتيج إلى الاستفهام".
[ ٤٦ ]