هذا أصلٌ هامٌّ من أصول الأخلاق الإسلامية، والتي تحتاج إلى جهد لتركيزها وتثبيتها، ومن أهم وسائله المستخدمة: أن يتحلَّى الوالدان والمربُّون به في تعاملهم مع صغارهم، فتفعل فيهم القدوة والمثال، ما لا تفعله الأوامر والنواهي والأقوال.
_________________
(١) السمعاني، «أدب الإملاء والاستملاء» (ص/ ٣٥).
(٢) أبو علي القالي، «الأمالي» (٢/ ١٨٨)، ابن عبدالبر، «جامع بيان العلم» (١/ ٥١٩)، وعنده: الحسين، بدلًا من الحسن!
[ ١٢٩ ]
أحد أوعية العلم من الصحابة، وهو: عبدالله بن مسعود - ﵁ -، ينصح من حوله من الآباء والمربين ذات يومٍ، منبِّهًا إياهم على ذلك الخُلُق، محذِّرًا من التلاعب بمشاعر الصغار، بدعوى أنهم لا يفهمون، ولو بإخلاف وعد؛ فيقول لهم:
«إياكم والروايا، روايا الكذب، فإنَّ الكذب لا يصلح بالجد والهزل، ولا يَعِد أحدكم صبيَّه ثم لا ينجز له» (^١).
وهذا ما كان الصَّحْب الكرام يطبقونه في تعامله مع صغارهم، ألا يعدوهم إلا بما يستطيعون الوفاء به.
ها هي امرأة يزورها النبي - ﷺ - في بيتها ذات يوم، فتتلمس البركة والدعاء لصغيرها الذي خرج يلعب كعادة أقرانه، فتناديه، وحضًّا له على الإسراع تعده أنه إذا أتى أعطته عطيَّة، إنه عبدالله بن عامر - ﵁ -، قالت له أمُّه: «يا عبدالله! ها، تعال أعطِكْ».
فسمع النبي - ﷺ - عبارتها فقال لها: «وما أردتِ أن تعطيه؟»
قالت: «أعطيه تمرًا».
_________________
(١) في إسناده ضعف: أخرجه السمعاني في «أدب الإملاء والاستملاء» (ص/ ٣٥)، من طريق يحيى بن رجاء، ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود؛ به. ويحيى بن رجاء، ترجم له الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٥/ ٩٦٢)، ولم ينقل فيه جرحًا ولا تعديلًا.
[ ١٣٠ ]
فقال لها رسول الله - ﷺ -: «أما إنك لو لم تعطه شيئًا؛ كُتبتْ عليك كذبة» (^١).
فتأمَّل وعد المرأة بما تستطيع أن تفي به، ومراقبة الصغير للموقف كله، وانتفاعه به بعد بلوغه وكبره، فيطبقه، ويحدِّث به مَنْ بعده.
يقول السندي: "قوله: «لو لم تفعلي»، أي: لو لم تعطي شيئًا، فيدل الحديث على أن من لم يف بالوعد فهو كاذب، وعلى أنَّ الوعد بالصغير كالوعد بالكبير" (^٢).
لكن ثمَّ أسلوبٌ آخر من ترسيخ هذا الخلق، خلق الصدق وذم الكذب، كانوا يستخدمونه مع صغارهم؛ وهو: الحثُّ عليه، والترهيب من ضده، وأنه ضارٌّ بصاحبه، دينًا ودنيا.
هذا أحد آل البيت الكرام، وهو عمُّ النبي - ﷺ -، إنه العباس بن
_________________
(١) حسن لغيره: أخرجه أحمد (١٥٧٠٢)، وأبو داود (٤٩٩١)، من طريق محمد بن عجلان، أن رجلًا من موالي عبدالله بن عامر، حدثه عن عبدالله بن عامر؛ به. وهذا إسنادٌ ضعيف لإبهام الراوي عن ابن عامر. وأخرجه البيهقي (١٠/ ١٩٨ - ١٩٩) وسمى مولى عبد الله بن عامر زيادا، ولم أقف عليه أيضًا! وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعًا، أخرجه أحمد (٩٨٣٦)، إلا أنه من رواية الزهري عن أبي هريرة، ولم يسمع منه. ولفظه: «من قال لصبي: تعال هاك، ثم لم يعطه فهي كذبة». والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٧٤٨).
(٢) السندي، «حاشية على مسنَد أحمد» (٢٤/ ٤٧١ - مع المسنَد).
[ ١٣١ ]
عبدالملطلب - ﵁ -، كان يرى احتفاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بابنه عبدالله بن عباس - ﵃ -، فأراد له أن تدوم هذه المنزلة عنده، فنصحه وقدَّم بين يدي النصيحة بسببها، وعاقبتها؛ فقال له يومًا: «يا بني! إني أرى أمير المؤمنين يقربك، ويخلو بك، ويستشيرك مع ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فاحفظ عني ثلاثًا»، ثم أوصاه بثلاث؛ كان منها: «ولا يجرِّبن عليك كذبة».
حدَّث ابن عباس لاحقًا أصحابه من التابعين بهذه الوصية، فاستملحها عامر الشعبي؛ فقال لابن عباس: يا أبا عباس! كل واحدة خير من ألف.
قال ابن عباس: «نعم، ومن عشرة آلاف» (^١).