عادة ما ينشأ الصغير الذي تعوَّد على كتم الأسرار قويَّ الإرادة، رابط الجأش، ضابط اللسان، وبهذا تنشأ الثقة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، بحفظ أسرار بعضهم البعض (^٢).
ولأهمية هذا الخُلُق: فقد اعتنى الصحب والآل بتربية صغارهم
_________________
(١) في إسناده ضعف يسير: أخرجه أحمد في «فضائل الصحابة» (١٨٦٢)، وهناد في «الزهد» (٢/ ٥٦٦) من طريق مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن ابن عباس؛ به. ومجالد قال عنه الحافظ في «التقريب» (٦٤٧٨): "ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره".
(٢) محمد نور بن عبدالحفيظ سويد، «منهج التربية النبوية للطفل» (ص/ ٣٠٥).
[ ١٣٢ ]
عليه، وحثهم على التمسك به، حتى لو كان ذلك بكتم السر عنهم هم أنفسهم.
لأنه كان خادمه، ويقضي له كثيرًا من حوائجه، ويرسله في طلبات له ولآل بيته، اطَّلع أنس بن مالك - ﵁ - الصبي الصغير على بعض أسراره - ﷺ -، لكن إلى أي مدى يكتم أنس هذه الأسرار؟ وحتى متى لا يُحدِّث بها؟ لِنَدع الجواب لأنس نفسه:
يقول: خدمت رسول الله - ﷺ - يومًا، حتى إذا رأيت أني قد فرغت من خدمته، قلت: يقيل رسول الله - ﷺ -، فخرجت متوجها إلى أهلي، فمررت بغلمان يلعبون، فأعجبني لعبهم، فقمت على الغلمان، فانتهى إليَّ رسول الله - ﷺ - وأنا قائم على الغلمان، فسلَّم على الغلمان، ثم أرسلني رسول الله - ﷺ - في حاجة له. وجلس رسول الله - ﷺ -، في فيء حتى أتيته، فرجعت إلى أهلي بعد الساعة التي كنت أرجع إليهم فيها، فقالت لي أمي: ما حبسك اليوم يا بني؟
فقلت: «أرسلني رسول الله - ﷺ - في حاجة له».
فقالت: أي حاجة يا بني؟
فقلت: «يا أمَّاه! إنها سِرٌّ».
فقالت: يا بني! احفظ على رسول الله - ﷺ - سِرَّه.
أنْعِم بأمِّ سليم من أُمٍّ تربي صغيرها على حفظ السر، حتى عن نفسها،
[ ١٣٣ ]
فعلمنا بهذا إلى أي مدى حفظ الصبي السر، لكن حتى متى؟ أيفشيه بعد وفاة صاحب السر؟ أم بعد وفاة أمه؟
لقد سمع ثابت البُناني تلميذ أنس بن مالك هذا الحديث منه، فانتابه الفضول لمعرفة هذا الذي كتمه عن أمه؛ فقال له: يا أبا حمزة، أتحفظ تلك الحاجة اليوم أو تذكرها؟
قال أنس: «إي والله، وإني لأذكرها، ولو كنت محدِّثًا بها أحدًا من الناس لحدثتك بها يا ثابت» (^١)! فانقطع الأمل عن ثابت أن يعرف هذا السرَّ، الذي دُفن مع أنس يوم مات!
يقول الحافظ ابن حجر: "قال بعض العلماء: كأن هذا السر كان يختص بنساء النبي - ﷺ -، وإلا فلو كان من العلم ما وسع أنسا كتمانه" (^٢).
لم يربِّ الصحب والآل صغارهم على حفظ سر رسول الله - ﷺ - وحده، وإنما كان ذلك على حفظ السرِّ عمومًا، مع كل من يختصهم به، ويعلمونهم بأثر هذا في الدنيا قبل الآخرة.
في وصية العباس بن عبدالمطلب - ﵁ - لابنه عبدالله، التي سقنا طرفًا منها منذ قليل، بعد أن ذكَّره بنعمة الله عليه، أن فتح له قلب أمير المؤمنين عمر، فصار الأخير يدنيه ويقربه، وينزله منزلة ليست لغيره؛
_________________
(١) متَّفق عليه: أخرجه البخاري (٦٢٨٩)، ومسلم (٢٤٨٢)، وأحمد (١٣٠٢٢، ١٣٣٨٠)، وهذا لفظ أحمد.
(٢) ابن حجر، «فتح الباري» (١١/ ٨٢).
[ ١٣٤ ]
قال له: «فاحفظ عني ثلاثًا»، ثم أوصاه بثلاث؛ كان أولها: «اتق الله، ولا تفشينَّ له سرًّا» (^١).