في أثناء عودته من إحدى الغزوات مع رسول الله - ﷺ -، تحرَّكت به أشواقه، ولو تُرك العنان لها لسبقت جميع من حوله، لكن قعدت به ناقته، حتى لحق به النبي - ﷺ -، فأصابت بركته الناقة؛ فسابقت أشواق جابر إلى المدينة، فاستفسر منه النبي - ﷺ - عن سر هذا الشوق والإسراع؛ فأجابه جابر بأنه: حديثُ عهدٍ بعُرس.
سأله النبي - ﷺ - عن حالة من تزوَّجها: «بكرًا؟ أم ثيِّبًا؟»
قال جابر: بل ثيِّبًا.
_________________
(١) النِّجار -بكسر النون وبضمِّها-: الأصل، والحسب.
(٢) الماوردي، «نصيحة الملوك» (ص/ ١٦٤).
[ ٤٩ ]
فقال له النبي - ﷺ -: «فهلّا جارية تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك؟» (^١).
وكانت المفاجأة!
لم يكن جابرٌ بغافلٍ عن مزايا البكر عن الثيِّب، لكنه كان يحمل همَّ تربية بناتٍ صغيراتٍ، ويعلم ما للثيِّب من مزيِّةٍ في هذه المهمة عن البكر؛ فكان بين اختيارين: إما أن يُقدِّم متعته وعاطفته في الاختيار، ولو على حساب هؤلاء الصغار، وإما أن يُقدِّم الأنفع لهن ولو على حساب عاطفته، فماذا يفعل؟!
لقد اختار جابرٌ أن يغالب عاطفته، ليُقدِّم المنفعة الأكبر، والأثر الأعظم، ليشابه جابرٌ والده عبدالله، الذي ضحَّى برعاية بناته والبقاء معهنَّ، وهي عاطفة الأبوَّة الشديدة، في مقابل الخروج للجهاد والشهادة في سبيل الله يوم أحد (^٢).
انتزع جابرٌ نفسَه من هذه الذكريات والنزاعات التي واجهها داخليًّا في سالف وقته ليجيب رسول الله - ﷺ - قائلًا:
يا رسول الله، إن أبي قُتِل يوم أُحُد وترك تِسْع بنات، جواري صغارًا، كُنَّ لي تسعَ أخوات، فكرهتُ أن أجمع إليهن جاريةً -أي:
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٥٣٦٧).
(٢) «صحيح البخاري» (١٣٥١).
[ ٥٠ ]
بكرًا صغيرة- خَرْقاء مِثلَهنَّ (^١)، فتزوَّجتُ امرأةً تقوم عليهن وتصلحهنَّ (^٢)، تُعلّمهنَّ وتؤدِّبهنَّ (^٣)، تمشطهنَّ وتقوم عليهنَّ (^٤).
فقال النبيُّ - ﷺ - له: «أصبتَ (^٥)، بارك الله لك» (^٦).
فيا لسعادة جابر، لا لتغلُّبه على شهوته وحظِّ نفسه وإيثار الآجل على العاجل فحسب؛ بل لإقرار النبي - ﷺ - له على فعله وتصويبه له.
يقول الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث فضيلةٌ لجابر، لشفقته على أخواته، وإيثاره مصلحتهن على حظِّ نفسه. ويُوخذُ منه: أنه إذا تزاحمت مصلحتان؛ قُدِّم أهمهما، لأن النبي - ﷺ - صوَّب فعل جابر، ودعا له لأجل ذلك" (^٧).
وإذا كان هذا شأنَ فتى من الصَّحْب في الاختيار لتربية بنات صغيرات، لَسْنَ من صُلبه، ولن تقوم الزوجة بالحمل والرضاع، وإنما ستتعاهد التربية والقيام بما يصلحهن؛ فلنا أن نتصور كيف سيكون أحدهم حريصًا أشدَّ الحرص على اختيار من ستحمل النُطفة في رحمها،
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٤٠٥٢).
(٢) «صحيح البخاري» (٥٣٦٧).
(٣) «صحيح البخاري» (٢٤٠٦).
(٤) «صحيح البخاري» (٤٠٥٢).
(٥) «صحيح البخاري» (٤٠٥٢).
(٦) «صحيح البخاري» (٥٣٦٧).
(٧) ابن حجر، «فتح الباري» (٩/ ١٢٣).
[ ٥١ ]
وتتحمَّل مشاقَّ حملها، ووضعها، قبل رضاعها وتربيتها.
لم تتوقف العناية المبكِّرة عند حد الاختيار فحسب؛ بل إنها تمتد لفترة البناء والحمل، إلى ما قبل الوضع، وخروج الولد إلى سعة الحياة بعد ضيق الرحم.
ومن أهم الوسائل التي استُخدِمت في ذلك: الدعاء بالبركة والصلاح لهم، قبل مجيئهم، كما وقع من: