من السنن الاجتماعية الثابتة بين الناس: الصحبة والصداقة، فمن طبيعة النفس البشرية أن تُخالط الناس، وتتعرف عليهم، وتتخذ من بينهم ثلة، تقترب منهم، وتعيش معهم حياة الأخوة والصحبة والمحبة.
فإذا كان الصبي لن يعيش وحده، ويحتاج إلى أخوَّة وصداقة؛ فمن الجيد والمفيد أن يساعده والداه في اختيار هؤلاء الأصدقاء، وأن يشيرا عليه، لا أن يعنفاه، ويبعدانه عن أبناء سنه؛ فمثل هذا ينشئه منعزلا منطويًا.
مر معنا فيما مضى مرور أنس بن مالك - ﵁ - على الصبيان وتسليمه
_________________
(١) متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاري (٥١٨٠)، ومسلم (٢٥٠٨).
[ ١٥٩ ]
عليهم (^١)، وحكى أن مثل هذا وقع من رسول الله - ﷺ -، والذي يستوقفنا في هذا المشهد الآن: كيف أن الآباء يتركون صغارهم على حريتهم، ليلهوا ويلعبوا مع أقرانهم، دون تضييق عليهم!
وكيف أن أنسًا -وغيره من الصحابة- يمر على الصبيان على حالتهم؛ فلا يفزعهم، ولا يخرجهم عن حالتهم من اللهو واللعب!
وقد يتدخل الوالد في ذلك بشيء من التوجيه والنصح، حرصًا على ابنه، كما نصح زين العابدين الحسين بن علي، ابنه أبا جعفر الباقر محمد بن علي، الذي نقل نصيحته بعد ذلك؛ فقال:
قال لي أبي يومًا: «لا تصحبن خمسة، ولا تحادثهم، ولا ترافقهم في طريق».
قلتُ: جعلت فداك يا أبه، من هؤلاء الخمسة؟
قال: «لا تصحبن فاسقا، فإنه بايعك بأكلة فما دونها»
قلتُ: يا أبه! وما دونها؟
قال: «يطمع فيها ثم لا ينالها».
قلتُ: يا أبه! ومن الثاني؟
قال: «لا تصحبن البخيل؛ فإنه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه».
_________________
(١) صحيح: تقدَّم تخريجه.
[ ١٦٠ ]
قلتُ: يا أبه! ومن الثالث؟
قال: «لا تصحبن كذابا، فإنه بمنزلة السراب، يبعد منك القريب، ويقرب منك البعيد».
قلتُ: يا أبه! ومن الرابع؟
قال: «لا تصحبن أحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك».
قلتُ: يا أبه! ومن الخامس؟
قال: «لا تصحبن قاطع رحم؛ فإني وجدته ملعونا في كتاب الله تعالى في ثلاثة مواضع» (^١).